هو الملك المعظم توران شاه، بن الملك الصالح نجم الدين أيوب، بن الملك الكامل محمد، وهو الثامن من ملوك بني أيوب بمصر، بويع بالسلطنة بعد موت أبيه الملك الصالح نجم الدين أيوب في مستهل شهر المحرم الحرام (^١) سنة ثمان وأربعين وستمائة، وكانت ولايته بعد موت أبيه بأربعة أشهر. فلما تولى نودى باسمه في القاهرة وزينت له ودقت له الكئوسات سبعة أيام، وتلقب بالملك المعظم، ونودى بين العساكر في الوطاق بالدعاء للسلطان الملك المعظم توران شاه والترحم على الملك الصالح نجم الدين أيوب، فلبس توران شاه خلعة السلطنة بالمنصورة، وقبل له الأمراء الأرض، وخطب باسمه على المنابر.
فلما تحقق الافرنج موت الملك الصالح طمعوا في أخذ مصر وزحفوا إلى فارسكور، فاجتمع سائر الأمراء وتحالفوا على الجهاد في سبيل الله تعالى.
فلما كان يوم الجمعة ثاني عشر المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة (١٢٥٠ م) ركب الأمير بيبرس البندقداري والأمير لاجين وغيرهما من الأمراء، وخرج معهم السواد الأعظم من العوام والفلاحين وغير ذلك وفي أيديهم المقاليع والحجارة، وهجم المماليك البحرية وفي أيديهم السيوف والدبابيس والرماح، ومنهم طائفة يرمون بالنشاب، فحملوا على الافرنج حملة واحدة … فكانت ساعة تشيب منها النواصي، وقد تاب من هول ذلك اليوم العاصي، فانكسر الافرنج أبخس كسرة، وولوا مدبرين، والله تعالى ناصر الناصرين، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.
_________________
(١) في "حسن المحاضرة": إن توران شاه ملك مصر في ذي القعدة سنة ٦٤٧، وقتل في يوم الاثنين سابع عشر المحرم سنة ٦٤٨.
[ ١ / ١٠٥ ]
قال الشاعر:
لله در فوارس يوم الوغي … تهوى الحياطة لا اليهم تنتمي
ذرعوا الفوارس بالرماح، وفصلوا … بالمرهفات، وخيطوا بالأسهم
فبلغ عدة من استشهد في هذه الواقعة من أمراء السلطان سبعة وستين أميرا غير المماليك، وقتل من العوام ما لا يحصى عددهم، وقتل من الافرنج على فارسكور ما يزيد على اثنى عشر ألف انسان، وأسر من ملوكهم سبعة، وغنم منهم المسلمون من السلاح والقماش والخيول شيئا كثيرا لا يحصى … حتى قيل بيع في عسكر السلطان كل سيف بنصفين فضة، وكل فرس بعشرة أنصاف، وكل درع بثمانية أنصاف.
وأما ملك الافرنج ريدا فرسيس، واكابر أمرائهم، فانهم قد انحاشوا إلى تل عال هناك، وأرسلوا يسألون الأمان من السلطان، فأرسل إليهم بعض الأمراء فقبض عليهم وقيدهم وسجنهم.
وأما ملك الافرنج فسجنه السلطان في دار القاضي فخر الدين بن لقمان كاتب السر - وكانت في المنصورة - ووكل به طواشى يسمى صبيح الفاطمي فكان يضربه ليلا ونهارا، ويقرره على الأموال. واستمر في السجن وهو مقيد هو وأخوه وأقاربه، وقد قرر عليه السلطان مالا يورده، فأرسل إلى بلاده ليحضر الأموال التي قد قررت عليه.
فلما حصلت هذه النصرة أرسل السلطان الملك المعظم توران شاه بالبشارة إلى القاهرة يأخذ مدينة دمياط، وقد توجه بهذه البشارة الأمير شهاب الدين ابن يغمور والي القاهرة، فدخلها وهو لابس لبس ملك الافرنج: اشكر لاط مخمل أحمر بفرو سنجاب وقلنسوة ذهب.
فزينت له القاهرة، وكان يوما مشهودا لم يسمع بمثله … بعد أن كان الافرنج أشرفوا على أخذ الديار المصرية، واستولوا على غالب الضياع، ونهبوا ما فيها، وأسروا أهلها.
قيل ما ملك المسلمون مدينة دمياط أشار الأمراء على السلطان بهدم مدينة دمياط، فأرسل إليها الهدادين فهدموها عن آخرها، ولم يبق منها سوى الجامع الكبير ووقع فيها الهدم في يوم الاثنين ثامن شعبان سنة ثمان وأربعين وستمائة، واستمرت من يومئذ خرابا وصار مكان بيوتها أخصاصا من القش على شاطئ بحر النيل يسكن فيها جماعة من الصيادين، وسموها المنشية، واستمرت على ذلك إلى دولة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري، فأمر بتجديد عمارتها، فأرسل إليها جماعة من البنائين والحجارين.
وكان ابتداء عمارتها في سنة خمس وستمائة (١٢٥٢ م)، فجدد بناء سورها، وأمر بردم فم
[ ١ / ١٠٦ ]
البحر الذي تدخل منه مراكب الافرنج فردموه من القرابيص التي كانت هناك من الهدم القديم، فامتنعت المراكب الكبار من الدخول إلى بحر النيل من يومئذ.
ثم أن الملك الظاهر أمر بإعادة السلسلة الحديد التي كانت من البر إلى البر … قيل إن هذه السلسلة كانت في أيام المقوقس عظيم القبط ثم بطلت، فأمر بإعادتها كما كانت.
ومن هنا نرجع إلى أخبار ملك الافرنج ريدا فرنسيس، فانه لما اعتقل بدار القاضي فخر الدين ابن لقمان كاتب السر التي كانت بأرض المنصورة، وتولى عقابه الطواشي صبيح الفاطمي، صار يضربه في كل يوم خمسمائة عصا، فاستمر على ذلك إلى أن تولى الملك المعز أيبك التركماني، فأرسل إليه فرنسيس يقول له بأن يشتري نفسه منه بمائتي ألف دينار غير التقادم … فأفرج الملك المعز عنه وعن أخيه وأقاربه، وحلفوه أيمانا عظيمة بأنه ما بقى يتعدى على بلاد المسلمين، ولا يفسد في البحر والبر، فلما حلف اذن له الملك المعز بالتوجه إلى بلاده، فسار واستمر في بلاده وأرسل إلى الملك المعز ما قرره له من الأموال.
وأقام على ذلك إلى أن قتل الملك المعز أيبك وتولى من بعده ابنه الملك المنصور علي، فجاءت الأخبار من البلاد بأن فرنسيس المذكور جمع العساكر، وصنع مراكب كثيرة، وقصد العود إلى أخذ مدينة دمياط. فلما بلغ المنصور ذلك جمع الأمراء وضربوا مشورة، فاقتضى الرأي أن يرسلوا إليه مطالعة من عند السلطان بالتهديد له والحط عليه، فكتب إليه الصاحب جمال الدين بن مطروح مطالعة وضمنها هذه الأبيات:
قل للفرنسيس إذا جئته … مقال نصح من قئول فصيح
آجرك الله على ما جرى … من قتل عباد لدين المسيح
أتيت مصرا تبتغي ملكها … تحسب أن الزمر بالطبل ريح
فساقك الحين إلى عسكر … ضاق به عن ناظريك الفسيح
وكل أصحابك أودعتهم … بسوء تدبيرك بطن الضريح
خمسون ألفا لا ترى منهم … إلا قتيلا أو أسيرا جريح
[ ١ / ١٠٧ ]
وفقك الله لأمثالها … لعل عيسى منكم يستريح
إن كنت عولت على عودة … لأخذ ثأر أو لعقد صحيح
دار ابن لقمان على حالها … والقيد باق، والطواشي صبيح
فلما وصلت هذه المطالعة إلى فرنسيس وسمع هذه الأبيات، رجع عن التوجه إلى مصر، وتذكر ما قد جرى عليه من الطواشي صبيح وما قاسى من ضربه له.
ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك المعظم توران شاه … قيل لما حصلت هذه النصرة لتوران شاه ظن أن الوقت قد صفا له فتحول من المنصورة إلى فارسكور، فنصب له هناك برجا من الخشب على شاطئ البحر، ثم أحضر الأسارى من الافرنج وضرب أعناقهم بين يديه بالسيف، ثم قذفهم في البحر، ثم شرع يقرب جماعة من حاشيته ممن حضر معه من حصن كيفا وصار يعطيهم الوظائف السنية، وأبعد مماليك أبيه الملك الصالح، وأرسل إلى شجرة الدر زوجة أبيه يعدها بكل سوء، فأرسلت شجرة الدر تقول للأمراء والمماليك البحرية اقتلوا توران شاه وعلى رضاكم بكل ما يمكن.
وكان توران شاه عنده خفة ووهج في أموره، فكان إذا سكر يصف الشموع في الليل قدامه، ويأخذ السيف بيده، ويضرب به تلك الشموع ويقول: "هكذا أفعل بالمماليك البحرية … ". وكان أحمق جاهلا، لا يدري ما يضره وما ينفعه كأنه خشبة، وكان كما قال فيه القائل:
يا جامعا لخصال … قبيحة ليس تحصى
نقصت عن كل فضل … فقد تكاملت نقصا
لو أن للجهل شخصا … لكنت للجهل شخصا
فلما بلغ مماليك أبيه ذلك اضمروا له السوء وقد تغيرت خواطرهم عليه.
فلما كان يوم الاثنين تاسع المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة (١٢٥٠ م) جلس الملك المعظم توران شاه في الموكب والأمراء بين يديه، وكان قد أمر رءوس النواب أن يقفوا قدامه بعصى، وهي ملبسة بالذهب في أيام المواكب، فلما مضى الموكب وحضر السماط جلس الملك المعظم على السماط كجاري العادة، فتقدم إليه جماعة من المماليك البحرية وبأيديهم السيوف فضربوه على أصابعه فقطعوها، فقام وهرب ودخل ذلك البرج الخشب وأغلق عليه باب البرج، فأطلقوا في البرج النار، فخرج منه السلطان وألقى نفسه في
[ ١ / ١٠٨ ]
البحر وصار يسبح فيه والنشاب يأخذه من كل ناحية وهو يقول: "خذوا ملككم ودعوني أرجع إلى حصن كيفا". .. فلم يغثه أحد وبقي على ذلك حتى قتل في ذلك اليوم المقدم ذكره، فمات حريقا قتيلا غريقا، فطلعوا به من البحر فبقي مرميا على شاطئ البحر ثلاثة أيام لم يدفن، ثم دفن في بعض جروف البحر ولم يعلم له قبر.
ثم إن المماليك نهبوا جميع ما كان في الوطاق من قماش وسلاح وخيول وغير ذلك، واستمر السماط في ذلك اليوم ممدودا حتى تخطفته الكلاب ولم يع أحد له، فكانت مدة سلطنة الملك المعظم توران شاه ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب نحو أربعين يوما، ولم يدخل إلى مصر ولا جلس على سرير الملك بقلعة الجبل، ولا حكم بالقاهرة، فكانت قتلته في يوم الاثنين كما تقدم.
وهو آخر من تولى السلطنة بمصر من بني أيوب، وبه انقرضت دولة بني أيوب، وكانت مدة دولتهم - من حين تولى الملك الناصر صلاح الدين يوسف إلى أن قتل الملك المعظم توران شاه - نحو ست وثمانين سنة إلا أشهرا، وزالت دولتهم كأنها لم تكن بمصر.
قيل لما قتل توران شاه رجعت الأمراء والعسكر إلى القاهرة، وطلعوا إلى قلعة الجبل، فوقع الاتفاق من الأمراء على سلطنة شجرة الدر عوضا عن توران شاه، وأن يكون الأمير عز الدين أيبك التركماني مدبر المملكة معها … فسلطنوها وتحالفوا على ذلك، وهذا لم يقع قط بالديار المصرية، ولا سمع بأن امرأة قد تسلطنت بها.