هو الملك المنصور، نور الدين علي، ابن الملك المعز أيبك التركماني الصالحي، وهو الثاني من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تولى السلطنة بعد قتل أبيه الملك المعز أيبك التركماني يوم الخميس سادس عشرى ربيع الأول سنة خمس وخمسين وستمائة (١٢٥٧ م)، وكان له من العمر لما تولى السلطنة احدى عشرة سنة، وكان القائم بتدبير
[ ١ / ١١٤ ]
أمور المملكة الأمير علم الدين سنجر الحلبي، وكان الوزير يومئذ شرف الدين ابن صاعد الفائزي، وكان قد وزر لأبيه المعز أيضا، وكان اسمه هبة الله، وكان أصله من أبناء القبط، فأسلم في دولة الملك الكامل محمد، وما زال يرقى إلى أن بقي وزيرا بالديار المصرية في دولة الملك المعز أيبك التركماني، ثم وزر لابنه الملك المنصور علي.
فلما تم أمر الملك المنصور علي في السلطنة، استقر بالأمير سيف الدين قطز المعزي، نائب السلطنة بمصر وأتابك العساكر، وكان قطز شديد البأس، صعب الخلق، فقبض على الوزير شرف الدين هبة الله، وصادره وأخذ جميع أمواله ثم صلبه على باب القلعة، وخلع على القاضي زين الدين يعقوب بن الزبير، واستقر به وزيرا عوضا عن هبة الله.
ومن الحوادث في أيام الملك المنصور على هذا ان في سنة ست وخمسين وستمائة، في خامس جمادي الآخرة، جاءت الأخبار من المدينة الشريفة بأنه قد ظهر في التاريخ نار بوادي شطا شرقي المدينة، وأنها يخرج منها شرر يأكل الحجارة، وقيل أنه قبل ظهور هذه النار بخمسة أيام وقع بالمدينة زلزلة عظيمة، وسمعوا أصواتا من السماء مزعجة، ولم تزل هذه النار مستمرة ليلا ونهارا نحو شهر، فكان طول هذه النار أربعة فراسخ في عرض أربعة أميال، فصارت تأكل الحجارة حتى تصير مثل الفحم الأسود. قال الشيخ عماد الدين ابن كثير: "أخبرني الشيخ صدر الدين علي التميمي الحنفي، قال: أخبرني والدي الشيخ صفي الدين مدرس مدرسة البصري أنه رأى وهو بالبصرة صفحات أعناق الابل في الليل المظلم من ضوء تلك النار التي ظهر بالمدينة.
قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة إن أهل المدينة لما رأوا تلك النار قد زاد أمرها تضرعوا إلى الله تعالى، وتابوا من ذنوب كانوا يعملونها، وتصدقوا بالأموال على الفقراء، ولزموا الصوم والصلاة حتى كشف الله تعالى عنهم تلك النار بعد ما أقامت نحو شهر وهي تفور، وفي ذلك يقول القائل:
بحر من النار تجري فوقه سفن … من الهضاب لها في الأرض أرساء
منها تكاثف في الجو الدخان إلى … أن عادت الشمس منه وهي دهماء
يرمى لها شرر كالقصر طائشة … كأنها ديمة تنصب هطلاء
فيالها آية من معجزات رسو … ل الله قد ظهرت والقوم أحياء
[ ١ / ١١٥ ]
يشير الناظم إلى ما رواه البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال:
"لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء منها أعناق الابل ببصرى " رواه في آخر كتاب الفتن في باب خروج النار.
قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة في تاريخه: إن في دولة الملك المنصور علي بن أيبك هذا، كان استيلاء هلاكو على مدينة بغداد وقتل الخليفة المستعصم بالله وخراب بغداد وقتل أهلها".
ثم قصد التوجه إلى حلب وأخذ البلاد الشامية، فعدى من الفرات في عسكر لا يحصى عدده. فلما جاءت الأخبار إلى القاهرة بما جرى من هلاكو، وقد أرسل ابنه في عسكر عظيم إلى حلب، وقد استولى على نائب ضياع حلب.
فلما تحقق الأتابكي قطز ذلك أمر بعقد مجلس وجمع سائر الأمراء والقضاة ومشايخ العلماء - وكان المشار إليه في ذلك المجلس شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ﵁، وكان من أكابر علماء الشافعية، وقد تلقب بسلطان العلماء - فلما تكامل ذلك المجلس من الأمراء وأعيان الدولة والقضاة ومشايخ العلماء قام مدع في ذلك المجلس وذكر هيئة سؤال في أمر هلاكو واستيلائه على البلاد ووصوله إلى حلب، وأن بيت المال خال من الأموال، وقد وصل العدو، وطمع في أخذ البلاد، والسلطان صغير السن، وضاعت مصالح الرعية، وأن الوقت محتاج إلى إقامة سلطان كبير تخشاه الناس ويدفع العدو، وأن بيت المال محتاج إلى المساعدة بشيء من أموال الرعية لإقامة الجند وتجهيزهم للسفر وما يعينهم على ذلك … فأجاب الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵁ في ذلك المجلس وقال: "إذ طرق العدو البلاد وجب على الناس قتاله، وجاز للسلطان أن يأخذ من أموال التجار وأعيان البلد ما يستعين به على تجهيزه العسكر لدفع العدو
لكن بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء من السلاح والسروج الذهب والفضة والكبابيش الزركش واسقاط السيوف الفضة وغير ذلك، وأن كلا من الجند يقتصر على فرسه ورمحه وسلاحه، ويساوي في ذلك بقية العامة وقت القتال. وأما أخذ أموال التجار والرعية - مع وجود ما في بيت المال من السلاح والقماش - فلا يجوز، لأنه من باب أخذ أموال الرعية بغير حق".
ثم أن الأمراء تكلموا مع القضاة في إقامة سلطان كبير لدفع العدو، فوقع الاختيار من الأمراء والقضاة على خلع الملك المنصور على ابن الملك المعز أيبك التركماني، وأن يسلطنوا الأتابكي قطز، فعند ذلك خلعوا الملك المنصور على من السلطنة وولوا الاتابكي قطز.
[ ١ / ١١٦ ]
وكان الملك المنصور على طائش العقل، يلعب بالحمام مع أولاد الغلمان، وكانت أمه تدبر أحوال السلطنة، فلما خلعوه من السلطنة أرسلوه وهو مقيد إلى ثغر دمياط وأرسلوا معه أخوته وأمه فاعتقلوه ببرج السلسلة بثغر دمياط، فأقام في البرج إلى أن مات هناك، ودفن بثغر دمياط بعد مدة طويلة وهو في البرج، فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية سنتين وثمانية أشهر، وكانت أيامه كلها فتن وشرور.
ومن الحوادث في أيامه أن في سنة ست وخمسين وستمائة، في رابع شهر رمضان، وقعت احدى المسلتين اللتين بأراضي المطرية، يزعم الناس أنهما مسلتا فرعون، وكانتا اثنتين، فلما وقعت احداهما وجدوا في قلنسوتها نحو مائتي قنطار نحاس أصفر، ووجدوا في داخل تلك القلسوة عشرة آلاف دينار كل دينار وزنه أوقية من الذهب الأكسير الجيد، فحمل إلى الخزائن الشريفة … ذكر ذلك الشيخ شمس الدين محمد بن ابراهيم الجزري في تاريخه كما شرح هناك.
وأما من توفى في أيام الملك المنصور على ابن الملك المعز أيبك التركماني من الاعيان فهم: الشيخ زكي الدين عبد العظيم المنذري، والشيخ القطب العارف بالله تعالى، شيخ الطريقة والحقيقة الشيخ أبو الحسن الشاذلي ﵁، ودفن بصحراء عيذاب من أعالي الصعيد الأعلى. وتوفي الشيخ شعلة شيخ القراءات، وتوفي الفاسي المغربي المالكي، وتوفي الشيخ سعد الدين بن العربي صاحب النظم الرفيق، وتوفي الصرصري صاحب الديوان اللطيف، وتوفي ابن الأبار المؤرخ، وغير ذلك من أعيان العلماء وأعيان الناس.
ومن إنشاء المعز أيبك المدرسة المعزية المطلة على بحر النيل عند رحبة الحناء عند مصر العتيقة.