هو الملك الناصر محمد، ابن الملك المنصور قلاون، وهو التاسع من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية والبلاد الشامية، تسلطن بعد قتل أخيه الملك الأشرف خليل في يوم الخميس ثامن عشر المحرم سنة ثلاث وتسعين وستمائة.
وكان له من العمر لما تسلطن نحو تسع سنين ودخل في العاشرة، وكان مولده سنة أربع وثمانين وستمائة، وكانت أمه أشلون بنت الأمير شنكاي، فلما أن تسلطن خلع على الأمير كتبغا واستقر به نائب السلطنة عوضا عن الأمير بيدرا، وخلع على الأمير سنجر الشجاعي واستقر به وزيرا عوضا عن الأمير شمس الدين بن السعلوس، وخلع على الأمير بيبرس الجاشنكير واستقر به استادارا وكاشف الكشاف … وفي ذلك اليوم طافوا برأس بيدرا على رمح، ثم علقوه على باب القلعة.
ولما تولى الملك الناصر واستقر أمره، قبض الشجاعي على جماعة من الأمراء ممن كانوا سببا في قتل الأشرف خليل … فقبض على الأمير قفجق السلحدار، والأمير قرمش السلحدار، والأمير بورى السلحدار، وهو صاحب الدرب المنسوب إليه، والأمير لاجين جركس، والأمير مغلطاي المسعودي، والأمير كردي الساقي وهو صاحب الحمام الذي في المدابغ.
فلما قبض عليهم قيدهم وسجنهم في البرج الذي في القلعة، ثم أنه قبض على جماعة من المماليك السلطانية وسجنهم بخزانة شمايل، ثم أن الأمير بيبرس الجاشنكير تولى عقوبة هؤلاء الأمراء وصار يقررهم على من كان سببا في قتلة الأشرف خليل. ثم رسم الأمير كتبغا بقطع أيديهم وأرجهلم، وسمروا على الجمال، وطافوا بهم في القاهرة، وكان يوما مشهودا لم يسمع بمثله، ثم وسطوهم في سوق الخيل ومضى أمرهم.
ثم أن الشجاعي قبض على الصاحب شمس الدين بن السعلوس الذي رأى من العز والعظمة ما لم يره غيره من أرباب الوظائف، فلما قبض عليه الشجاعي جعل يعاقبه ويعصره بالمعاصير حتى مات تحت الضرب، وكانت وفاته في يوم الأحد خامس عشر صفر سنة ثلاث وتسعين وستمائة، فاحتاط الشجاعي على موجوده جميعه، وصادر عياله وغلمانه وحاشيته ونساءه وأقاربه، واستصفى أموالهم جميعها حتى صادر سائر أصحابه،
[ ١ / ١٦٢ ]
فذهبت أمواله، وزال سلطانه، واختفى سعده، وظهر عكسه، وظفرت به أعداؤه، وتولى الدهر عنه وما دعاه، فكان كما قيل:
لا تفرحن بخير جاء من غلط … فللزمان اساءات وإحسان
وكن من الدهر أن يصحو على حذر … فما تقدمت إلا وهو سكران
ومن النكت اللطيفة … قيل إن الصاحب شمس الدين بن السعلوس لما أن رقي وبلغ من العلو ما بلغ في دولة الأشرف خليل، أرسل ابن السعلوس يطلب أقاربه الذين كانوا بدمشق، فكلهم أجابوه إلى الحضور الا شخصا من أقاربه يقال له زين الدين، فإنه أبى الحضور وخاف على نفسه ولم يوافق على الدخول إلى مصر، وكتب إلى ابن السعلوس في رقعة وهو يقول هذين البيتين:
تثبت يا وزير الملك، واعلم … بأنك قد وطئت على الأفاعي
وكن بالله معتصما فإني … أخاف عليك من نهش الشجاعي
فكان الفأل بالمنطق … فما كان عن قريب حتى قتل الأشرف خليل، وتسلم الشجاعي ابن السعلوس، واستصفى أمواله وعاقبه حتى مات تحت العقوبة كما تقدم.
ثم أن سنجر الشجاعي لما رأى أن الوقت قد صفا له وصار صاحب الحل والعقد بالديار المصرية، استخف بالسلطان الملك الناصر محمد لصغر سنه، فحدثته نفسه بالسلطنة، فصار يرمي الفتن بين الأمراء وبين الأمير كتبغا نائب السلطنة، فصار مع الأمير كتبغا فريق من العسكر، وفريق مع الشجاعي … فكان الشجاعي يبذل الأموال على جماعة من المماليك البرجية حتى قيل أنه أنفق عليهم في يوم واحد ثمانين ألف دينار، واتفق معهم بأن كل من قتل أميرا وجاء برأسه من عصبة الأمير كتبغا يأخذ بيته وبركه وأقطاعه. فلما بلغ ذلك الأمير كتبغا اجتمع بأعيان خشداشينه وألبسهم آلة الحرب ووقفوا في سوق الخيل. فلما علم الشجاعي بذلك أغلق باب القلعة وعلق السنجق السلطاني ودق الكئوسات حربي، ثم صار ينتظر من يطلع إليه من الأمراء فلم يطلع إليه أحد، وصار الأمير كتبغا يحاصر القلعة وقطع عنها الماء، فلما كان يوم الجمعة ثالث عشر من صفر نزل المماليك البرجية من القلعة على حين غفلة ووقعوا مع الأمير كتبغا واقعة قوية حتى كاد الأمير كتبغا أن ينكسر. ثم كسرت عصبة الأمير كتبغا فاجتمع معه الأمير بيسري،
[ ١ / ١٦٣ ]
والأمير بكتاش أمير سلاح، والأمير بكتوت العلائي، والأمير أيبك الموصلي، والأمير آق سنقر، والأمير بلبان الحسني، وغير هؤلاء جماعة كثيرة من الأمراء الأربعين والأمراء العشراوات والمماليك السلطانية … فوقعوا مع المماليك البرجية واقعة قوية، فانكسر المماليك البرجية وطلعوا إلى القلعة منهزمين، وليس لهم من ناصر ولا معين.
ثم أن خوند أشلون، أم الملك الناصر محمد، أرسلت خلف الأمير كتبغا من باب السلسلة، وتحدثت معه من أعلى السور، وقالت له: "ايش قصدك حتى نفعله؟ … إن كان قصدك أن تخلع إبني من السلطنة فافعل". فقال الأمير كتبغا: "أعوذ بالله السميع العليم! والله لو بقي من أولاد أستاذنا بنت عمياء ما اخرجنا الملك عنها، ولا سيما ابن استاذنا رجل وفيه كفاءة لذلك. وإنما قصدنا القبض على الشجاعي واخماد الفتنة". .. فانفصل الأمر على ذلك.
فلما سمع من كان من عصبة الشجاعي ما جرى صاروا ينزلون من القلعة ويجيئون إلى الأمير كتبغا، فلا زالوا على ذلك حتى لم يبق عند الشجاعي إلا القليل. فلما رأى الشجاعي عين الغلب أرسل يطلب الأمان من الأمير كتبغا، فلم يعطه كتبغا أمانا ولا وافقه بقية الأمراء على ذلك.
ثم أن الشجاعي دخل إلى السلطان في صورة أنه يستشيره فيما يكون هذا الأمر وما يفعل في ذلك، فقال له السلطان: "يا عمي ايش آخر هذا الحال الذي أنتم فيه؟ ". فقال له الشجاعي: "هذا كله لأجلك يا ابن أستاذي … فإنهم قصدوا أن يخلعوك من السلطنة ويمسكوني أنا". فقال له السلطان: "يا عمي، أنا أعطيك نيابة حلب واخرج إليهم في هذه الساعة لتستريح منهم". فلم يوافق على ذلك الشجاعي وأغلظ على السلطان في القول، فقام إليه المماليك الذين كانوا عند السلطان وأمسكوه وقيدوه وأرسلوه إلى البرج.
فبينما هو في أثناء الطريق إذ خرج عليه جماعة من المماليك البرجية فقتلوه، وقطعوا رأسه ووضعوها في فوطة حرير، وكان الذي قتل الشجاعي شخصا من المماليك يقال له بهاء الدين أقوش. فلما خرج برأس الشجاعي إلى باب القلعة رآه بعض المماليك البرجية الذين هم من عصبة الشجاعي، فقالوا له: "ما معك في هذه الفوطة؟ ". فقال: "خبز سخن أرسله السلطان إلى الأمراء ليعلموا أن عندنا الخبز كثير". فتركوه حتى مضى ونزل من القلعة … ولو علموا أن معه رأس الشجاعي لقتلوه شر قتلة.
فلما نزل إلى الرميلة رمى برأس الشجاعي بين يدي الأمير كتبغا. فلما رأى الأمراء رأس الشجاعي توجه كل واحد منهم إلى بيته، وخمدت الفتنة، ولم يبق شر بينهم.
[ ١ / ١٦٤ ]
ثم ان الأمير كتبغا رسم بأن يطوفوا برأس الشجاعي في مصر والقاهرة، فطافوا بها وهي على رمح، والمشاعلية تنادي عليها، وكان اكثر الناس من أهل مصر والقاهرة يكرهون سنجرا الشجاعي، فصاروا يعطون المشاعلية شيئا من الفضة ويأخذون منهم الرأس ويدخلون بها إلى دارهم، ولا يزالون يصفعونها بالقباقيب والنعال حتى يشتفوا منه، وطافوا بها في الحارات والأزقة حتى طافوا بها في حارات زويلة، وصار اليهود يدخلون بها إلى بيوتهم، ولم يزالوا يصفعونها بالنعال حتى اشتفوا منها، وربما كانوا يبولون عليها، فأقاموا على ذلك ثلاثة أيام متوالية حتى قيل كان مع المشاعلية برنية خضراء يحصلون فيها الفضة التي تدخل عليهم من الناس، فقيل أنهم ملأوا البرنية ثلاث مرات فضة … ولم يسمع بمثل هذه الواقعة فيما تقدم من الوقائع، وهي من الغرائب.
قيل كان سنجر الشجاعي هذا رجلا طويلا عريضا، كامل الخلقة، ابيض اللون، أشقر اللحية، مهيب الشكل، قاسي القلب، مظلم الصورة، عسوفا كثير الأذى، إذا ظفر بأحد لا يرحمه، ولا يراعي في الأنام خليلا … فلما أن قتل لم يرث له أحد من الناس فكان كما قال القائل:
لا تفعل الشر فتسمى به … وافعل الخير تجاز عليه
اما ترى الحية من شرها … يقتلها من لا تؤاسي عليه
فلما قتل الشجاعي وخمدت الفتنة، طلع الأمراء عند السلطان وجمعوا المماليك البرجية، وكانوا يسكنون في ابراج القلعة، فرسم الأمير كتبغا بأن ينزلوا من القلعة ويسكنوا في الأبراج التي في سور القاهرة خلف البرقية، فسكنوا بها - وكانوا نحو أربعة آلاف وسبعمائة مملوك - فرتب لهم الأمير كتبغا ما يكفيهم في كل يوم، وشرط عليهم أنهم لا يركبون ولا يخرجون من الأبراج.
ثم أن الأمير كتبغا قبض على جماعة من الأمراء الذين كانوا من عصبة الشجاعي، وهم: الأمير بيبرس الجاشنكير أستادار العالية، وقبض على الأمير اللقاني أمير أخور كبير، وقيدهم وأرسلهم إلى السجن بثغر الاسكندرية، ثم افرج عن جماعة من الأمراء الذين كانوا مسجونين بالثغر المذكور، وهم: الأمير قفجق السلحدار، والأمير عبد الله حامل الخبر، والأمير قرمش، والأمير بوري، والأمير لاجين جركس، والأمير مغلطاي المسعودي، والأمير كردي الساقي والأمير عمر شاه السلحدار … فلما حضروا خلع عليهم وأعادهم إلى وظائفهم واقطاعاتهم.
[ ١ / ١٦٥ ]