* ثم تولى من بعده الأمير محمد بن أبي بكر الصديق ﵁. تولى على مصر في خلافة معاوية بن أبي سفيان في سنة ثمان وثلاثين من الهجرة، وأقام بمصر حتى قتل. وكان سبب قتله أن محمد بن أبي بكر هذا كان من جملة من اجتمع على قتل الإمام عثمان بن عفان ﵁ وهو في داره يوم المقتلة فيما زعموا، واستغفر الله
[ ١ / ٢٩ ]
من ذلك. فلما تولى محمد على مصر ثار عليه الشيعة بسبب ثأر عثمان بن عفان، وكان الذين ثاروا عليه من الشيعة معاوية بن خديج ومسلمة بن مخلد وبشر بن أرطاة وغيرهم من الشيعة، فأتوا من الشام، فلما دخلوا إلى مصر خرج إليهم الأمير محمد بن أبي بكر وقاتلهم قتالا شديدا، وكان - مع صغر سنه - شجاعا بطلا، فكان هو وأخوه عبد الرحمن يقاتلان الشيعة ومعهما بعض العسكر، فلما قويت عليهم الشيعة تفرق عنهما العسكر، فأنكسر الأمير محمد وهرب واختفى في بعض الخرابات، فلما حثوا في طلبه قالت لهم عجوز:" أتريدون الأمير محمد بن أبي بكر؟ ". فقالوا لها:" نعم ". فقالت:" أتعطوني الأمان لأخي وأنا أدلكم عليه. "فقالوا لها:" نعم قد أعطينا الأمان لأخيك ". وكان أخوها يبيع الفجل في مدينة الفسطاط، فدلتهم على مكانه. فلما دخلوا عليه وجدوه قد كده العطش فقال لهم:
"بالله اسقوني شربة من الماء ". فقال له معاوية بن خديج:" لاسقاني الله ان سقيتك. أنسيت منعك الماء لعثمان بن عفان وهو محصور في الدار؟ ". فقال:" أكرموني لأجل أبي بكر ".
فقال له معاوية بن خديج:" لا أكرمني الله أن أكرمتك. أنسيت ما فعلته يوم قتلة عثمان؟ فلا أمان لك عندنا ". ثم تقدم إليه معاوية بن خديج وضرب عنقه بالسيف ثم جره برجله وطاف به في المدينة، ثم أدخل جثته في جوف حمار ميت وأحرقه حتى صار فحما. فكانت قتلته في رابع عشر صفر سنة ثمان وثلاثين من الهجرة، وكانت مدة ولايته على مصر خمسة أشهر، وكان له من العمر لما قتل ثمان وعشرون سنة، وكان مولده في عام حجة الوداع، وتوفي أبوه أبو بكر وله من العمر نحو سنتين ونصف. قيل لما قتل الأمير محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ أخذ رأسه وجثته زمام الخادم ودفنهما خارج مدينة الفسطاط وبنى هناك مسجدا، وهو إلى الآن يعرف بمسجد زمام ويزار إلى الآن.
قال الكندي:" لما قتل الأمير محمد أرسل معاوية بن خديج قميصه الذي قتل فيه وهو بدمه إلى المدينة الشريفة. فلما وصل إلى دار الإمام عثمان بن عفان اجتمع عصبة عثمان ونساؤه وأظهروا الفرح والسرور في ذلك اليوم. ثم أن نائلة زوجة عثمان لبست القميص ورقصت به بين الرجال.
* ثم من بعده أعيد الأمير عمرو بن العاص إلى ولايته بمصر، وهي الولاية الثانية.
تولاها في خلافة معاوية بن أبي سفيان في سنة ثمان وثلاثين من الهجرة. واستمر في ولايته إلى أن مرض وسلسل في المرض، فلما أشرف على الموت احضر ما كان جمعه من الأموال وقال لولده عبد الله، وكان يقاربه في السن - قيل كان بين مولد عمرو ابن العاص وبين مولد ابنه عبد الله نحو ثلاث عشرة سنة - فقال عمرو لولده عبد الله: "إذا أنا مت فاردد هذه الأموال التي جمعتها إلى أربابها". فلما مات الأمير عمرو بن العاص
[ ١ / ٣٠ ]
أرسل معاوية بن أبي سفيان يقول لعبد الله: "نحن أحق بهذه الأموال التي جمعها عمرو لدفع العدو". فأرسل من أخذها وأدخلها في بيت المال، فقيل لعبد الله "ما كان قدر ذلك المال؟ ". فقال: "كان سبعين جرابا من جلد ثور كاملة".
وكانت وفاة الأمير عمرو بن العاص في ليلة عيد الفطر في سنة ثلاث وأربعين من الهجرة. فلما كان يوم عيد الفطر أخرج نعشه إلى الجامع ووضع في المحراب حتى تكاملت الناس وصلوا عليه بعد صلاة العيد، ثم حمل ودفن في مقابر الفسطاط على طريق الحاج. ومات ﵁ وله من العمر نحو خمس وتسعين سنة، وكانت مدة ولايته الثانية نحو ست سنين إلا أشهرا.
* ثم تولى من بعده الأمير عقبة بن أبي سفيان، أخو أمير المؤمنين معاوية. فلما تولى على مصر أقام بها مدة يسيرة دون السنة ومات ودفن بمصر.
* ثم تولى من بعده الأمير عقبة بن عامر الجهني، صاحب رسول الله ﷺ ورديفه، وهو الذي تسند إليه الأحاديث عن رسول الله ﷺ. تولى على مصر في سنة أربع وأربعين من الهجرة، وأقام بها إلى أن مات شهيدا في يوم النهروان ﵁، فكانت مدة ولايته على مصر سنتين وثلاثة أشهر (^١). وكانت وفاته في سنة سبع وأربعين من الهجرة، ودفن بالقرافة الصغرى وقبره يزار إلى الآن بالقرافة.
* ثم تولى من بعده الأمير مسلمة بن مخلد، واستمر على ولايته بمصر حتى مات، فكانت مدة ولايته خمس سنين.
* ثم تولى من بعده الأمير سعيد بن يزيد ابن علقمة الأزدي، تولى على مصر في سنة اثنتين وستين من الهجرة، فكانت مدة ولايته سنتين.
* ثم تولى من بعده الأمير عبد الرحمن ابن جحدم القرشي. تولى في أيام عبد الله بن الزبير في سنة أربع وستين من الهجرة، فلم تطل أيامه بمصر وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير عبد العزيز بن مروان، وهو أبو العبد الصالح عمر ﵁. قيل لما تولى عبد العزيز بن مروان على مصر وقع بها الطاعون، فرحل عبد العزيز عن مدينة الفسطاط وتوجه إلى حلوان - وهي من قرى مصر - فأقام بها مدة، وقيل ولد بها ابنه عمر، فكانت أخبار المدينة تأتيه في كل يوم إلى حلوان بما يحدث في البلد من الموت وعدة من يموت بها وغير ذلك من الأخبار، فلم يزل عبد العزيز مقيما بحلوان حتى طعن ومات بها فحملوه في نعش من حلوان إلى مدينة الفسطاط وقد تغيرت
_________________
(١) - الذي في "شذوات الذهب" و"أسد الغابة" ان وفاة عقبة بن عامر سنة ثمان وخمسين، وفي صفحة ٣٠١ من الجزء الأول من خطط المقريزي أنه عزل من مصر سنة ٤٧ للهجرة.
[ ١ / ٣١ ]
رائحته، وكان حول نعشه مجامر النار وهي مطلقة بالبخور حتى دخل إلى مدينة الفسطاط فدفن بها. قال ابن عفير: "لما كان الأمير عبد العزيز بحلوان كان له في كل ليلة ألف جفنة تصف حول داره وهي ملآنة بالطعام تفرق على الفقراء والمساكين بجراية الخبز. وكانت له مائة حلة كبيرة تحمل على عجل وفيها الطعام فيطاف بها على قبائل العرب التي حوله، واستمر ذلك في كل ليلة إلى أن مات".
* ثم تولى من بعده الأمير عبد الله بن عبد الملك ابن مروان، فكانت ولايته على مصر في سنة ست وثمانين من الهجرة، وكانت مدة ولايته نحو خمس سنين.
* ثم تولى من بعده الأمير قرة بن شريك العبسي، تولى على مصر في سنة تسعين من الهجرة، فلم تطل ولايته إلا أياما وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده عبد الملك بن رفاعة الفهمي، تولى على مصر مرتين وطالت بها أيامه حتى مات ودفن بها.
* ثم تولى من بعده الأمير أيوب بن رحيل الأصبحي. تولى على مصر في سنة احدى ومائة من الهجرة في خلافة عمر بن عبد العزيز فأقام بها نحو سنة وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير بشر بن صفوان، تولى على مصر ثلاث مرات ثم عزل عنها في سنة ثمان وعشرين ومائة في خلافة مروان الحمار.
* ثم تولى من بعده الأمير حنظلة بن صفوان الفهمي أخو بشر، وهو الذي نقلت قبائل بني قيس إلى مصر في أيامه، وذلك في سنة ثمان وعشرين ومائة، ولم يكن قبل ذلك بمصر من بني قيس أحد. واستمر الأمير حنظلة واليا على مصر حتى توفي في سنة تسع وعشرين ومائة.
* ثم تولى من بعده الأمير محمد بن عبد الملك ابن مروان فأقام في ولايته على مصر سبعة أشهر وخمسة أيام ثم عزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير الحر بن يوسف، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير حفص بن الوليد العامري، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده أخوه الوليد بن رفاعة، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير عبد الرحمن بن خالد الفهمي، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير حسان بن العتاهية التجيبي، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير حوثرة بن سهل الباهلي، وكان رجلا حليما قليل الغضب.
قيل إن رجلا من العرب دخل عليه وهو قائم يريد الدخول إلى حرمه، فجاء إليه الرجل الأعرابي وحدثه في حاجة له، فوضع الأعرابي نصل سيفه على رجل الأمير حوثرة
[ ١ / ٣٢ ]
وطال معه في الحديث، وجعل يغوص بالسيف في رجله حتى أدماها وهو صابر، حتى فرغ الأعرابي من كلامه وخرج من عنده فدعا حوثرة بمنديل ومسح به الدم عن رجله فقيل له: "لم لا نحيت رجلك من تحت سيفه أيها الأمير أو أمرته برفع سيفه عن رجلك؟ " فقال: "خشيت أن أقطع عليه كلامه وهو في حاجته".
* ثم تولى من بعده الأمير عبد الحميد بن المغيرة بن سعيد الفزاري، فأقام على ولاية مصر نحو سنتين ثم عزل عنها. قال ابن وصف شاه: "إن أرض مصر أجدبت ووقع بها الغلاء في زمن عبد الحميد بن المغيرة فرهن حلى نسائه عند التجار واشترى منهم قمحا وفرقه على الفقراء. فلما عزل عقب ذلك عن مصر وقف إليه التجار بسبب الرهن فأمر ببيعه حتى قضى ما كان عليه من الدين الذي للتجار وكان نحو عشرة آلاف دينار، ثم رحل عن مصر والناس عنه راضون".
* ثم تولى من بعده الأمير عبيد الله بن مروان الحمار، وهو آخر من تولى على مصر من عمال الحلفاء من بني أمية. ومما وقع للأمير عبيد الله هذا … قال ابن وصيف شاه: "لما انتقلت الخلافة إلى بني العباس، وولي عبد الله السفاح، توجه عبد الله بن علي العباسي إلى الشام في طلب من بقي من بني أمية، ثم أرسل بالقبض على الأمير عبيد الله بن مروان الحمار أمير مصر، فلما أن بلغ الأمير عبيد الله ذلك دخل إلى خزائن أمواله وأخذ منها عشرة آلاف دينار ذهبا ثم أحضر اثنى عشر بغلا وحملها ذلك المال وشيئا من القماش والفرش وغير ذلك، وأخذ معه جماعة من العبيد والغلمان، ثم شد على وسطه خريطة فيها جواهر فاخرة مثمنة وخرج من مصر هاربا، فتوجه إلى نحو بلاد النوبة. فلما وصل هناك وجد مدائن خرابا وبها قصور محكمة البناء، فنزل في بعض تلك القصور، وأمر غلمانه بكنسها فكنست وفرشت فيها فرشه وما كان معه من تلك الفرش الفاخرة، ثم قال لبعض غلمانه، وكان ممن يثق بعقله:" أمض إلى ملك النوبة وخذ لي منه أمانا على نفسي من القتل ". فخرج الغلام وتوجه إلى ملك النوبة، فغاب ساعة، ثم عاد ومعه قاصد من عند ملك النوبة، فلما دخل عليه قال له أن الملك يقرئك السلام ويقول لك:" أجئت إليه محاربا أم مستجيرا؟ ". فقال له الأمير عبيد الله:" رد عليه مني السلام وقل له: قد جاء إليك ليستجير بك من عدو يريد قتله ". فمضى ذلك القاصد بالجواب، فغاب ساعة ورجع وقال له:" إن الملك قادم عليك في هذه الساعة ". فقال عبيد الله لغلمانه:" افرشوا ما معنا من الفرش الفاخرة ". وجعل مرتبة في صدر المكان برسم ملك النوبة، وجلس يرتقب مجيئه، فبينما هو على ذلك إذا دخل عليه غلامه، وقال له إن ملك النوبة قد أقبل، فقام الأمير عبيد الله وصعد على أعلى القصر ونظر إلى ملك النوبة فإذا هو رجل أسود طويل القامة نحيف
[ ١ / ٣٣ ]
الجسد، وعليه بردان قد أتزر بأحدهما وارتدى بالآخر، ومعه عشرة من السودان حوله ومعهم حراب بأسنة تلمع. فلما رآه الأمير عبيد الله استصغر أمره واحتقره، فلما قرب من المكان الذي فيه عبيد الله أتاه من عسكره نحو عشرة آلاف رجل من السودان في أيديهم الحراب، فلما دخل ملك النوبة على عبيد الله وأحاط ذلك العسكر بالمكان الذي فيه عبيد الله ووقعت عين ملك النوبة على الأمير عبيد الله، بادر إلى يد الأمير عبيد الله وقبلها، فأشار إليه عبيد الله بأن يجلس على تلك المرتبة التي وضعها له فأبى وصار يدفع تلك الفرش الفاخرة برجله، فقال عبيد الله للمترجمان:" لم لا يقعد الملك على تلك المرتبة التي وضعناها له؟ ". فقال له الترجمان في ذلك فقال ملك النوبة:" قل للأمير: كل ملك لا يكون متواضعا لله فهو جبار عنيد متكبر ". ثم انه جلس بين يدي الأمير عبيد الله وجعل ينكت في الأرض بأصبعه طويلا. ثم أنه رفع رأسه إلى الأمير عبيد الله وقال له:" كيف سلبتم من ملككم وأخذ منكم وأنتم أقرب الناس إلى نبيكم؟ ". فقال له عبيد الله:" إن الذي سلب منا ملكنا أقرب إلى نبينا منا ". فقال له ملك النوبة:" فكيف أنتم تلوذون إلى نبيكم بقرابة وأنتم تشربون ما حرم عليكم من الخمور، وتلبسون الديباج وهو محرم عليكم، وتركبون في السروج الذهب والفضة وهي محرمة عليكم ولم يفعل نبيكم شيئا من هذا. وبلغنا أنك لما وليت على مصر كنت تخرج إلى الصيد، وتكلف أهل القرى ما لا يطيقون، وتفسدون الزرع على الناس، وتروم الهدايا والتقادم من أهل القرى … وكل هذا لأجل كركي تصيده قيمته سبعة أنصاف أو ثمانية ". … فصار ملك النوبة يعدد على الأمير عبيد الله جملة ذنوب، والأمير عبيد الله ساكت لا يتكلم بحرف واحد، ثم قال له ملك النوبة:" فلما استحللتم ما حرمه الله عليكم، سلبتم من ملككم وأخذ منكم وأوقع الله بكم نقمة لم تبلغ غايتها منكم، وأنا أخاف على نفسي ان أنزلتك عندي أن تحل بي تلك النقمة التي حلت بكم، والبلاء عام والرحمة مخصوصة ". ثم قال له:" ارحل من أرضي بعد ثلاثة أيام وإلا أخذت جميع ما معك وقتلتك شر قتلة ". فلما سمع الأمير عبيد الله ذلك خرج من أرض النوبة في يومه ورجع إلى مصر فقبض عليه عمال الخليفة المنصور العباسي وبعث به إلى بغداد، فسجنه المنصور حتى مات في السجن، وهو آخر من تولى على مصر في دولة الخلفاء الأموية من العمال.
[ ١ / ٣٤ ]