وأما من تولى على مصر من العمال في دولة الخلفاء العباسية فجماعة كثيرة، أكثر ممن تولوا في دولة بني أمية، وكانوا يسمون عمال الخراج بمصر، وكانت الخلفاء تشترط على عمال مصر في تقليدهم، الخيل العربية، والأثواب الديبقية شغل تنيس، والمقاطع الشرب الإسكندرانية، والطرز الصعيدية، وأجلال الخيل. وتشترط عليهم ضيافة عسل النحل المصري من عسل بنها، وتشترط عليهم البغال والحمير وغير ذلك من الأصناف التي لا توجد إلا بمصر.
* فكان أول من تولى مصر في دولة الخلفاء العباسية الأمير صالح بن علي بن عبد الله العباسي، تولى على مصر في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، فتولى على مصر مرتين.
* ثم تولى من بعده الأمير أبو عون عبد الملك الأزدي، فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير موسى بن كعب - وهو أبو عيينة - تولى على مصر في سنة إحدى وأربعين ومائة فلم تطل أيامه بها، وكانت مدة ولايته على مصر دون السنة.
* ثم تولى من بعده الأمير محمد بن الأشعث الخزاعي، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده حميد بن قحطبة، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير يزيد بن حاتم المهلبي، تولى في سنة سبع وأربعين ومائة، وفي أيامه وقع الغلاء بمصر وشرقت الأراضي من خسة النيل. وفي هذه السنة أخذ قاع النيل فجاء الماء القديم ذراعا وعشرين أصبعا ولم يعهد مثل ذلك في السنين الماضية.
فكان منتهى الزيادة في تلك السنة اثنى عشر ذراعا وستة عشر أصبعا، فشرقت البلاد في تلك السنة وحصل للناس الضرر الشامل، ووقع الغلاء بمصر حتى ماجت المدينة بأهلها ومات الأمير يزيد بعد ذلك بمدة يسيرة.
* ثم تولى من بعده الأمير عبد الله بن عبد الرحمن فلم تطل أيامه بها، ومات.
* فتولى من بعده الأمير محمد أخو عبد الرحمن عم عبد الله، ثم عزل عنها بعد مدة يسيرة.
* ثم تولى من بعده الأمير موسى بن علي، وعزل عنها بعد مدة يسيرة.
* ثم تولى من بعده اللخمى في أيام الخليفة المهدي فلم تطل أيامه بها وعزل عن ولاية مصر في سنته، ولم يستقم أمره بها.
* ثم تولى من بعده الأمير عيسى بن لقمان فلم تطل أيامه بها.
[ ١ / ٣٥ ]
* ثم تولى من بعده الأمير واضح المنصوري فلم تطل أيامه.
* ثم تولى من بعده الأمير منصور بن يزيد فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير يحيى بن داود في أيام الرشيد فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير سالم بن سودة، تولى أيضا في أيام الرشيد فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير إبراهيم بن صالح العباسي، تولى على مصر في سنة خمس وستين ومائة. وكان الرشيد قد زوجه بابنته غالية، فلما تولى على مصر لم يستقم بها حاله فعزله الرشيد عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير موسى بن مصعب مولى خثعم، تولى على مصر في سنة سبع وستين ومائة فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير أسامة بن عمرو المعافري، تولى على مصر في سنة تسع وستين ومائة فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير فضل بن صالح العباسي فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير علي بن سليمان العباسي، فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده موسى بن عيسى العباسي فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير مسلمة بن يحيى الأحمسي، تولى على مصر سنة اثنتين وسبعين ومائة فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير محمد بن زهير الأزدي فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده داود المهلبي، تولى على مصر سنة ثلاث وسبعين ومائة هو والأمير محمد ابن زهير الأزدي سنة واحدة.
* ثم تولى من بعده الأمير ابراهيم بن صالح العباسي، وفي أيامه توفي الإمام الليث بن سعد ﵁ ودفن بالقرافة، وكانت وفاته في سنة خمس وسبعين ومائة، وذلك في يوم الجمعة رابع عشر شعبان - وهي الولاية الثانية - فأقام بها حتى توفي في سنة ست وسبعين ودفن بمصر.
* ثم تولى من بعده الأمير عبد الله بن المسيب الضبي فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير اسحق بن سليمان العباسي، تولى على مصر في سنة سبع وسبعين ومائة.
* ثم تولى من بعده الأمير هرثمة بن أعين في سنة ثمان وسبعين ومائة فلم تطل أيامه بها.
[ ١ / ٣٦ ]
ثم تولى من بعده الأمير عبد الملك بن صالح العباسي، تولى في سلخ سنة ثمان وسبعين ومائة فأقام دون الشهر ومات ودفن بمصر.
* ثم تولى من بعده الأمير عبيد الله ابن الخليفة المهدي العباسي، تولى على مصر في سنة تسع وسبعين ومائة فأقام بها مدة يسيرة وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير موسى بن عيسى العباسي، تولى على مصر ثلاث مرات، وأقام في آخر ولايته إلى سنة ثمانين ومائة.
* ثم تولى من بعده الأمير عبيد الله ابن الخليفة المهدي ثانيا، فأقام في ولايته على مصر هذه الثانية نحو سنة وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير اسمعيل بن صالح العباسي، فأقام على ولايته بمصر دون السنة وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير اسمعيل بن عيسى في سنة اثنتين وثمانين ومائة.
* ثم تولى من بعده الليث بن الفضل الأسدي، تولى على مصر في سنة أربع وثمانين ومائة ثم عزل عنها.
* وتولى من بعده الأمير أحمد بن اسمعيل العباسي، تولى على مصر في سنة تسع وثمانين ومائة ثم عزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير عبد الله بن أحمد العباسي الذي يقال له ابن زينب، تولى على مصر في سنة تسعين ومائة وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير حسين بن جميل، تولى على مصر في أواخر سنة تسعين ومائة ثم عزل عنها في مدة يسيرة.
* ثم تولى من بعده الأمير مالك ابن دلهم الكلبي في سنة اثنتين وتسعين ومائة، فلم تطل بها أيامه وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير جانم حسن بن البجباج، تولى على مصر في سنة ثلاث وتسعين ومائة، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير جانم بن هرثمة ابن أعين، فأقام على ولاية مصر مدة يسيرة ثم عزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير جابر بن الأشعث الطائي، تولى على مصر في سنة خمس وتسعين ومائة، فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده الأمير عبادة بن محمد في سنة ست وتسعين ومائة فلم تطل أيامه بها.
[ ١ / ٣٧ ]
* ثم تولى من بعده المطلب بن عبد الله الخزاعي في سنة ثمان وتسعين ومائة. وفي أيامه توفي القاضي بكار بن قتيبة الحنفي ﵁، وكان الرشيد ألزمه أن يتولى القضاء بمصر فتولى القضاء على كره منه. وكانت له كرامات خارقة للعادة، وكانت وفاته في سنة تسع وتسعين ومائة، ودفن بالقرب من باب الزعلة عند المجراة.
* ثم عزل المطلب عن مصر، وتولى العباس ابن موسى العباسي فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم أعيد المطلب ثاني مرة فأقام مدة يسيرة وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده السري بن الحكم في سنة تسع وتسعين ومائة فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير عبد الله بن طاهر الخزاعي، وكان من حذاق العمال بمصر، وهو الذي نقل زريعة البطيخ العبدلي إلى مصر ولم يكن بها قبل ذلك منه شيء، وكان ظهوره بمصر في سنة مائتين من سني الهجرة في أيام عبد الله بن طاهر، وإليه ينسب فيقال البطيخ العبدلي، وأقام عبد الله ابن طاهر على ولاية مصر ثم عزل عنها.
* ثم أعيد السري بن عبد الحكم إلى ولاية مصر ثانيا وذلك في سنة احدى ومائتين فأقام بها مدة ومات ودفن بمصر.
* ثم تولى من بعده ابنه محمد بن السري، وفي أيامه توفي الإمام الشافعي محمد بن ادريس ﵁، وكانت وفاته في ليلة الجمعة في سلخ شهر رجب الفرد سنة أربع ومائتين من الهجرة ودفن بالقرافة الكبرى مقابل تربة القاضي بكار. وقيل مات بعلة البطن ومات وله من العمر أربع وخمسون سنة. وكان مولده بمدينة غزة في سنة خمسين ومائة، وهي السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة ﵁.
قيل لما مرض الإمام الشافعي أوصى بألا يغسله إلا أمير البلد. فلما مات حضر محمد ابن السري أمير البلد، فقيل له: "إن الإمام أوصى بالا يغسله إلا أنت". فقال: "هل توفي الإمام وعليه دين؟ ". فقيل له: "نعم". فحسبوا ما عليه من الدين فإذا هو سبعون ألف درهم، فقضاها عنه محمد بن السري، وقال هذا غسلي إياه، وإنما كنى عن الدين الذي عليه لأقضيه عنه.
وقيل إن الإمام الشافعي أوصى إذا مات بأن السيدة نفيسة ﵂ تصلي عليه.
فلما مات احضروا نعشه عندها فضربت لها ستارة وصلت عليه من خلفها، ثم حمل من عندها ودفن في تربته كما تقدم ذكر ذلك.
[ ١ / ٣٨ ]
وقيل إن الإمام الشافعي ﵁ لما ساح في الأرض في طلب الحديث، وقصد التوجه إلى نحو مصر، أنشد في حلقة درسه قبل أن يدخل إلى مصر هذين البيتين من نظمه حيث قال:
وإني أرى نفسي تتوق إلى مصر … ومن دونها عرض المهامه والقفر
فو الله ما أدرى: أللعز والغني … أساق إليها، أم أساق إلى قبري؟
فكان الأمر كذلك ودفن بمصر، وكانت وفاته في أيام الخليفة المأمون.
وأما نسبه ﵁ فهو: محمد ابن ادريس بن عثمان بن شافع بن السائب، متصل النسب إلى عبد مناف أحد أجداد رسول الله ﷺ … فهو قرشي.
وأما أمه فهي فاطمة بنت عبد الله بن الحسن بن الحسين بن الإمام علي ﵁.
* وقد قال الكرماني فيه هذه الأبيات:
الشافعي امام كل أئمة … تربو فضائله على الآلاف
لكنني أوتيت بدعا بارعا … في وصفه هو سيد الأوصاف
ختم النبوة والإمامة في الهدى … بمحمدين هما لعبد مناف
قيل إن أم الشافعي ﵁ رأت في منامها وهي حامل أن نجما خرج من بطنها وله ضوء عظيم فسقط بأرض مصر، ثم طار منه فانتشر في سائر الآفاق. فقصت هذه الرؤيا على بعض المعبرين فقال لها: "سيخرج من بطنك مولود ويكون من كبار العلماء، ويخص علمه أهل مصر دون غيرها من البلاد، ثم ينتشر علمه في سائر الآفاق". .. وكان كذلك.
وكان الإمام ﵁ حسن الخلق، قليل الغضب، سخى النفس. وقد عاصر الإمام مالك بن أنس ﵁، وقرأ عليه الموطأ في المدينة الشريفة، وعاصره أيضا الإمام أحمد بن حنبل ﵁.
ومما يحكى عن الإمام الشافعي ﵁ أنه قال: "كنت في المسجد جالسا، وإذا بلص قد سرق نعلي من غير علمي، ثم مضى إلى بيتي فقال للجارية إن الإمام قد سرق نعله، ولم يجد ما يمشي فيه، فأرسلوا له نعلا حتى يجيء به إلى البيت. فبينما أنا جالس
[ ١ / ٣٩ ]
في المسجد وإذا بالجارية قد أقبلت من باب المسجد ومعها نعل فقلت لها: وما هذا؟ فقالت:
قد جاء إلينا رجل وقال لنا إن الإمام قد سرق نعله ولم يجد ما يجيء به إلى البيت فأتوا إليه بنعل غيره فعلمت أن القائل للجارية هو اللص، فتعجبت من لطافة هذا اللص إذ لم يدعني أجيء إلى بيتي حافيا".
ومن فضائل الإمام الشافعي ﵁ أن في مدة حياته لم يقع الطاعون بمصر وهو بها، ولا وقع في غيرها من البلاد في مدة حياته طاعون وذلك نحو من خمسين سنة … نقل ذلك ابن حجر.
ومن هنا نرجع إلى أخبار أمراء مصر.
* ثم تولى من بعد محمد بن السري أخوه عبيد الله بن السري، تولى على مصر في سنة ست ومائتين من الهجرة.
وفي أيامه توفيت السيدة نفيسة ﵂، وكانت وفاتها في شهر رمضان سنة ثمان ومائتين من الهجرة، ودفنت بالمراغة. وكان لها كرامات خارقة، وأسرار صادقة.
قال شمس الدين بن خلكان في تاريخه: هي نفيسة بنت الإمام حسن بن زيد بن الحسن بن علي ابن أبي طالب ﵃ أجمعين، أتت من مكة إلى مصر مع زوجها اسحق بن جعفر الصادق ﵁. وقيل بل دخلت مصر مع أبيها الأمير حسن.
وقيل كان لها أولاد من زوجها اسحق ابن جعفر الصادق ﵁ قال ابن فلكان ان الامام الشافعي ﵁ حضر عندها وأخذ عنها الحديث. وبالجملة أن الدعاء عند قبرها مجاب. وقيل ماتت ولها من العمر نيف وسبعون سنة.
* ثم أعيد الأمير عبد الله بن طاهر إلى ولايته على مصر ثانيا، فأقام مدة ثم عزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير عيسى بن يزيد الجلودي. تولى على مصر في سنة ثلاث عشرة ومائتين، فأقام بها نحو سنة ثم عزل عنها.
* وتولى الأمير عمير بن الوليد التميمي، تولى على مصر في سنة أربع عشرة ومائتين، فأقام بها مدة يسيرة وعزل عنها.
* ثم أعيد الأمير عيسى بن يزيد ثانيا، ثم عزل عنها.
* ثم تولى من بعده عبدويه بن جبلة. تولى على مصر في سنة خمس عشرة ومائتين، فأقام بها مدة ثم عزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير عيسى بن منصور المرافقي. وفي أيامه خرج أهل مصر عن طاعة الخليفة المأمون، وامتنعوا عن وزن الخراج، وطردوا العمال عن البلاد، وكانت
[ ١ / ٤٠ ]
فتنة عظيمة بمصر حتى كادت أن تخرب عن آخرها، وعظم الأمر حتى قدم الخليفة المأمون إلى مصر وخمدت هذه الفتنة، ومهد البلاد، وعزل عيسى بن منصور المرافقي عن مصر.
* ثم تولى من بعده الأمير نصر السعدي المسمي كيدر، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده المظفر، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير عيسى بن منصور المرافقي، فأقام بها مدة ثم عزل عنها في سنة تسع عشرة ومائتين.
* ثم تولى من بعده الأمير موسى بن علي، فكانت مدة ولايته على مصر نحو شهر ويومين وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده مالك بن كيدرة، فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده علي بن يحيى الأرمني في سنة خمس وعشرين ومائتين، ولم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده هرثمة بن نصر الجبلي.
* ثم تولى ابنه جانم.
* ثم تولى اسحق بن يحيى.
* ثم تولى من بعده الأمير عبد الواحد المسمى حوط. تولى على مصر في سنة ست وثلاثين ومائتين فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده عنبسة بن اسحق بن شمر. تولى على مصر في سنة ثمان وثلاثين ومائتين وفي أيامه أتى بنو الأصفر إلى ثغر دمياط، وهجموا على أهلها، وقتلوا جماعة من المسلمين وأسروا منهم جماعة، فجاء الخبر إلى مصر بذلك في يوم عيد النحر، فنودى بالنفير عاما، فخرج أهل الفسطاط جميعا وتوجهوا إلى ثغر دمياط، وتحاربوا مع بني الأصفر، فانتصر عليهم عنبسة وأسر منهم جماعة وهرب الباقون جميعا، ورجع عنبسة إلى مدينة الفسطاط فأقام بعد ذلك مدة ومات ودفن بها.
* ثم تولى من بعده الأمير يزيد بن عبد الله التركي، وكان من الموالي، تولى على مصر في أيام الخليفة المتوكل على الله جعفر، وهو الذي بنى المقياس الجديد في جزيرة الفسطاط وأبطل المقياس الذي بناه أسامة بن زيد التنوخي في أيام خلفاء بني أمية، وصار العمل في قياس النيل على هذا المقياس الجديد إلى الآن، وكان بناؤه في سنة سبع وأربعين ومائتين.
[ ١ / ٤١ ]
* ثم تولى من بعده مزاحم بن خاقان التركي، فلم تطل أيامه بها.
* ثم تولى من بعده ابنه أحمد، ولم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده أرخور التركي، وكان من الموالي. تولى في أيام المتوكل فلم تطل أيامه بها وعزل عنها.
* ثم تولى من بعده الأمير محفوظ بن سليمان. تولى في أيام المتوكل أيضا فكان يقول: "إني تأملت أرض مصر فوجدتها إذا بلغ النيل ستة عشر ذراعا فقد وفي خراج مصر تاما، وان زاد ماء النيل بعد ذلك ذراعا واحدا نقص من الخراج مائة ألف دينار لما يستبحر من بطون الأراضي التي هي واطية، وإذا زاد خمسة عشر ذراعا ثم هبط حصل للناس الضرر الشامل واستسقى أهل مصر لذلك ووقع بها الغلاء. ولو أن أراضي مصر تزرع كلها لوفت بخراج الدنيا كلها بأسرها".
قال محفوظ بن سليمان أمير مصر: "تبقى علي من خراج مصر في أيام المتوكل ثلثمائة ألف دينار، فأرسل فأحضرني في الحديد. فلما وصلت إلى بغداد دخلت عليه بعد أن فرغ من صلاة الفجر وأنا لا أعقل من الوهم، فأصبته جالسا وفي يده درج مكتوب بماء الذهب. فلما أبصرني قال: من أنت؟ فقلت: عبدك محفوظ بن سليمان. فقال: ويحك! أي ساعة دخلت على فيها! فقلت: في ساعة خير يا أمير المؤمنين. فقال: هل ندري ما في هذا الدرج الذي في يدي؟ فقلت: لا والله يا سيدي. فقال: هذا مما أنزل على دانيال ﵇. يقول الله تعالى:" عند تناهي شدتي يكون فرجي، وعند نزول بلائي يكون رجائي، وفي مثلي فليطمع الطامعون ". اذهب يا محفوظ فقد وهبت لك ما عليك من المال ووليتك على مصر، فامض راشدا. وأمر بنزع قيودي وخلع على خلعة سنية".
وقد قيل في المعنى:
ما خاب عبد على الله الكريم له … توكل صادق في السر والعلن
حاشاه أن يحرم الراجي أجابه … إذا دعاه لكشف الهم والحزن
واستمر الأمير محفوظ بن سليمان في ولايته على مصر حتى مات ودفن بها في سنة أربع وخمسين ومائتين.
* ثم تولى من بعده الأمير أحمد بن محمد بن المدبر. فلما تولى على مصر أحدث بها أنواعا من المظالم في جهات متعددة: منها أنه حجر على الأطرون بعد ما كان مباحا للناس، ومنها أنه قرر على الرعاة ما كانوا يرعونه من المراعي في الفلاة، وصير عليهم
[ ١ / ٤٢ ]
قدرا معلوما، ومنها أنه قرر على صيادي السمك قدرا معلوما، وأحدث أشياء كثيرة من هذا النمط … فهذه أول شدة لحقت أهل مصر من المظالم. وقد انحط خراجها في هذه الأيام إلى الغاية حتى بقي ثمانمائة ألف دينار بعدما كانت تجبي في أيام خلفاء بني أمية أثني عشر ألف ألف دينار بغير مكوس.
ثم صارت مصر تتزايد من هذه الأحوال الفاسدة، وقد آل أمرها إلى الخراب، حتى تولى أمرها الأمير أحمد بن طولون، واستقل بها، وانفرد وادعى بها الأمر لنفسه … وذلك في أيام محمد المعتز بالله بن جعفر المتوكل.
[ ١ / ٤٣ ]