فيها أرسل الملك المعز أيبك بخطب بنت الملك بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، فلما بلغ ذلك شجرة الدر تغيرت على المعز أيبك وتغير هو أيضا عليها، لأنها كانت تمن عليه في كل وقت وتقول له: "لولا أنا ما وصلت أنت إلى السلطنة". .. وكانت قد منعته من الاجتماع بزوجته أم ولده الأمير علي، حتى أنها ألزمته بطلاقها منه بالثلاث.
وكانت شجرة الدر تركية الجنس، صعبة الخلق، شديدة الغيرة، قوية البأس، ذات شهامة زائدة وحرمة وافرة، سكرانة من خمرة العجب والتيه كما قيل في المعنى:
كتب القتل والقتال علينا … وعلى الغانيات جر الذيول
فلما صار أيبك معها في غاية الضنك حنق منها يوما ونزل إلى مناظر اللوق وهو غضبان، وكانت مناظر اللوق مكان الازبكية الآن، وكانت مطلة على بحر النيل. فلما نزل أيبك من القلعة أقام بمناظر اللوق أياما وهو غضبان، فأرسلت إليه شجرة الدر وهي تتلطف به حتى سكن غضبه وقام وطلع إلى القلعة فلاقته وقامت إليه وقبلت يده على غير عادة منها، وكانت شجرة الدر قد أضمرت له السوء فندبت له خمسة من الخدام الخصى
[ ١ / ١١٢ ]
الروم وقالت لهم: إذا دخل إلى الحمام فاقتلوه. فلما طلع إلى القلعة اصطلح مع شجرة الدر وتراضيا ثم دخل إلى الحمام، فلما صار هو وشجرة الدر بها دخل عليه أولئك الخدام وبأيديهم السيوف، فقام أيبك وقبل شجرة الدر واستغاث بها، فقالت للخدام: "أتركوه". ..
فأغلظ عليها بعض الخدام في القول، وقال لها: "إن تركناه حيا فلا يبقى عليك ولا علينا". ..
فقتلوه في الحمام خنقا، وقيل ربطوا محاشمه بوتر وجذبوه حتى مات. فلما مات حملوه وأخرجوه من الحمام وأشاعوا أنه قد أغمى عليه من الحمام فوضعوه على فراش الحمام، وكان ذلك في ليلة سنة ست وخمسين وستمائة (١٢٥٨ م).
فلما أصبح الصباح أشاعوا قتله بين الناس، فركب ابنه الأمير علي والمماليك المعزية، فلما طلعوا إلى القلعة وتحققوا قتله شرعوا في تجهيزه فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه في القرافة. ثم قبض ابنه على شجرة الدر، وسلمها إلى امه فأمرت جواريها أن يقتلنها بالقباقيب والنعال، فضربنها بها حتى ماتت وفارقت الدنيا … فكانت كما قيل في الأمثال:
واقنع إذا حاربت بالسلامة … واحذر فعالا توجب الندامة
فالتاجر الكيس في التجارة … من خاف في متجرة الخسارة
فلما ماتت شجرة الدر سحبوها من رجلها ورموها من فوق السور إلى خندق وهي عريانة، فأقامت وهي مرمية في الخندق ثلاثة أيام لم تدفن حتى قيل أن بعض الحرافيش نزل إلى الخندق تحت الليل وقطع دكة لباسها لأنها كانت من حرير أحمر، وفيها كرة من لؤلؤ، ونافجة مسك … فسبحان من يعز ويذل كما قيل في المعنى:
لقد هزلت حتى بدأ من هزالها … كلاها وحتى سامها كل مفلس
ثم بعد ثلاثة أيام حملت ودفنت بتربتها التي بطريق السيدة نفيسة بجوار بيت الخلفاء.
وكانت شجرة الدر أصلها من جواري الملك الصالح نجم الدين أيوب، اشتراها في أيام أبيه الملك الكامل محمد فحظيت عنده واستولد منها ابنه خليلا ثم اعتقها وتزوج بها، وكانت معه في البلاد الشامية مدة طويلة لما كان مستوليا على الشام، فلما قدم إلى الديار المصرية وتسلطن، عظمت شجرة الدر في دولة استاذها الملك الصالح، وصارت تدبر أمور المملكة عند غياب الملك الصالح في الغزوات.
وكانت ذات عقل وحزم، كاتبة قارئة، لها معرفة تامة بأحوال المملكة، وقد نالت من العز والرفعة ما لم تنله امرأة قبلها ولا بعدها، وقد أقامت في السلطنة نحو ثلاثة أشهر،
[ ١ / ١١٣ ]
وخطب باسمها على منابر مصر وأعمالها، ونفذت مراسيمها في الآفاق بعلامتها، وكانت علامتها على المراسيم "والدة خليل". وكانت كثيرة البر والصدقات، ولها أوقاف على جهات خير وصدقة، وكانت قتلها في يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة ست وخمسين وستمائة (١٢٥٨ م).
وأما الخدام الذين قتلوا المعز أيبك التركماني فهرب بعضهم إلى بلاد الشرق، وصلب بعضهم على باب القلعة وأقام أياما، وكان الملك أيبك التركماني رجلا عاقلا حليما نظر في مصالح الرعية في أيامه. وكان كفؤا للسلطنة ودفع العدو، وكان يحب الجهاد في سبيل الله تعالى مع الافرنج. وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية سبع سنين، منها مدة انفراده بالسلطنة خمس سنين وثلاثة أشهر، وكانت مدة الأشرف يوسف الذي هو من بني أيوب الذي شارك أيبك في السلطنة سنة وأشهرا.
وأيبك هذا هو أول ملوك الترك. ولما قتل تولى من بعده ابنه نور الدين علي.
ومن الأبيات اللطيفة التي تتضمن أسماء ملوك الترك والجراكسة - دون أسماء أولادهم - ممن تولى السلطنة بالديار المصرية، وهم على الترتيب من مبتدأ دولتهم إلى الآن، وهي هذه:
أيبك، قطر، يعقبا … بيبرس ذو الكمال
بعد قلاون بع … - د كتبغا المفضال
لاجين، بيبرس، بر … قوق شيخ ذو الأفضال
ططر، برسباي، جق … - مق ذو العلا، اينال
وخشقدم عنه قل … بلباي ذو الأحوال
تمربغا، قابيتبا … ى الفحل ذو الاقبال
وقانصوه، جنبلا … ط عنهما أقوالي
وبعدهم جاء طو … من باي بالاقبال
وقانصوه بعده … ذا مظهر الأهوال