فيها خرج السلطان على حين غفلة على الهجن، فلما خرج من القاهرة توجه إلى نحو الكرك، فاستقر بالأمير اقوش نائبا. ثم توجه من هناك إلى دمشق، فعرض عليه العسكر بدمشق، وعين جماعة من الأمراء والمماليك السلطانية ليتوجهوا إلى نحو سيس، فلما وصلوا إلى سيس أرسل صاحب سيس يطلب الأمان، فأرسل الأمراء يكاتبون السلطان بذلك، فعاد الجواب من السلطان: "إن كان صاحب سيس يسلم هذه الثلاث قلاع - وهي قلعة البهنسا وقلعة مرعش وتل حمدون - فأعطوه الأمان. وان لم يسلم هذه الثلاث قلاع فحاصروه". .. فلما وصلت مراسيم السلطان بذلك سلم صاحب سيس تلك القلاع الثلاث، وحصل الصلح، ورجع العسكر من سيس.
ثم ان السلطان أقام بدمشق إلى مستهل رجب، ثم توجه من هناك إلى نحو حمص، فأضافه الأمير مهنا بن عيسى ثلاثة أيام بلياليها. ثم ان السلطان بدا له أن يقبض على الأمير مهنا بن عيسى وعلى أخوته، فقبض عليهم وولى الأمير على بن حديثة عوضا عن الأمير مهنا بن عيسى.
[ ١ / ١٥٦ ]
ثم أن السلطان رجع إلى دمشق، ورسم للأمير بيدرا النائب بأن يأخذ العسكر ويتوجه إلى القاهرة، فأخذ الأمير بيدرا في أسباب التوجه إلى القاهرة، وأخذ معه الأمراء والعسكر، ورجع إلى مصر، وأقام السلطان بدمشق على سبيل التنزه، ثم توجه إلى الديار المصرية ودخل القاهرة في موكب عظيم وكان له يوم مشهود لم يسمع بمثله، وزينت له القاهرة بالزينة الفاخرة، وسار في الموكب مثل العروس، حتى طلع القلعة وجلس على سرير المملكة أحسن جلوس.
وفي هذه السنة توفي القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر كاتب السر الشريف، وكان مولده في سنة عشرين وستمائة، فكانت مدة حياته اثنتين وسبعين سنة، وكان له نظم ونثر فائق، فمن ذلك قوله:
إن كانت العشاق من أشواقهم … جعلوا النسيم إلى الحبيب رسولا
فأنا الذي أتلو لهم: يا ليتني … كنت اتخذت مع الرسول سبيلا