فيها ابتدأ السلطان الملك المنصور قلاون بعمارة القبة التي بين القصرين والمدرسة، وأضاف إلى ذلك قاعة القطنيين وسماها البيمارستان المنصوري، وقيل انتهى منها العمل في مدة عشرة أشهر على ما نقله المؤرخون، وجعل لها في كل يوم من الرواتب ألف
[ ١ / ١٤٤ ]
دينار، ووقف عليها أوقافا كثيرة من ضياع وأملاك وبساتين وغير ذلك، وشرط في وقفه أشياء كثيرة من أنواع البر والخير مما لم يسبق فعله لأحد من الملوك من قبل ومن بعد، فكان كما قال القائل:
تمشي الملوك على آثار غيرهم … وأنت تخلق ما تأتي وتبتدع
فهو من حسنات الزمان … تحتاج إليه الملوك، ويفتقر إليه الغني والصعلوك.
قيل: وكان سبب بناء البيمارستان هذا أن الملك المنصور قلاون أمر مماليكه بأن يضعوا السيف في العوام لأمر أوجب تغير خاطر السلطان عليهم، فانهم خالفوا أمره في شيء فعله بجهلهم، فأمر بقتلهم، فلعب فيهم السيف ثلاثة أيام، فقتل في هذه المدة ما لا يحصى عدده، وراح الصالح بالطالح وربما عوقب من لم يجن.
فلما زاد الأمر عن الحد، طلع القضاة ومشايخ العلم إلى السلطان وشفعوا فيهم، فعفا عنهم، وكف عنهم القتل، فلما جرى ما جرى، وراق خاطر السلطان ندم على ما فعله، وبنى هذا البيمارستان، وجعل له جملة أوقاف على رواتب بر وإحسان، وفعل من أنواع الخير ما لا يفعله غيره من الملوك ليكفر الله عنه ما فعله بالناس لعل الحسنات تذهب السيئات كما قال الله تعالى.