فيها جاءت الأخبار بأن أميرا من أمراء القان غازان، يقال له قطلوشاه، قد دخل إلى حلب على حين غفلة من أهلها ومعه طائفة من عسكر التتار، وذكروا أن بلادهم قد أضمحلت هذه السنة وقصدهم الإقامة بحلب حتى يشتروا لهم مغلا … وكل ذلك حيل وخداع.
ثم بعد أيام دخل منهم جماعة نزلوا بالمرعش، فأرسل نائب حلب يكاتب السلطان بذلك فلما جاء هذا الخبر عين السلطان جماعة من الأمراء المقدمين عدتهم ستة من الأمراء، وعين ألف مملوك من المماليك السلطانية فخرجوا من القاهرة على الفور مسرعين. فلما
[ ١ / ١٧٩ ]
وصلوا إلى غزة تواترت الأخبار بوصول غازان إلى الرحبة، وأن نائب الرحبة تلطف به وأرسل له بالإقامة مع ولده ومنعه من محاصرة المدينة.
فلما أن بلغ السلطان ذلك أحضر الأمير سلار النائب، والأتابكي بيبرس الجاشنكير، وضربوا مشورة في ذلك، فأشاروا على السلطان بالخروج قبل أن يتمكن العدو من البلاد، فنادى السلطان في جميع أماكن القاهرة للعسكر بالرحيل من كبير وصغير.
ثم أن السلطان أحضر جماعة من عربان الشرقية ومن عربان الغربية، ونادى بالنفير عاما، وخرج مسرعا على جرائد الخيل، وكان معه الخليفة المستكفي بالله أبو الربيع سليمان والقضاة الأربعة وسائر الأمراء والعسكر من كبير وصغير، فلما رحلوا من الريدانية تقدم الأتابكي بيبرس الجاشنكير مع جماعة من العسكر قدام السلطان.
فلما وصلوا إلى الشام جاءت الأخبار بأن جاليش غازان قد وصل إلى قرب حماة، فأرسل الأتابكي بيبرس يستحث السلطان في سرعة الحضور، فجد السلطان في السير حتى وصل إلى الشام في مستهل شهر رمضان من السنة المذكورة.
ثم أن السلطان لم يقم بالشام، وبرز إلى قتال عسكر غازان … فكان مع السلطان من العساكر المصرية والشامية وعربان جبل نابلس نحو مائتي ألف إنسان، وكان مع غازان مثل ذلك أو أكثر. فتلاقى العسكران على مرج راهط تحت جبل غباغب، فكان بين الفريقين هناك واقعة عظيمة لم يسمع بمثلها فيما تقدم من الزمان، فكانت النصرة يومئذ للملك الناصر محمد بن قلاون على القان غازان، فقتل من الفريقين ما لا يحصى عددهم، وأسر من عسكر غازان نحو الثلث، وقتل من أمراء مصر الأمير حسام الدين لاجين استادار العالية، والأمير أوليا بن قرمان، والأمير سنقر الكافوري، والأمير أيدمر الشمسي المقشاش، والأمير أقوش الشمسي الحاجب، والأمير عز الدين نقيب الجيوش المنصورة، والأمير علاء الدين بن التركماني، والأمير حسام الدين علي بن ساخل، والأمير سيف الدين بهادر الدكاجكي … هؤلاء غير من قتل من أمراء دمشق الشام وحماه وحلب وطرابلس وغزة وغير ذلك من الأمراء. وقتل من المماليك السلطانية والأمراء نحو ألف وخمسمائة مملوك، هذا خارجا عن العربان والمشاة والعبيد والغلمان وغير ذلك.
فلما دخل الليل حالت الظلمة بين العسكرين، فالتجأ عسكر غازان إلى أعلى الجبال، وباتوا يوقدون النيران، وبات عسكر السلطان محدقين بهم كالحلقة. فلما لاح الصباح من يوم الأحد رابع شهر رمضان عاين عسكر التتار الهلاك من العطش والجوع، فصاروا يتسحبون في الأودية أولا بأول، فحمل عسكر السلطان عليهم فصيروهم رمما، وأسروا منهم ما شاءوا، فامتلأت من قتلاهم القفار، وضجوا كما قال فيهم القاتل:
[ ١ / ١٨٠ ]
مشوا متسابقي الأعضاء فيهم … لأرجلهم بأرؤسهم عثار
إذا فاتوا السيوف تناولتهم … بأسياف من العطش القفار
فلما وصلت هذه النصرة للملك الناصر محمد، أرسل الأمير بكتوت الفتاح بأخبار هذه النصرة إلى الديار المصرية، ثم أن السلطان رحل من المكان الذي وقعت فيه الواقعة ودخل إلى دمشق وصحبته الخليفة المستكفي بالله سليمان والقضاة الأربعة، فنزل بالقصر الأبلق.
وكان يوم دخوله إلى دمشق يوما مشهودا لم يسمع بمثله، وزينت له دمشق زينة عظيمة، فأقام بدمشق أياما ثم قصد التوجه نحو الديار المصرية، فوصل إلى القاهرة في ثالث عشرى شوال من سنة اثنتين وسبعمائة، فدخل إلى القاهرة وكان يوما مشهودا، والأسارى من عسكر التتار قدامه وهم في جنازير حديد، وصناجق غازان منكوسة، وطلائعه معكوسة. فشق السلطان من القاهرة وطلع إلى القلعة. وقد غنم العسكر من التتار - لما انكسروا - أشياء كثيرة من خيول وسلاح وقماش وغير ذلك من الغنائم. وكانت هذه النصرة على غير القياس، فان غازان كسر الملك الناصر قبل ذلك كسرة قوية، ونهب جميع ما كان معه ومع العسكر من خيول وسلاح وبرك وغير ذلك كما تقدم، فكان كما قيل في المعنى:
فيوم علينا ويوم لنا … ويوم نساء ويوم نسر
ومن الحوادث في هذه السنة أن في الثالث والعشرين من ذي الحجة وقع زلزلة عظيمة بالديار المصرية وسائر أعمالها، وكانت قوة عملها بثغر الاسكندرية، فهدمت سورها والأبراج. وهدمت جانب المنار، وفاض ماء البحر المالح حتى غرقت البساتين. وأما بالديار المصرية فهدمت أكثر جدران الجامع الحاكمي، وهدمت مئذنة المدرسة المنصورية ومئذنة جامع الظاهر الذي في الشوايين، وهدمت مئذنة جامع الصالح الذي عند باب زويلة، وهدمت جانبا من حيطان جامع عمرو بن العاص. وقد تشقق من هذه الزلزلة الجبل المقطم، وخرج الناس إلى الصحراء وظنوا أنها القيامة. وأقامت الزلزلة تعاود الناس مدة عشرين يوما، وسقطت الدور على الناس، وهلك تحت الردم من الناس ما لا يحصى، وقيل أن شخصا كان يبيع اللبن فسقطت عليه داره فظن الناس أنه قد مات، فأقام تحت الردم ثلاثة أيام بلياليها، فلما شالوا عنه الردم، وجدوا فيه الروح وقد تصلبت عليه الأخشاب فسلم، وكان معه جرة فيها لبن فوجدت معه كما هي سالمة وفيها اللبن.
[ ١ / ١٨١ ]
وكانت هذه الزلزلة في قوة الحر، فجاء عقيبها ريح أسود فيه سموم، فلفح حتى أغمي على الناس منها.
وقيل كانت هذه الزلزلة متصلة إلى دمشق والكرك والشوبك وصفد وغالب البلاد الشامية، وفي ذلك يقول بعضهم:
زلزلت الأرض فخاف الورى … وابتهلوا إلى العزيز الحكيم
فليذكروا مع خوفهم قوله … ﴿زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾