فيها جاءت الأخبار من حلب بأن غازان ملك التتار قد زحف على البلاد ووصل أوائل عسكره إلى الفرات، وهو في عسكر ثقيل لا يحصى.
وغازان هذا هو ابن أرغون، بن ابغا، بن هلاكو الذي أخرب بغداد، وقتل الخليفة، وجرى منه ما جرى.
وكان سبب مجيء غازان وزحفه على البلاد هو ان قفجق، نائب الشام، لما بلغه أن الملك المنصور لاجين أرسل بالقبض عليه أخذ أولاده وعياله وبركه وماله، وخرج من الشام وتوجه هاربا إلى القان غازان، وحسن له أن الملك الناصر صغير، وأن الأمراء والعسكر بينهم الخلف، وأنه إذا زحف القان غازان على البلاد لا يجد من يرده عنها
فعند ذلك جمع القان غازان عساكر عظيمة، نحو مائتي ألف مقاتل.
فلما وصل الخبر إلى الديار المصرية اضطربت الأرض واجتمعت الأمراء بالقلعة وضربوا مشورة، فوقع الاتفاق على أن الأتابكي بيبرس الجاشنكير يتوجه إلى حلب ومعه خمسمائة مملوك قبل خروج السلطان، فخرج الأتابكي بيبرس على جرائد الخيل مع
[ ١ / ١٧٤ ]
العسكر. ثم خرج الملك الناصر محمد بعده في خامس عشر صفر، وكان صحبته الخليفة الإمام أحمد الحاكم بأمر الله والقضاة الأربعة، وكان قاضي القضاة الشافعي حينئذ شيخ الإسلام: تقي الدين ابن دقيق العيد. وخرج مع السلطان سائر الأمراء والعسكر، فجد السلطان في المسير حتى وصل إلى دمشق في ثامن ربيع الأول سنة تسع وتسعين وستمائة، ثم خرج من دمشق فتلاقى مع جاليش غازان في مكان يعرف بسلمية قرب بعلبك، فوقع بينهما واقعة عظيمة لم يسمع بمثلها، وقتل من الفريقين ما لا يحصى عددهم، فأنكسر عسكر السلطان وهرب الملك الناصر إلى بعلبك، ونهب بركه وسائر برك العسكر، ولم يبق معه من العسكر إلا طائفة يسيرة.
ثم أن القان غازان زحف على ضياع الشام ونهب ما فيها وسبى أهلها. فلما بلغ أهل الشام ذلك خافوا على أنفسهم من غازان فيما فعله بأهل الضياع، فتشاوروا مع جماعة من العلماء الذين كانوا بدمشق، وخرجوا إلى غازان يطلبون منه الأمان، فخرج قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعي، والشيخ زين الدين الفارقي، والشيخ تقي الدين ابن تيمية الحراني، والقاضي نجم الدين ابن الصرصري، والقاضي عز الدين بن تركي، والشيخ عز الدين بن القلانسي، والقاضي جلال الدين القزويني، وغير هؤلاء جماعة من العلماء والصلحاء. فلما دخلوا على غازان ووقفوا بين يديه، وقف الترجمان وتكلم مع القان غازان في أمرهم وأنهم جاءوا يطلبون الأمان منه، فقال له غازان: "قل لهم أني قد أرسلت إليهم الأمان قبل حضورهم عندي". .. فرجعوا إلى دمشق واجتمع في جامع بني أمية الجم الغفير، وقرءوا على الناس الأمان الذي أرسله القان غازان إلى أهل دمشق. فلما قرئ عليهم ذلك الأمان وسمعوا فرح الناس بذلك، وحصل عندهم سكون بعد ما كانوا في اضطراب من أمر غازان.
ثم حضر الأمير قفجق الذي كان نائب الشام وهرب إلى غازان ونزل بالميدان الأخضر وأرسل يقول لنائب قلعة الشام: "سلم إلينا القلعة ولا تحوجنا إلى أن نحاصرك وتغلب بعد ذلك". فأرسل نائب القلعة يقول لقفجق: "ليس لك عندي جواب إلا السيف.
وكيف أسلم القلعة والملك الناصر على قيد الحياة؟ ".
فلما بلغ غازان ذلك حاصر القلعة، ونصب عليها المجانيق، وأحرق البيوت التي حولها فلم يقدر عليها.
ثم بلغه أن الملك الناصر تراجع إليه العسكر وهو قاصد نحو الشام. فلما كان يوم الجمعة ثاني عشر جمادي الأول رحل غازان عن دمشق وترك بها أميرا من التتار يقال
[ ١ / ١٧٥ ]
له الأمير قطلو شاه بيك ومعه عسكر من التتار، وولى الأمير قفجق نائب الشام كما كان أولا … هذا ما كان من القان غازان.
وأما ما كان من أمر الملك وأمر عسكره فانه لما انكسر ودخل إلى بعلبك أقام بها أياما، ثم قصد التوجه إلى الديار المصرية، وجد في السير حتى وصل إلى القاهرة، فدخل على حين غفلة وطلع القلعة، وقد نهب جميع ما كان معه من البرك وكذلك الأمراء والعسكر.
فلما طلع القلعة فتح الزردخانة وفرق ما كان فيها من الملبوس والسلاح على العسكر، ثم فتح خزائن المال وأنفق على العسكر … فأعطى كل مملوك ثمانين دينارا، وجماعة منهم أعطاهم خمسة وسبعين دينارا، وجماعة منهم خمسة وستين دينارا، وأعطى مماليك الأمراء كل واحد خمسين دينارا ثم أنفق على عسكر الشام الذين حضروا بصحبته، فأعطى كل واحد منهم عشرة دنانير ذهبا، وعشرة ارادب شعيرا، وعشرة أرادب قمحا. ثم أنفق على سائر الأمراء والمقدمين والطبلخانات والعشراوات لكل واحد منهم على قدر مقامه. وكان القائم في تدبير مملكته الأمير سلار نائب السلطنة والأتابكي بيبرس الجاشنكير.
ثم أن الملك الناصر قصد العود إلى محاربة غازان، فبرز بخيامه في الريدانية، وخرج من القاهرة ثانيا. وكان صحبته الخليفة الإمام أحمد والقضاة الاربعة وسائر الأمراء والعساكر. فلما أقام في الريدانية تشكى العسكر وتغلبوا عليه فأنفق عليهم نفقة ثانية لترفع أحوالهم، ثم رحل من الريدانية وجد في السير، فتقدم في جاليش العسكر الأمير سلار نائب السلطنة، والأتابكي بيبرس الجاشنكير. فلما وصل الجاليش إلى دمشق تلقاهم الأمير قفجق وأظهر الطاعة للسلطان وباس الأرض، واجتمع بالأمراء وأشار عليهم بأن السلطان يرجع إلى القاهرة ولا يدخل دمشق، وسيجيئه الأمر كما يختار.
فعند ذلك رجع السلطان إلى القاهرة، وكان رجوعه إليها في ثامن عشر شهر رمضان من سنة تسع وتسعين وستمائة.
ومن النكت اللطيفة أن الملك المنصور قلاون - أستاذ الأمير قفجق المذكور - خرج يوما إلى نحو المطرية في أيام النيل على سبيل التنزه ومعه جماعة من الأمراء من أخصائه، فانشرح السلطان في ذلك اليوم وذبح خروفا سمينا بيده، فلما حضر السماط قدموا ذلك الرميس بين يديه فقطعه بيده، ثم أخذ الكتف منه وجرده من لحمه وتركه ساعة حتى جف، ثم لوحه على النار قليلا قليلا، ثم أخرجه ونظر في لوح الكتف ساعة وأطال التأمل، ثم تفل عليه وألقاه من يده وظهر في وجهه الغضب … فسأله بعض الأمراء عن ذلك - بعد ما سكن غضبه - فقال: "إن وليتم قفجق بعدي نيابة الشام يحصل منه غاية
[ ١ / ١٧٦ ]
الفساد. فلا تخرجوه بعدي من مصر لئلا تتعبوا من أمره". فكان الأمر كما قاله الملك المنصور قلاون. والملوك لهم فراسة في الأمور قبل وقوعها كما قيل في المعنى:
يرى العواقب في أثناء فكرته … كأن أفكاره بالغيب كهان
لا طرفة منه إلا تحتها عمل … كالدهر لا دولة إلا لها شان
ولم يزل الأمير قفجق ممقوتا في دولة الملك المنصور قلاون حتى مات قلاون وتسلطن خليل ولده، إلى أن تسلطن الملك المنصور لاجين فاستقر بالأمير قفجق نائب الشام. فلما ظهر له منه عين العصيان ارسل بالقبض عليه فهرب قفجق إلى القان غازان وحسن له بأن يزحف على البلاد كما تقدم من أخباره.
قال القاضي محيي الدين بن فضل الله: "حكى لي الأمير قفجق، بعد أن جرى ما جرى، ورجع إلى القاهرة، وتلاقى عسكر السلطان مع عسكر غازان فكاد غازان أن ينكسر وهم بالهرب، فطلبني ليضرب عنقي، لأني كنت السبب في مجيئه إلى دمشق، فلما حضرت بين يديه قال لي: ما هذا الحال؟ فقلت: ما ثم إلا الخير والسلامة … فأنا اخبر بعسكرنا فان لهم أول صدمة ثم يولون عن القتال. فالقان يصبر ساعة فما يبقى قدامه أحد منهم. فصبر ساعة فكان ما قاله صحيحا. ولما انكسر عسكر مصر أراد أن يزحف عليهم بما معه من العسكر فقلت في نفسي: متى زحف عليهم لم يبق منهم أحد. فقلت له: القان يصبر ساعة فان عسكر مصر لهم حيل وخداع، وربما يكون لهم كمين وراء الجبل فيخرج علينا فننكسر. فسمع لي، ثم وقف ساعة حتى أبعدتم عنا ولم يبق منكم أحد قدامه … فلو زحف عليكم ما بقي منكم أحد. فلولا أنا ما سلم منكم أحد".
فكان الأمر كما قيل:
ولو شئت قابلت المسيء بفعله … ولكنني أبقيت للصلح موضعا
ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك الناصر محمد ابن قلاون.
ثم في هذه السنة وصل الخبر من البحيرة بأن قد اختلفت طائفتان من العرب - وهما جابر ومرديس - ونهبوا ضياع البحيرة، وأحرقوا الجرون، فاضطربت أحوال الديار المصرية، وعين لهم السلطان تجريدة … فكان باش العساكر الأمير بيبرس المنصوري أمير دوادار كبير، وصحبته جماعة من الأمراء نحو عشرين أميرا، ما بين طبلخانات
[ ١ / ١٧٧ ]
وعشراوات، فخرجوا من القاهرة على الفور، وجدوا في السير إلى أن وصلوا إلى تروجه، ووقعوا مع العرب فكسروهم وهربوا إلى الجبال حتى لم يبق منهم أحد، فأحاط العسكر بجمالهم وأغنامهم وأولادهم ونسائهم، ثم عاد الأمراء إلى القاهرة وهم في غاية النصرة … فخلع السلطان على الأمير بيبرس خلعة، ونزل إلى بيته في موكب عظيم.