فيها عزم السلطان إلى العود إلى السفر ليحاصر مدينة عكا. فخرج من القاهرة في ثامن عشر شوال من السنة المذكورة، فلما نزل بالريدانية وأقام بها حتى يتكامل خروج العسكر، وجد في جسده توعكا وحمى، فصار الأمر في كل يوم يتزايد عليه حتى ثقل في المرض. وكان الملك المنصور قلاون لما مات ولده الملك الصالح علي، عهد من بعده إلى ولده خليل ولقبه بالأشرف، فلما سلسل السلطان، اضطربت الأحوال، وصار ولده خليل
[ ١ / ١٤٨ ]
ينزل إليه من القلعة في كل يوم ويتفقد أحواله ثم يرجع إلى القلعة، وكانت الأمراء يدخلون على السلطان في كل يوم صحبة الحكماء. فلما زاد الأمر على السلطان وتغير حاله منع الأمير طرنطاي الأمراء من الدخول على السلطان.
فلما تحقق الأمراء موت السلطان جاءوا إلى الأمير طرنطاي النائب وقالوا له:" أنت تعلم ما بينك وبين ولد السلطان من حظوظ النفس من أيام والده. وقد صار الأمر إليه والسلطان ما بقي يرجى. ومتى صار الحكم إلى ولده فهو قاتلك لا محالة … فبادر إليه وأمسكه قبل أن يمسكك ونحن كلنا عصبتك ". .. فسكت الأمير طرنطاي ساعة وقال:" كيف أمسك ابن أستاذي أو أقتله؟ فايش يشاع على بين الناس؟ ولكن أنا مملوك السلطان ومملوك ولده. فان رضيني وابقاني على حالي كان الفضل له، وان قتلني صرت شهيدا من جملة الشهداء".
ثم أن السلطان قلاون دخل في النزع، فجلس الأمير طرنطاي عند رأسه حتى مات وغمضه بيده. فلما أصبح الصباح جاءت الأمراء على العادة فلم يمكنهم من الدخول على السلطان. ثم أنه أرسل خزائن المال والأطلاب التي كانت مع السلطان برسم السفر. ثم أن الأمير طرنطاي أرسل عرف ولد السلطان الملك الأشرف خليل أن والده قد مات، وأشار عليه أنه يقيم في القلعة ولا ينزل، ووكل به مقدم المماليك.
ثم أن الأمير طرنطاي حمل السلطان قلاون وهو ميت في محفة وطلع به إلى القلعة بعد المغرب، فغسله وكفنه ونزل به في تابوت بعد العشاء والأمراء والقضاة وأعيان الناس مشاة قدامه. وكثر عليه الحزن والأسف من الناس إلى أن وصلوا به إلى البيمارستان، فصلوا عليه هناك ودفن داخل القبة التي بين القصرين، وكانت وفاته يوم السبت سادس ذي القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة، ودفن في ليلة الأحد، وكانت مدة توعكه تسعة عشر يوما، وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية احدى عشرة سنة وثلاثة أشهر وستة أيام، فمات وكأنه لم يكن … فكان كما قيل في المعنى:
كل ابن أنثى وان طالت سلامته … يوما على آلة حدباء محمول
ولما مات الملك المنصور قلاون خلف من الأولاد ثلاثة ذكور، وهم: الأشرف خليل، والناصر محمد، والأمير أحمد ولد بعد وفاة أبيه.
وكان المنصور قلاون حسن الشكل، مربوع القامة، درى اللون، وكان قليل الكلام بالعربي، وكان شجاعا بطلا مقداما في الحرب، وكان مغرما بمشتري المماليك حتى قيل أنه تكامل عنده اثنا عشر ألف مملوك، وقيل سبعة آلاف مملوك. ومما يدل على علو همته
[ ١ / ١٤٩ ]
وحسن اعتقاده عمارة البيمارستان الذي بين القصرين، ولا سيما ما فعله فيه من وجوه البر والصدقات ووقف الأوقاف الجليلة، وشرط في وقفه ما لم يشرطه احد من الملوك قبله ولا بعده، وقد كفاه ذلك شرفا في الدنيا والآخرة.
ومن محاسنه أنه غير تلك الملابس الشنيعة التي كانت تلبسها العسكر في الدول القديمة. قيل كانت كلوتاتهم من الصوف الأزرق الغميض، وهي مضربة عريضة بغير شاش، وكانت المماليك تربي لهم ذوائب من الشعر خلفهم ويجعلونها في أكياس حرير أحمر أو أصفر، وكانوا يشدون في أوساطهم بنودا بعلبكية عوضا عن الحوائص، وكانت خفافهم برغالي أسود، وكانوا يشدون فوق قماشهم ابزيم جلد وفيه حلق نحاس وفيها صوالق برغالي أسود، وهي كبار يسع الصولق الواحد نصف ويبة قمح، وكان لهم في ذلك الابزيم معلقة من الخشب كبيرة وسكين كبيرة، وكانت لهم مناديل من الخام قدر فوطة كبيرة لمسح أيديهم. وكانوا يربون لهم شوارب قدر السلفة الكتان. فلما تولى الملك المنصور قلاون أمر العسكر أن يغيروا هذه الملابس الشنيعة، ويدخلوا في الهيئة المطبوعة وكانت خلع المقدمين من العنتابي، فأمر لهم بالخلع المخمل الأحمر والأخضر بالفرو السمور. وهو أول من أسكن المماليك في أبراج القلعة وسماهم المماليك البرجية.
وأما ما افتتحه الملك المنصور قلاون في أيامه من الفتوحات فهو المرقب وجبلة من بلاد الافرنج، وفتح طرابلس الغرب، واللاذقية، وجبيل، والكرك والشوبك … كانت بيد أولاد الملك بيبرس البندقداري فأخذها منهم.
وأما ما أبطله في أيامه من المظالم، فهو أنه كان من قديم الزمان وظيفة تسمى ناظر الزكاة - وهو من يأخذ ممن عنده مال زكاته - فان مات ذلك الرجل صاحب المال أو عدم ماله فيتم ذلك القدر المقرر عليه في الدفاتر باقيا يؤخذ من أولاده أو من ورثته أو من أقاربه ولو بقي منهم واحد … فأبطل الملك المنصور قلاون ذلك إلى يومنا هذا وسطر في صحائفه.
ومما أبطله من المظالم أيضا أنه كان يؤخذ مال من أهل مصر للمبشرين إذا حضروا يبشرون بفتح حصن أو بنصرة عسكر أو بما أشبه ذلك، وكان يجبي من أهل مصر على قدر طاقتهم في السعة، فأبطل ذلك.
وكان يجبي من أهل مصر عند وفاء النيل المبارك ثمن الحلوى والفاكهة والشوى، برسم السماط الذي يوضع في المقياس يوم الوفاء، فأبطل ذلك عن الناس جميعه، وجعل مصروفه من بيت المال، وأبطل أشياء كثيرة من هذا النمط.
وكان من أجل ملوك الترك قدرا، وأعظمهم أخبارا وذكرا.
[ ١ / ١٥٠ ]
وأما من توفي في أيامه من أعيان العلماء ومشايخ الإسلام، فمن ذلك الإمام العلامة محيي الدين النووي الشافعي ﵁، وهو صاحب كتاب المنهاج، قال الشيخ شمس الدين الذهبي: إن الشيخ محيي الدين توفي وله من العمر نحو أربعين سنة، ودفن بنوى وهي بلده. وقد رثاه الشيخ زين الدين ابن الوردي المعرى بهذه الأبيات:
لقيت خيرا يا نوى … ووقيت من ألم النوى
فلقد ثوى بك عالم … لله أخلص ما نوى
وعلا علاه بفضله … فضل الحبوب على النوى
وتوفي أيضا الشيخ برهان الدين الشافعي ابن جماعة، والشيخ شمس الدين ابن خلكان المؤرخ، والشيخ ناصر الدين ابن المنير، والشيخ جمال الدين الشريشي شارح مقامات الحريري، وتوفي بان النحاس النحوي، وتوفي علاء الدين ابن النفيس شيخ الأطباء، وتوي غير ذلك من أعيان الناس ومن العلماء جماعة كثيرون.
ولما توفي الملك المنصور قلاون تولى من بعده ابنه الاشرف خليل.