في يوم الاثنين تاسع عشر شهر رجب حضر من بغداد إلى الديار المصرية شخص من ذرية بني العباس يقال له الإمام أحمد. وهو ابن الخليفة الظاهر بأمر الله، ابن الخليفة الناصر لدين الله، ابن الخليفة المستنصر بالله العباسي الهاشمي، فلما بلغ الملك الظاهر قدومه خرج إلى تلقيه. فلما وصل إلى المطرية تلاقى هناك هو والإمام أحمد العباسي، وكان الإمام أحمد هذا أسمر اللون، وأمه أم ولد حبشية، فلما وقعت عين الملك الظاهر عليه نزل عن فرسه، ونزل الإمام أحمد عن فرسه، واعتنقا ثم ركبا ومرا في القاهرة، ودخلا من باب النصر، فزينت له القاهرة، وكان له موكب عظيم ويوم مشهود لم يسمع بمثله. فلما وصلا إلى القلعة طلع الإمام أحمد مع السلطان إلى القلعة، فأنزله السلطان في قاعة الأعمدة، فأقام بها أياما.
ثم أن الملك الظاهر قصد أن يثبت نسبا للإمام أحمد بأنه من درية بني العباس، فإن الخلافة كانت شاغرة من حين قتل الخليفة المستعصم بالله في سنة ست وخمسين وستمائة، وكان قدوم الإمام أحمد إلى الديار المصرية في سنة تسع وخمسين وستمائة، فكانت مدة شغور الخلافة نحو أربع سنين إلا أشهرا. فأمر الملك الظاهر بعقد مجلس في قاعة الأعمدة، وجمع القضاة ومشايخ الأولياء وسائر الأمراء وأرباب الدولة، وكان في صدر المجلس المشار إليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام شيخ الإسلام ﵁.
فلما تكامل المجلس، تأدب الملك الظاهر مع الإمام أحمد، وجلس بين يديه بغير مرتبة، ثم ان السلطان أمر بإحضار العربان الذين حضروا صحبة الإمام أحمد من بغداد - وكان فيهم طواشي من بغداد - فشهدوا كلهم بين يدي قاضي القضاة تاج الدين الشافعي ابن بنت الأعز بأن الإمام أحمد هذا هو ابن الخليفة الظاهر بأمر الله، ابن الخليفة الناصر لدين الله،
[ ١ / ١٢٣ ]
المتصل النسب إلى العباس ﵁ … فثبت ذلك على يدي قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز، وسجله على نفسه وحكم بصحة ذلك.
فلما ثبت نسب الإمام أحمد بايعه القضاة بالخلافة ولقبوه بالمستنصر بالله، ثم أن الإمام أحمد بايع الملك الظاهر بيبرس بالسلطنة، وفوض إليه أمر البلاد الإسلامية وما يضاف إليها وما سيفتح عليه من البلاد الكفرية.
فلما كان يوم الجمعة أمر السلطان الإمام أحمد بأن يخطب ويصلي بالناس صلاة الجمعة بجامع القلعة، فاجتمع القضاة والعلماء وسائر الأمراء بالجامع، فخطب الإمام أحمد خطبة بليغة، وأثنى فيها على فضل الملك الظاهر الذي رد الخلافة لبني العباس.
فلما كان يوم الاثنين رابع شهر شعبان من السنة المذكورة خرج الملك الظاهر إلى نحو أرض المطرية، وضرب هناك خيمة كبيرة، وجلس على كرسي والأمراء بين يديه. ثم أن القاضي فخر الدين بن لقمان كاتب السر الشريف نصب له هناك منبرا وصعد عليه، وقرأ على الأمراء تقليد الخليفة المستنصر بالله للملك الظاهر. فلما فرغ من قراءته أحضروا للسلطان الملك الظاهر خلعة السلطنة، وهي جبة سوداء بطوق ذهب، وعمامة سوداء بعذبة ذهب، وسيف بداوي متقلد به حمائلي. فلما لبس خلعة السلطنة ركب فرسا برز بسرج ذهب وكينوس، ودخل القاهرة من باب النصر، ومر بالمدينة وقد زينت له، وهو لابس شعار السلطنة كما تقدم، والأمراء جميعهم مشاة بين يديه، والصاحب بهاء الدين بن حنا حامل التقليد على رأسه حتى طلع إلى القلعة، وكان يوما مشهودا لم يسمع بمثله.
ثم أن السلطان كتب إلى سائر أعمال مملكته بأخذ البيعة الصحيحة من الخليفة المستنصر بالله أحمد، وهو أول خليفة بايع الملوك الترك بمصر.
ثم ان السلطان أخذ في أسباب تجهيز الإمام أحمد وعوده إلى بغداد، فأقام له برك عظيم، وعين معه عسكرا، فكان جملة ما أنفقه الملك الظاهر على تجهيز الإمام أحمد من المال مائة ألف دينار وستين ألف دينار.
فلما انتهى شغل الإمام أحمد، ودع السلطان ونزل من القلعة، فنزل السلطان معه إلى المطرية وسائر الأمراء، فودع السلطان الإمام أحمد وعاد إلى القلعة، وسار الإمام أحمد بمن معه من العساكر السلطانية، فلما وصل إلى الفرات بلغ قرابغا أمير التتار الذي استخلفه هلاكو على بغداد مجيء الإمام ومعه عساكر السلطان، فخرج إليه قرابغا في عسكر ثقيل من التتار، فتلاقى العسكران على مكان يسمى الأنبار، فحمل عسكر السلطان على التتار فكسروهم كسرة قوية، وهرب التتار … فلما دخل الليل هجم التتار على عسكر
[ ١ / ١٢٤ ]
السلطان فأحاطوا بهم فما نجا منهم إلا من طال عمره، ونهبوا ما كان معهم من سلاح وخيول ومال.
وأما الإمام أحمد فلم يعلم له خبر، ولا وقف له على أثر. فمن الناس من يقول أنه قتل تحت الليل وقت الكبسة، ومن الناس من يقول أنه نجا بنفسه وهو مجروح مع طائفة من العرب فأقام عندهم أياما ومات … والله أعلم. وكانت هذه الواقعة في أواخر سنة تسع وخمسين وستمائة.
فلما جاءت الأخبار إلى القاهرة بما جرى للإمام أحمد، تأسف الملك الظاهر بيبرس على ذلك غاية الأسف، وراح ما صنعه في البارد، فكان كما قال الشاعر في المعنى وأجاد:
أنفقت كنز مدائحي في ثغره … وجمعت فيه كل معنى شارد
وطلبت منه جزاء ذلك قبلة … فأبى، وراح تغزلي في البارد