فيها توجه الملك الأشرف خليل إلى نحو البحيرة على سبيل التنزه، فخرج من القاهرة في ثالث المحرم، فلما وصل هناك ضرب خيامه في مكان يعرف بالحمامات - وهو غربي تروجه - فأقام هناك مدة.
ثم أنه قصد أن يتوجه إلى ثغر الاسكندرية، فأرسل صاحب شمس الدين ابن السعلوس إلى ثغر الاسكندرية ليجهز الاقامات لأجل قدوم السلطان. فلما دخل ابن السعلوس الاسكندرية، وجد غلمان الأمير بيدرا النائب بثغر الاسكندرية وقد استولوا على بهار الأمير بيدرا وأدخلوه في الحواصل - وكان أعظم من بهار السلطان - فحصل بين ابن السعلوس وبين الأمير بيدرا تشاجر، فأرسل ابن السعلوس يكاتب السلطان بما جرى من غلمان بيدرا وما رأى عنده من البهار وما قاله غلمان بيدرا، وزاد على كل كلمة عشرا، وأغلظ في القول … فلما سمع السلطان ما في مكاتبة ابن السعلوس، غضب على الأمير بيدرا أشد الغضب، وأضمر له العطب، فكان كما قال القائل:
[ ١ / ١٥٧ ]
يا ناقلا إليّ قول حاسدي … لا ينبغي نقل الذي لا ينبغي
لا تؤذني في حجة النصح فما … أسمعني السوء سوى مبلغي
ثم ان السلطان أرسل خلف الأمير بيدرا وقت الظهر. فلما حضر بين يديه وبخه بالكلام، وقصد القبض عليه وتوعده بكل سوء، فتلطف به الأمير بيدرا في الكلام حتى خرج من بين يديه، فاجتمع بالأمراء من خشداشينه واتفق رأيهم على الوثوب على السلطان.
ثم أن السلطان قصد أن يتصيد ويخلو بنفسه، فأعطى الأمراء والعسكر دستورا بأن يتوجهوا إلى القاهرة إلى حين يعود السلطان، فمضى الأمراء والعسكر إلى القاهرة، ولم يبق مع الملك الأشرف سوى بعض مماليك جمدارية. فلما كان يوم السبت خامس المحرم ركب السلطان وانفرد وحده - وليس معه سوى أمير شكار شهاب الدين بن الأشل - فلما بلغ ذلك الأمير بيدرا رجع من أثناء الطريق وقال هذا وقت انتهاز الفرصة … قيل في الأمثال:
وانتهز الفرصة أن الفرصة … تصير إن لم تنتهزها غصة
وان رأيت النصر قد لاح لكا … فلا تقصر واحترز أن تهلكا
فأرسل الأمير بيدرا خلف خشداشينه - وهم الأمير قراسنقر، والأمير لاجين، والأمير بهادر، والأمير آق سنقر، وجماعة من الخاصكية - فشدوا في أوساطهم تراكيش وسيوفا، وركبوا خيولهم، ثم ساقوا خلف السلطان، فوجدوه منفردا وحده وليس معه سوى أمير شكار وبعض مماليك جمدارية … فلما رآهم السلطان قاصدينه - وكانوا نحو عشرة من الأمراء - أحس بالشر، وظهر له منهم الغدر. فلما أن وصلوا إليه عاجلوه بالحسام قبل الكلام. فكان أول من ابتدأه بالحسام الأمير بيدرا نائب السلطنة، فضربه بالسيف على يده، فصاح عليه الأمير لاجين وقال له: "ويلك! الذي يريد أن يتسلطن يضرب هذه الضربة؟ ".
ثم ضربه الأمير لاجين على كتفه ضربة فوقع إلى الأرض … فجاء الأمير بهادر، رأس نوبة النواب، ونزل عن فرسه، وأدخل السيف في دبر السلطان وأخرجه من حلقه، وصار
[ ١ / ١٥٨ ]
كل واحد من الأمراء يظهر ما كان في نفسه من السلطان، ثم تركوه ميتا في المكان الذي قتل فيه، ثم ردوه إلى الوطاق.
وتشاوروا فيمن يولونه السلطنة، فوقع رأيهم على أن يولوا الأمير بيدرا نائب السلطنة، فحلف له الأمراء، ثم قبلوا له الارض ولقبوه بالملك الأمجد، وقيل بالملك الرحيم. ثم فكوا الوطاق وتوجهوا إلى القاهرة، فأركبوا الأمير بيدرا تحت العصايب السلطانية، ثم شرعوا في مسك جماعة من الأمراء. منهم الأمير بيسري، والأمير بكتمر السلحدار، وغير ذلك من الأمراء.
فلما وصل هذا الخبر إلى الأمراء الذين كانوا بالقاهرة، ركبوا خيولهم على حمية سائر الأمراء والمماليك السلطانية، فلما عدوا من الجيزة ووصلوا إلى الطرانة تلاقوا هم وبيدرا هناك، فوقع بينهم على الطرانة واقعة عظيمة، فانكسر بيدرا، وسار يتسحب من كان معه من المماليك ويجيء عند الأمير كتبغا. وكان بيدرا قد جمع معه من عربان الجيزة جماعة كثيرة، فلما رأوا بيدرا قد انكسر رجعوا إلى البحيرة مطرودين.
وكان بيدرا لما انكسر توجه نحو الجبل فتبعه جماعة من المماليك السلطانية، فقبضوا عليه، وأتوا به عند الأمير كتبغا، فلما رآه مماليك الأشرف قطعوه قطعا بالسيف، وشقوا بطنه، وأخرجوا كبده، وصار كل واحد منهم يقطع منه قطعة ويأكل منها، ثم حزوا رأسه وحملوها على رمح، وقصدوا التوجه إلى القاهرة فطافوا برأس بيدرا في المدينة ثم علقوها على باب بيته. فلما رأى من كان مع بيدرا من المماليك والأمراء أنه قتل، هربوا واختفوا.
ثم أن الأمير سنجر الشجاعي نادى النواتية من شاطئ البحر بأن لا أحد من النواتية يعدي بمملوك من عسكر بيدرا، ولا بأحد من حاشيته … هذا ما كان من أمر الأمير بيدرا.
وأما ما كان من أمر الأشرف خليل بعد قتله، فانه أقام بعد قتله ثلاثة أيام لم يدفن، وهو مطروح في البرية، وقد أكلته الذئاب حتى قال فيه الشاعر هذا المعنى:
ألم تر أن الليث حقا تناهشت … ذئاب الفلا منه ذراعا وساعدا
ثم أن والي تروجة، أيدمر الفخري، حمل الأشرف خليلا على جمل وأتى به إلى القاهرة، فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه في مدرسته التي بالقرب من مزار السيدة نفيسة ﵂.
[ ١ / ١٥٩ ]
وكان الملك الأشرف حسن الوجه، أبيض اللون، مستدير اللحية، ضخم الجسد، كبير الوجه، شديد البأس، مهيبا في أعين الناس، كفؤا للسلطنة، عارفا بالمملكة. وكان بطلا شجاعا مقداما على القتال، لا يكل من الحروب ليلا ولا نهارا، وكان مسعودا في حركاته، ولو طال عمره لكان يفتح غالب بلاد العراق … ولا يعرف في أبناء الملوك من يناظره في العزم والشجاعة والاقدام، وعلى هذا قد اتفق أرباب التواريخ في ترجمته.
وكان يميل إلى شرب الراح وإلى السماع الطيب، وكان كثير الانهماك على اللذات، وكان عنده معرفة بصنعة الإنشاء والتوقيع، وكان يتعاظم حتى كان يكتب في علامته على المراسيم والمربعات حرف الخاء فقط، إشارة إلى الحرف الأول من اسمه. ومنع الموقعين أن يكتبوا لأحد من الأمراء والنواب "الزعيمي"، وكان يقول: "من زعيم الجيوش غيري؟ ".
قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، كاتب السر الشريف، قبل موته: "ما رأيت ولا سمعت بأحسن من فهم الملك الأشرف خليل. ولقد كنت أحضر بالمراسيم للعلامة، فما علّم على مرسوم قط إلا وقرأه جميعه، وفهم ما فيه، بل كان يخرج علينا أشياء كثيرة من صنعة التوقيع ونرى فيها الصواب منه".
ولكنه كان من مساويه أنه نفى الملك العادل سلامش وأخاه سيدي خضر - وهما أولاد الظاهر بيبرس البندقداري - كانا في الكرك، فنفاهما الأشرف خليل إلى القسطنطينية، وقد تخيل من اقامتهما في الكرك، فأرسل الأمير عز الدين أيبك الموصلي فأخذهما من الكرك وأمهما معهما، وتوجه بهما إلى ثغر الإسكندرية، ثم أرسلهما من البحر المالح إلى القسطنطينية، فلما وصلا إلى هناك أكرمهما الأشكري صاحب القسطنطينية، وأحسن إليهما، ورتب لهما ما يكفيهما من النفقة في كل يوم.
وأما سلامش فأدركته المنية هناك فمات، فلما مات صبرته أمه في تابوت إلى أن اتفق عودها إلى القاهرة فحملته معها وهو ميت، فدفنوه بالقرافة. ومات سلامش وله من العمر نحو اثنتين وعشرين سنة.
وأما سيدي خضر فانه عاد إلى مصر كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
ومن مساوي الأشرف خليل أنه خنق سبعة من الأمراء المقدمين في ليلة واحدة كما تقدم. وكان سفاكا للدماء، قتل خلقا كثيرا من الأمراء وغيرهم.
ومن مساويه أيضا أنه كان يسمع الكلام في حق الناس بالباطل من وزيره ابن السعلوس، وكان ذلك سببا لزوال ملكه. ولكن كان عنده العدل في حق الرعية، ويقضي
[ ١ / ١٦٠ ]
بالحق على الأمراء المقدمين للسوقة، ولا يراعي في ذلك أحدا. وكان منقادا للشريعة ويحب العلماء، وكان إذا ظهر له الحق لا يوالس عليه، وفيه يقول بعض الشعراء:
يا أيها الملك الذي سطواته … حلمت بها الأعداء في يقظاتها
ملك تفر له الملوك بأنه … إنسان أعينها وعين حياتها
شتت شمل المال بعد وفوره … وجمعت شمل الناس بعد شتاتها
وكانت قتلة الأشرف خليل يوم السبت بعد العصر خامس عشر المحرم سنة ثلاث وتسعين وستمائة. ومات وله من العمر ثلاثون سنة، وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية ثلاث سنين وشهرين وخمسة أيام.
وأما فتوحاته التي افتتحها في أيامه من المدن فهي مدينة عكا وصيدا وبيروت وعثليث وبهنسا وقلعة الروم ومرعش وتل حمدون وصور.
وأما ما أنشأه من العمارات فهي قاعة الأشرفية التي بقلعة الجبل، والمدرسة التي بالقرب من مزار السيدة نفيسة ﵂، وله غير ذلك من الآثار.
وقيل بلغت عدة المماليك السلطانية في أيامه اثنى عشر ألف مملوك.
وتوفي في أيامه أبو جلنك الحلبي الشاعر، وكان شاعرا ماهرا وله شعر جيد. ومما وقع له أنه دخل حلب ودمشق فامتدح القاضي كمال الدين ابن الزملكاني الشافعي بقصيدة سينية وجلس على الباب ينتظر الجائزة، فأرسل له القاضي رقعة بأن يصرف له رطلان من الخبز، فغضب أبو جلنك ومضى … ثم بعد مدة دخل أبو جلنك إلى بستان من منتزهات دمشق فأقام فيه يومه، ثم سأل عن ذلك البستان فقيل له أن البستان لقاضي القضاة كمال الدين ابن الزملكاني المشار إليه، فكتب أبو جلنك الحلبي على بعض حيطان ذلك البستان هذين البيتين:
لله بستان حللنا دوحه … في جنة قد فتحت أبوابها
والبان تحسبه سنانيرا رأت … قاضي القضاة فنفشت أذنابها
فهجا القاضي بأحسن عبارة وألطف إشارة.
[ ١ / ١٦١ ]
ولما قتل الأشرف خليل، وجرى للأمير بيدرا ما جرى، وقع رأى الأمراء على سلطنة محمد ابن قلاون أخي الأشرف خليل فسلطنوه ولقبوه بالملك الناصر، وكان القائم في ذلك الأمير كتبغا.