فيها جاءت الأخبار بأن الفرنج جاءوا إلى ثغر دمياط في مائتي مركب، واستولوا على مدينة دمياط وملكوها. فعند ذلك اضطربت أحوال الديار المصرية، ونادى الملك الكامل في القاهرة بأن النفير عام … فاجتمع من العساكر نحو عشرين ألف مقاتل، فعند ذلك خرج الملك الكامل من القاهرة ومعه تلك العساكر فتوجه إلى دمياط، ونزل قبالة طلخا على رأس بحر أشموم، واجتمع هناك السواد الأعظم من الخلائق، وصار الملك يحاصر الفرنج في دمياط، وقد حصن الفرنج سور دمياط، وجعلوا الجامع الكبير كنيسة. فلما دام الحصار بينهم وقع الغلاء بين عسكر السلطان الكامل حتى عدمت الأقوات وبلغ الرغيف الخبز ثقله فضة، وبيعت بيضة الدجاجة بدينار، وصار السكر في مقام الياقوت الأحمر … فكانت الخيول والبهائم تأكل من أوراق الشجر في مدة هذه المحاصرة. وكانت المحاصرة في ثغر دمياط ستة عشر شهرا واثنين وعشرين يوما. وقد أسرف الافرنج في القتل والنهب والأسر.
وسير الملك الكامل السعاة إلى سائر البلاد يستحث الناس إلى الحضور لأجل دفع الفرنج عن الديار المصرية. قيل كان في مدة هذه المحاصرة يمشي في ركاب الملك الكامل شخص يسمى شمايل - وكان من جملة الجندارية - فكان يسبح في البحر تحت الليل، ويأتي الملك الكامل بأخبار الفرنج، فحظي بذلك عند الملك الكامل. فلما انتصر على الافرنج ولى شمايل المذكور القاهرة، وصار مقربا عنده، وإليه تنسب خزانة شمايل، وهي عبارة عن سجن يحبس فيه أصحاب الجرائم.
ولما طال حصار الملك الكامل على دمياط أنشأ هناك قرية وسماها "المنصورة"، وبنى بها الأسواق والفنادق والحمامات، ولا زالت تتزايد في العمارة إلى الآن.
[ ١ / ٩٧ ]
ثم ان الملك المظفر محمود - صاحب حماه - حضر في عسكر كثيف عند الملك الكامل ليعاونه به على دفع العدو، فاجتمع هناك من العساكر نحو أربعين ألف مقاتل، فجرى بينهم من القتال ما يطول شرحه عن هذا المختصر. فلما طال الأمر على الأفرنج أيقنوا بالهلاك، وأرسلوا يطلبون من الملك الكامل الأمان على أنهم يتركون دمياط ويرحلون عنها إلى بلادهم، فاتفق الحال على أن كلا من الفريقين يعطي رهائن من أقاربه، وعلى أن كلا من المسلمين يطلق من عنده من الأسارى، وعلى أن الأفرنج يطلقون من عندهم من الأسرى من أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب
فحلف الملك الكامل والافرنج على ذلك، ووقع الصلح على ذلك. فأرسل ملك الافرنج عشرين ملكا من عنده رهنا إلى الملك الكامل، وأرسل الملك ابنه الأمير نجم الدين مع جماعة من الأمراء إلى ملك الافرنج … فعند ذلك سلم الافرنج مدينة دمياط إلى المسلمين، وأطلقوا من كان عندهم من الأسرى من أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف. وكذلك أطلق الملك الكامل من كان عنده من الافرنج الأسرى.
قيل لما سلم الفرنج مدينة دمياط إلى المسلمين، جاء عقيب ذلك إلى الافرنج نجدة من البحر نحو مائتي مركب، وكان من جميل صنع الله تأخرها إلى حين تسلم المسلمون دمياط، لأنها لو جاءت قبل ذلك لتقووا بها من المسلمين، وأبوا عن الصلح، فلما تسلم الملك الكامل مدينة دمياط كان يوم دخوله إليها يوما مشهودا لم يسمع بمثله، وعمت البشائر سائر الآفاق، وكانت مدة استيلاء الفرنج على ثغر دمياط سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يوما، والملك الكامل معهم في جهاد ليلا ونهارا، لا يكل من الحروب في هذه المدة. وكانت هذه النصرة في سنة تسع عشرة وستمائة.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي إن في مدة المحاصرة حضر إلى الملك الكامل أخواه - وهما الملك المعظم عيسى صاحب دمشق والملك الأشرف موسى شاه أرمن صاحب حلب وماردين - فلما حصلت هذه النصرة أحضر الملك أخويه واجتمعوا في القصر الذي أنشأه الملك الكامل في المنصورة، وكان مبتدأ عمارة المنصورة في سنة عشرين وستمائة، فلما اجتمعوا في القصر أحضروا سفرة الشراب بعد أن مد لهم سماط عظيم هناك. فلما جلسوا إلى المنادمة بعد ما قاسوا من الافرنج أهوالا عظيمة كما قيل في المعنى:
فيوم علينا ويوم لنا … ويوم نساء ويوم نسر
أحضر الملك الأشرف موسى جارية تغني على عود، فحركت العود وأنشدت تقول:
ولما طغى فرعون عكا بسحره … وجاء ليسعى بالفساد إلى الأرض
[ ١ / ٩٨ ]
أتى نحوه موسى وفي يده العصا … فأغرقهم في اليم بعضا على بعض
فطرب الملك الأشرف موسى لذلك فشق على أخيه الملك الكامل محمد هذا المعنى، وأسرها في نفسه، ثم أنه أرسل خلف الراجح الحلى الشاعر وأمره بأن يجيب عن ذلك المعنى بشيء - والراجح الحلى هذا أقدم من الصفى الحلى - وقد قال ابن نباتة في معنى ذلك هذين البيتين:
يا سائلي عن رتبة الحلى في … نظم القريض رواضيا بي أحكم
للشعر حليان ذلك راجح … ذهب الزمان به، وهذا قيم
ثم ان الراجح الحلى نظم هذين البيتين ودفعهما إلى الملك الكامل، فأمر الملك الكامل بإحضار جارية تضرب بالعود، فحضرت في اليوم الثاني وأخذت العود وغنت عليه بهذه الأبيات:
أيا أهل دين الكفر قوموا لتنظروا … لما قد جرى في عصرنا وتجددا
الا أن موسى قد أتانا وقومه … وعيسى جميعا ينصرون محمدا
فلما سمع الملك ذلك طرب له، وأمر لكل جارية بخمسمائة دينار، وأجاز الراجح الحلى بجائزة سنية.
ثم ان الملك الكامل دخل إلى القاهرة في موكب عظيم ومعه أخواه الملك الأشرف موسى والملك المعظم عيسى، فأقاموا في القاهرة مدة يسيرة وتوجها إلى بلادهما.
ثم ان الملك الكامل أخذ في أسباب بناء مدرسته الكاملية التي بين القصرين، وكانت تسمى دار الحديث، قيل لما ان حفروا أساس هذه المدرسة وجدوا هناك صنما كبيرا من ذهب، فأمر الملك الكامل بأن يسبك ذلك الصنم وينفق على بناء هذه المدرسة، فبنيت من وجه حل.
وهو الذي أنشأ هذه القبة العظيمة على ضريح الامام الشافعي ﵁، وبنى المجراة من بركة الحبش إلى تربة الإمام الشافعي ﵁ تجري بالماء في أيام النيل وهي باقية إلى الآن. وبنى الحوض على الطريق السالكة عند تربة الإمام الشافي ﵁. ولما ماتت أم الكامل دفنت عند الإمام الشافعي داخل القبة.
[ ١ / ٩٩ ]
وتوفي في أيامه القاضي كمال الدين ابن النبيه، وكان شاعرا ماهرا وله شعر جيد، وهو الذي مدح بني أيوب بقوله من قصيدة:
دمتم بني أيوب في نعمة … تجوز في التخليد حد الزمان
والله لا زلتم ملوك الورى … شرقا وغربا وعلى الضمان
وكان الملك الكامل سعيد الحركات في أفعاله، كثير الجهاد والغزوات والفتوحات.
وفي سنة اثنتين وثلاثين وستمائة في ثاني جمادي الأولى توفي الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض رحمة الله عليه، ودفن بالقرافة الصغرى تحت العارض بالجبل المقطم.
وكان مولده بالقاهرة في رابع ذي القعدة سنة سبع وسبعين وخمسمائة، فكانت مدة حياته أربعا وخمسين سنة وستة أشهر وأياما، ولما مات دفن تحت رجلي شيخه الشيخ محمد البقال رحمة الله عليه، وكان أصله من حماة، وإنما سمى بابن الفارض لأن والده الشيخ شمس الدين كان من كبار أهل العلم، وقد انفرد في علم الفرائض، فسمى لذلك الفارض.
وكان الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض ﵁ فريد عصره في علم التصوف، وكان له نظم فائق في معاني الغراميات لم يسبق إليه. وقد عاصر من العلماء الشيخ أبا القاسم المنفلوطي، والشيخ صفي الدين ابن أبي المنضور، والشيخ شمس الدين الأيكى شيخ خانقاه سعيد السعداء، والشيخ سعد الدين الحارثي الحنبلي المحدث، والقاضي أمين الدين بن الرقاقي، والشيخ جمال الدين الأسيوطي، والشيخ شهاب الدين السهروردي ﵁، والشيخ برهان الدين الجعبري، والقاضي شمس الدين بن خلكان، والشيخ شهاب الدين بن الخيمي، وكان له نظم لطيف، وكان يطارح به ابن الفارض - والشيخ نجم الدين بن اسرائيل … وغير ذلك جماعة كثيرة من العلماء والصوفية، ولم ينكر عليه أحد منهم في حالاته ولا نظمه، وكانوا معه في غاية الأدب.
ومما وقع للشيخ شرف الدين عمر بن الفارض أنه كان مقيما بجامع الأزهر، فأراد يوما أن يتوجه إلى جامع عمرو بن العاص الذي في مصر العتيقة، فأحضروا إلى الشيخ مكاريا ليركبه إلى جامع عمرو، فقال أصحاب الشيخ للمكاري: "كم لك من هنا إلى جامع عمرو؟ ". فقال المكاري: "خلوا الشيخ يركب معي على الفتوح". فقال الشيخ: "نعم نركب معك على الفتوح". فركب معه الشيخ وتوجه إلى جامع عمرو، فلما كان في أثناء الطريق لقي الشيخ بعض أعيان الناس فترجل له عن فرسه فسلم عليه ثم أرسل إلى الشيخ مائة دينار مع غلامه، فقال الشيخ: "ادفعوا هذه المائة إلى المكاري، فانا ركبنا معه على
[ ١ / ١٠٠ ]
الفتوح". فدفعوا المائة دينار إلى المكاري، فبعث إليه بمائة دينار أخرى غير المائة الأولى، فقال الشيخ: "ادفعوا إلى المكاري، فانا ركبنا معه على الفتوح". فلما وصل الشيخ إلى جامع عمرو نزل عن الحمار وصار يعتذر إلى المكاري في التقصير، وقال: "لو دخل إلينا أكثر من ذلك لدفعناه إليك".
ثم ان الملك الكامل قصد التوجه إلى دمشق لتفقد الأحوال، فخرج من القاهرة وتوجه إلى دمشق، فلما دخلها أقام بها مدة ثم مرض ومات هناك ودفن بدمشق. وكانت وفاته في العشرين من رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة، فكانت مدة سلطنته بمصر نحوا من عشرين سنة.
ولما مات تولى من بعده ابنه العادل أبو بكر.