فيها توجه السلطان إلى القصر الكبير، وكان صائما، وكان ذلك يوما شديد الحر فجلس في القصر إلى وقت الفطور وهو يلعب بالشطرنج، وكان عنده القاضي حسام الدين الرازي الحنفي، وامامه محب الدين ابن العسان، وشيخ العرب يزيد. فلما جلس في القصر إلى وقت المغرب بلغ ذلك جماعة من المماليك الأشرفية - وكان في قلبهم من السلطان لاجين شيء لأنه كان من جملة من تواطأ على قتل أستاذهم الملك الأشرف خليل - فقالوا هذه ليلة الفرصة، فاتفقوا مع جماعة من المماليك البرجية بأن يهجموا على السلطان بعد العشاء وهو في القصر.
وكانت تلك الليلة نوبة شخص من السلحدارية يقال له نوغان الكرماني، فاتفق معه شخص يقال له كرجي - وهو مقدم المماليك البرجية - على أن يدخل المماليك، ويهجموا عليه بعد العشاء ويقتلوه. فلما دخل وقت المغرب أفطر السلطان في القصر واستمر يلعب في القصر إلى وقت العشاء، فتقدم كرجي مقدم المماليك البرجية إلى الشمعة ليصلها، فرمى الفوطة على النمجاة والسلطان منكب على الشطرنج وهو لا يدري ما خبئ له في الغيب، فالتفت إليه السلطان وقال له: "غلقت أبواب الأطباق على المماليك البرجية؟ " فقال له: "نعم". فشكره وأثنى عليه.
وكان المماليك البرجية واقفين بالسيوف في دهليز القصر، فلما فات وقت العشاء تقدم كرجي إلى السلطان وقال له: "يا خجم، أما تصلي العشاء؟ " فقال له السلطان: "نعم". وقام ليصلي العشاء فضربه كرجي بالسيف على كتفه فهدله، فقام السلطان ليأخذ النمجاة فلم يجدها، فقبض على كرجي ورماه إلى الأرض فجاء إليه نوغان الكرماني وأخذ النمجاة وضرب بها السلطان على رجله ضربة قوية فقطعها، فصاح عليه القاضي حسام الدين الرازي: "ويلكم! كيف تقتلون استاذكم؟ ". فانقلب على ظهره السلطان ووقع إلى الأرض ميتا، فتركوه مكانه ومضوا وأغلقوا عليه باب القصر، وتركوا عنده الإمام والقاضي حسام الدين الرازي.
[ ١ / ١٧٢ ]
ثم أن كرجي توجه تحت الليل إلى الأمير منكوتمر النائب - وكان ساكنا بدار النيابة بالقلعة - فدق عليه الباب وقال له: "إن السلطان يدعوك". فأنكر ذلك، وقال لكرجي: "لعلك قتلت السلطان". فقال له كرجي: "نعم قتلناه وجئنا إليك نقتلك يا نحس". وكان بين كرجي وبين الأمير منكرتمر حظ نفس من قديم الزمان.
ثم ان كرجي أحرق الباب ودخل على منكوتمر وقبض عليه وتوجه به إلى الجب الذي بالقلعة فحبسه به، وكان بالجب جماعة من الأمراء مسجونون، وكان منكوتمر سببا لسجنهم كما تقدم. فلما رأوا منكوتمر دخل عليهم قتلوه شر قتلة … هذا كله جرى في القلعة تحت الليل وأهل المدينة لم يشعروا بشيء من ذلك، فلما طلع النهار شاعت الأخبار في المدينة بما جرى.
ثم أن الزمام شرع في تجهيز السلطان، فغسل وكفن ونزل من القلعة في تابوت هو والأمير منكوتمر ودفنا بالقرافة الصغرى، ولم تنتطح في ذلك شاتان، فكانت مدة سلطنة الملك المنصور حسام الدين لاجين بالديار المصرية إلى أن قتل سنتين وشهرين وأياما، وكانت قتلته في ليلة الجمعة عاشر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وستمائة. ومات وله من العمر نحو ثلاث وستين سنة.
وكان رجلا طويل القامة، أشقر اللون واللحية، أزرق العينين، مهيب الشكل، وكان موصوفا بالفروسية، شجاعا بطلا، وكان دينا خيرا أبطل في أيامه من المكوس التي كانت بالديار المصرية أشياء كثيرة، ولم يكن من سيئاته سوى مملوكه منكوتمر هو الذي كان يرمي الفتن بينه وبين الأمراء، وهو الذي كان يحدث في القاهرة أبواب الظلم، حتى يجلب لأستاذه الدعاء من كل أحد من الناس، حتى كرهوه وتمنوا زواله وعود الملك الناصر محمد بن قلاون إلى الديار المصرية.
وفي أثناء قتلة السلطان لاجين حضر إلى القاهرة الأمير بكتاش أمير سلاح، وكان مسافرا مع طائفة من العسكر إلى البلاد الشامية، فلما أن حضر نزل إليه كرجي ونوغان اللذان قتلا السلطان لاجين فقبض عليهما وقتلهما شر قتلة، وكان بين قتلهما وقتل السلطان لاجين ليلة واحدة.
ثم أن الأمراء اجتمعوا في القلعة وضربوا مشورة فيمن يولونه سلطانا فوقع الاتفاق منهم على عود الملك الناصر محمد بن قلاون من الكرك، فأرسلوا إليه نجابا إلى الكرك بالحضور فأبطأ عليهم وأقامت مصر بلا سلطان أحدا وأربعين يوما حتى حضر الملك الناصر من الكرك وعاد على الملك.
[ ١ / ١٧٣ ]