فيها جاءت الأخبار بأن ريدا فرنيسي، ملك الافرنج (^١)، أتى إلى ثغر دمياط في مائتي مركب مشحونة بالرجال، غير من أتى في البر من المقاتلين. وكان ريدا فرنسيس هذا قد استولى على غالب بلاد الأندلس وسبى أهلها، وقتل من المسلمين ما لا يحصى عددهم،
_________________
(١) - هو لويس التاسع ملك فرنسا.
[ ١ / ١٠٣ ]
ونهب أموالهم. وكانت طائفة هذه الافرنج غير الطائفة التي جاءت في أيام الملك الكامل محمد كما تقدم ذكر ذلك.
فلما تحقق الملك الصالح ذلك أمر باشهار انتداء في مصر والقاهرة بأن النفير عام، ولا يتأخر صغير ولا كبير، فان العدو قد استولى على البلاد، ووصلت بوادره للمنصورة
فاضطربت أحوال الديار المصرية، وماجت بأهلها.
ثم أن الملك الافرنج ريدا فرنسيس لما أحاط بغثر دمياط أرسل كتابا إلى نائب دمياط يهدده فيه ويحذره، وذكر له ما جرى على أهل الأندلس من القتل والسبى. فلما سمع أهل دمياط بذلك هربوا تحت الليل. فلما أصبح الافرنج وجدوا أبواب المدينة مفتحة وليس فيها أحد من الناس، فظن الافرنج أن ذلك مكيدة من المسلمين، فتمهلوا حتى ظهر لهم أن ما في المدينة أحد من المسلمين، فدخلوا من غير مانع وملكوها.
فلما سمع الملك الصالح بذلك نادى في مصر والقاهرة بالرحيل، فخرج الناس قاطبة وسائر الأمراء، وخرج الملك الصالح في محفة، فانه كان مريضا على غير استواء. فلما وصل إلى نحو المنصورة نزل بها، وأمر بجمع العربان من سائر النواحي، فاجتمع من العالم ما لا يحصى.
ثم ان الملك الصالح أحضر نائب دمياط وشنقه وشنق معه نحو خمسين أميرا بسبب خروجهم من دمياط بغير اذن من السلطان، فعز ذلك على الأمراء وقصدوا أن يقتلوا الملك الصالح هناك فأشار بعض الامراء بعدم ذلك، وقال هذا غير صواب … فصار القتال بين المسلمين والافرنج: كل فرقة تقتل من الأخرى، وأسر جماعة كثيرة. هذا والسلطان كل يوم يتزايد في المرض حتى أيست منه الأطباء.
فلما كانت ليلة الأحد رابع عشر شعبان سنة سبع وأربعين وستمائة (١٢٤٩ م) توفي الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد.
فلما مات الملك الصالح بالمنصورة كتم موته خوفا من الافرنج أن يطمعوا في أخذ البلاد من أيدي المسلمين، فحمل السلطان بعد أن مات في زورق تحت الليل وجاء به إلى قلعة الروضة فدفن بها. وقيل نقل بعد ذلك إلى مقام الإمام الشافعي ﵁ ودفن عند أقاربه داخل القبة، فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية نحو تسع سنين وسبعة أشهر وأحد عشر يوما.
ولم يشعر أحد من الناس بموته، فكانت المراسيم تخرج كل يوم بعلامة السلطان فلا يشك من يراها أنها بخط السلطان الصالح، وكانت الأمراء تجتمع في الموكب ويظهرون أن السلطان مريض، وكانت الأطباء تدخل على جارى العادة في كل يوم، وكان طبق
[ ١ / ١٠٤ ]
المزاور يدخل في كل يوم ويخرج على جاري العادى، والمراسيم في كل يوم رائحة من المنصورة إلى القاهرة في الاشتغال، ولم يعلم أحد بموت الصالح في القاهرة … وكان القائم بتدبير هذه الأمور الأمير حسام الدين لاجين، والأمير فارس الدين اقطاى في هذه المدة، حتى حضر توران شاه ابن الملك الصالح.
وكان توران شاه في حصن كيفا، فلما سلسل الملك الصالح في المرض أرسلوا خلف ابنه توران شاه من حصن كيفا، فأبطأ عليهم حتى مات أبوه. فلما حضر إلى المنصورة - وقد جاء في عسكر عظيم من الأكراد من عساكر حصن كيفا - أشيع موت الملك الصالح، وتسلطن ابنه توران شاه عوضه.