فيها توقف النيل عن الزيادة قبل الوفاء، وثبت على اثنى عشر ذراعا وإصبع واحد، ثم هبط ولم يزد بعد ذلك شيئا من الأصابع فاضطربت أحوال الديار المصرية، وأكلت الناس بعضها بعضا. واستمر النيل على ذلك ثلاث سنين متوالية، ولم يزد غير عشرة أذرع ثم يهبط، فوقع القحط بالديار المصرية وعدمت الأقوات في سائر أعمال مصر، فصار الناس من شدة الجوع يأكلون القطط والكلاب والحمير والبغال والخيل والجمال حتى ما بقي بمصر دابة، فصار الناس إذا قوى أحدهم على صاحبه يذبحه بيده ويأكله، وصار الرجل يذبح ابن جاره ويأكله، ولا ينكر ذلك عليه، ويذبح ولده بيده ويأكله من شدة الجوع
[ ١ / ٩٣ ]
وهذا كله بعد أن فرغت الكلاب والقطط والوحوش والطيور. وقد تناهي سعر القمح في السنة الثالثة إلى مائة دينار كل أردب … ولا يوجد.
ثم جاء عقيب ذلك فناء عظيم حتى مات من أهل مصر نحو الثلثين.
قال أبو شامة المؤرخ إن الملك العادل أبا بكر ابن أيوب كفن من ماله في مدة يسيرة ممن مات من الغرباء نحو مائتين وعشرين ألف إنسان، غير من مات من أهل المدينة فلم يحص لهم عدد حتى قيل كان النيل إذا طلع لم يجد من يزرع الأراضي، فكانت الترك تخرج بنفسها يحرثون ويزرعون بأيديهم، ويبذرون في الأرض الغلال لعدم وجود الفلاحين.
وقيل فقد من الأطباء في تلك السنة جماعة كثيرة … يدعونهم إلى المريض فإذا حصلوا عندهم في الدار يذبحونهم ويأكلونهم. وكذلك النساء الغواسل … يدعونهن إلى الأموات فيذبحونهن ويأكلونهن، حتى قيل إن رجلا استدعى بطبيب فلما مضى معه الطبيب جعل ذلك الرجل يكثر من ذكر الله تعالى بطول الطريق، فسكن روع ذلك الطبيب بعد ما كان على وجل، فلما وصلا إلى الدار فإذا هي دار خربة، فارتاع ذلك الطبيب فخرج إليه رجل من الخربة وقال للرجل الذي جاء بالطبيب: "وهل مع هذا البطء العظيم جئت إلينا بصيد؟ ". .. فلما سمع الطبيب ذلك ولى هاربا، وما خلص إلا بعد جهد عظيم.
واستمر الأمر على ذلك مدة ثم سكن الحال، وتراجع الأمر قليلا قليلا، وظهرت الغلال، وانحط سعر القمح حتى صار مرميا لا يجد من يشتريه، وتراجع سعر كل شيء، وانصلح الوقت وطاب، ورجع الماء إلى مجاريه فكان كما قيل في المعنى:
إذا ما رماك الدهر يوما بنكبة … فهيئ لها صبرا وأوسع لها صدرا
فإن تصاريف الزمان كثيرة … فيوما ترى عسرا ويوما ترى يسرا
ثم ان الملك العادل استمر في السلطنة بمصر حتى خرج إلى نحو الشام لتفقد الأحوال، فمرض هناك ومات ودفن بدمشق، فكانت وفاته في جمادي الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة، وكانت مدة سلطنته بمصر ثماني عشرة سنة وتسعة أشهر.
وكان العادل هذا رجلا طويلا جسيما، مدور الوجه، شرها في الأكل، يأكل الخروف وحده وكان يحب من يأكل معه مثل أكله.
ولما مات الملك العادل خلف من الأولاد ثلاثة، وهم:
الملك محمد الكامل، فاستمر بعد أبيه العادل على مملكة الديار المصرية.
[ ١ / ٩٤ ]
وابنه الملك المعظم عيسى، فاستقر بعد أبيه العادل على مملكة البلاد الشامية.
وابنة الملك الأشرف موسى شاه أرمن، فاستقر بعد أبيه على مملكة البلاد الحلبية.
وكان موسى شاه أرمن هذا بديع الحسن والجمال، وهو ممدوح القاضي كمال الدين بن النبيه في جميع قصائده حيث يقول من قصيدة:
يا طالب الرزق ان سدت مذاهبه … قل يا أبا الفتح يا موسى وقد فتحت
وقال في ختم زجل:
والشفق أحمر وأصفر رايات شاه أرمن … ذا ملك بحال جمالو ما خلق وليس يخلق
وفي أيام العادل أبي بكر توفي مؤيد الدين - صاحب لامية العجم - الطغرائي. وكان شاعرا ماهرا، وله شعر جيد. وكان كاتب الملك مسعود صاحب حماه. فلما كانت الواقعة بين الملك مسعود وبين أخيه الملك محمود شاه، انكسر الملك مسعود وولى هاربا، فكان أول من أسر من جماعة الملك مسعود مؤيد الدين الطغرائي. فلما مثل بين يدي الملك محمود شاه - وكان بينه وبين الطغرائي عداوة بسبب مملوكه فريد الحسن - أمر بقتل الطغرائي على يد ذلك المملوك الذي كان يهواه، فرمى عليه بالنشاب فقتله. وقيل عفا عنه ومات الطغرائي عقيب ذلك من الرجفة.