فيها كان خليفة الوقت الإمام أحمد الحاكم بأمر الله، وسلطان العصر الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاون، وقاضي القضاة من الشافعية شيخ الإسلام تقي الدين ابن دقيق العيد.
وأما الأمراء أرباب الوظائف: فالأمير سلار المنصور نائب السلطنة، والأمير بيبرس الجاشنكير أنابك العساكر المنصورة، والأمير بيبرس المنصوري دوادار كبير، والأمير سنقر الأعسر وزير، والأمير لاجين استادار والأمير عز الدين أيدمر نقيب الجيوش المنصورة، والأمير أقوش الشمس حاجب الحجاب، والأمير ناصر الدين ابن الشيخ واليا بالقاهرة. وبقية الأمراء لم نذكرهم هنا خوف الاطالة ولكن سيأتي ذكرهم في مواضعه.
وأما أرباب الوظائف من المتعممين، فالقاضي محيي الدين ابن فضل الله كاتب السر الشريف، والقاضي بهاء الدين بن الحلي ناظر الجيوش المنصورة، والقاضي كريم الدين بن السديد ناظر الخواص الشريفة.
وكان شاعر الوقت يومئذ الشيخ صدر الدين ابن الوكيل، كان من فحول الشعراء وله شعر جيد، فمن شعره ونظمه الرقيق قوله من قصيدة خمرية:
عناصر أربع في الكأس قد جمعت … وفوقها الفلك السيار والشهب
ماء ونار هواء أرضها قدح … وطوقها فلك والأنجم الحبب
وان أقطب وجها حين تبسم لي … فعند بسط الموالي يحفظ الأدب
وفي أثناء هذه السنة جاءت الأخبار بحركة التتار وقد وصل أوائلهم إلى الفرات، فجمع السلطان الأمراء، وضربوا مشورة في ذلك الخبر، فقال السلطان للأمراء: "أنتم تعلمون أني رجعت مكسورا من التتار تلك المرة، ونهب جميع بركي، وذهبت الأموال … والآن لم يبق في بيت المال لا دينار ولا درهم، فمن أين أنفق على العسكر؟ ".
[ ١ / ١٧٨ ]
فاتفق رأى الأمراء على أن يوزعوا النفقة على المباشرين وأعيان التجار ومساتير الناس، ثم ندبوا إلى ذلك الأمير سنقرا الأعسر وزير الديار المصرية فشرع في استخراج الأموال من الناس، فتحصل من ذلك فوق مائتي ألف دينار. ثم أن السلطان أنفق على العسكر وخرج من القاهرة قاصدا نحو البلاد الشامية. فلما أن وصل إلى غزة جاءت الأخبار من حلب بأن نائب حلب كسر التتار كسرة قوية، ورجعوا إلى بلادهم هاربين.
فلما بلغ السلطان رجع إلى القاهرة من غزة، وكان سبب رجوعه … قيل إن العسكر تغلبوا عليه هناك وقصدوا منه نفقة ثانية من قلة التبن والشعير، فانه كان لا يوجد.
ثم أن السلطان عين من الأمراء بكتمر السلحدار وجماعة من الأمراء بأن يتوجهوا من غزة إلى حلب ويقيموا بها إلى أن يظهر ما يكون من أمر التتار. ثم أن السلطان رجع إلى القاهرة، ودخل في موكب عظيم، وطلع إلى القلعة، وانقضى ذلك الأمر.