فيها دخل السلطان إلى حلب، فتوعك جسده وأخذته الحمى وسلسل في المرض، فأسقاه الحكماء دواء مسهلا، فأفرط في الاسهال وثقل في المرض، فرحل من حلب وقصد الدخول إلى دمشق، فمات في بعض ضياع دمشق. فلما مات كتم موته عن العسكر، وحمل في محفة إلى أن دخل دمشق فدفن هناك ليلا، وكان موته في يوم الخميس ثامن عشرى شهر الله المحرم سنة ست وسبعين وستمائة. ومات وله من العمر نحو ستين سنة.
[ ١ / ١٣٦ ]
وكان ملكا عظيما جليلا مهيبا، كثير الغزوات، خفيف الركاب، يحب السفر والحركة في الشتاء والصيف. وكان مشهورا بالفروسية في الحرب، وله اقدام وعزم وقت القتال، وله ثبات عند التقاء الجيوش في الحرب، وكان يلقب بأبي الفتوحات لكثرة الفتوحات في أيامه، وكان له موكب بمصر وموكب بالشام كما تقدم ذلك عند خيل البريد. وكان رنكه سبع … إشارة لشجاعته وقوة بأسه. وكان كريما سخيا على الرعية، باسط اليد، يفرق الغنائم التي تحصل من الفتوحات على الرعية حتى يرغبهم في القتال وقت الحرب. وكان محبا لجمع الأموال، كثير المصادرات للرعية لأجل الغزوات والتجاريد، وينفق ذلك على العسكر. وكان مهيب الشكل، حسن الوجه، طويل القامة، مستدير اللحية، الغالب في لحيته البياض. وكان مبجلا في موكبه، كفؤا للسلطنة، منقادا للشريعة، يحب العلماء والصالحين، ويحب فعل الخير، وله بر ومعروف وآثار، ولا سيما رده الخلافة لبني العباس بعدما كادت أن تنقطع عنهم، فردها لهم كما تقدم ذلك. وقد أنفق على ذلك جملة مال حتى صارت الخلافة بمصر.
وكان خيار ملوك الترك بمصر وفي ذلك أقول:
تاريخه في الملوك أضحى … يحير العرب والأعاجم
فاكتبه بالتبر لا بحبر … وانسب لأفعاله العظائم
اختاره الله من أمام … لقمع أهل الفساد صارم
قد أظهر العدل في الرعايا … وأبطل الجور والمظالم
له بقلب الملوك رعب … أغنى عن السمر والصوارم
فالله يرحمه كل حين … ما دام هذا الوجود قائم
قيل لما توفي الملك الظاهر بيبرس كتم الأمير بيليك، نائب السلطنة، موته خوفا من التتار لئلا يرجعوا إلى البلاد، ثم احتاط على خزائن المال والبرك السلطاني، وقصد التوجه إلى الديار المصرية، فكانت المحفة تمشي في الموكب وقدامها الجنائب وهو يظهر أن السلطان مريض. ورتب حضور الأطباء على العادة، فكان لا أحد يجسر أن يقرب إلى
[ ١ / ١٣٧ ]
المحفة. واستمر الأمر على ذلك حتى دخل إلى مصر القاهرة، وطلع قلعة الجبل … فعند ذلك أشيع موت السلطان وتسلطن ولده الملك السعيد.
وقد رثاه القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر كاتب السر الشريف بهذه الأبيات:
الله أكبر، انها لمصيبة … منها الرواسي، خيفة، تتقلقل
لهفي على الملك الذي كانت به الدن … يا تطيب … فكل قفر منزل!
الظاهر السلطان من كانت له … منن على كل الورى وتطول
لهفي على آرائه تلك التي … مثل السهام إلى المصالح ترسل
ما للرمال تخولتها رعدة … لكنها، اذ ليس تعقل، تعقل
لهفي على تلك العزائم كيف قد … غفلت … وكانت قبل ذا لا تغفل
سهم أصاب وما رمى من قبله … سهم له في كل قلب مقتل
أنا ان بكيت دما فعذرى واضح … ولئن صبرت فإنني أتمثل
خلف الشهيد لنا السعيد فأدمع … منهلة في أوجه تتهلل
وكانت مدة سلطنة الملك الظاهر بيبرس بالديار المصرية والبلاد الشامية سبع عشرة سنة وشهرين ونصف شهر.
ولما مات خلف من الأولاد عشرة: ثلاثة ذكور، وهم الملك السعيد محمد، والملك العادل سلامش، وسيدي خضر ولكنه لم يتسلطن. وخلف من البنات سبعا. وأما فتوحاته التي افتتحها في أيامه فهي قيسارية وأرسوف وصفد وطبريا ويافا والشقيف وانطاكية وبغراس والقصير وحسن الأكراد والقرين وحصن عكا وصافيثا والمرقبة وحلب وبانياس وطرسوس، وكانت هذه البلاد بأيدي الافرنج.
[ ١ / ١٣٨ ]
وأما ما فتحه من بلاد الشرق فهي مدينة سيس، أخذها بالأمان، ودركوش وتلميش وكفر دنين ورعيان ومرزبان وكينوك وأدنة والمصيصة.
وأما الذي صار إليه من بلاد المسلمين فهي دمشق وبعلبك وقلعة الصيبة وقلعة شيزر وعجلون وبصري وصرخد والصلت وحمص وتدمر والرحبة وتل باشر وصهيون وقلعة الكهف والقدموس والخوابي والكرك والشوبك وبيت المقدس ومدينة الخليل ﵇.
وأما ما افتتحه من بلاد السودان فهي النوبة وأعمالها، وافتتح قلعة العميدين من أعمال برقة، وافتتح عدة جزائر من أعلى الجنادل.
وأما ما أنشأه من العمائر في البلاد فهو ما جدده في الحرم الشريف النبوي، وجدد عمارة قبة الصخرة ببيت المقدس، وزاد في أوقاف الخليل ﵇.
وأما ما أنشأه بالديار المصرية وأعمالها، فمن ذلك قناطر شبر امنت بالجيزة، وعمر سور مدينة الاسكندرية، وجدد بناء المنار الذي بها، وعمر منارا بثغر رشيد، وردم فم بحر دمياط بالقرابيص حتى لا تدخل اليه مراكب الافرنج، وعمر الشواني وأعادها إلى ما كانت عليه بالصناعة، وحفر بحر أشموم طناح، وعمر القلاع التي ببلاد الشرق التي كان هلاكو ملك التتار قد أخربها، وعمر مدرسة بدمشق.
وأما ما أنشأه في القاهرة من العمائر فهي المدرسة التي بين القصرين بجانب المدرسة الصالحية، وعمر الجامع الكبير الذي في زقاق الصالحية، وعمر الجامع الكبير الذي في زقاق الكحل خارج الحسينية وأنفق عليه جملة مال من وجه حل من الغنائم التي كانت تفتح عليه من بلاد الافرنج وغيرها من البلاد - وكان هذا الجامع ساحة يلعب فيها المماليك القبق - وجدد عمارة الجامع الأزهر، وأعاد فيه الخطبة بعد ما أقام وهو خراب من أيام الحاكم بأمر الله، وعمر القصر الأبلق بدمشق، وعمر خانا بالقدس الشريف، وجدد حفر خليج الاسكندرية وباشر حفره بنفسه، وأنشأ ضيعة على فم وادي العباسية وسماها الظاهرية.
وأخبار الملك بيبرس كثيرة في عدة مجلدات، ولكن الذي ذكرناه هنا من أخباره هو الصحيح. وغالب أخباره فيها الزيادة والنقصان وهي موضوعة.
ومن انشائه بالديار المصرية القناطر التي على بحر أبي المنجى شعيا، ومن انشائه قناطر السباع التي بالقرب من ميدان الجبل، ومن انشائه البرج الكبير الذي بقلعة الجبل عند ظريب التبر.
قال الشيخ شمس الدين بن الوردي في ذلك: الملك الظاهر أخباره تشنف الراحل والقاطن تأملوا آثاره وانظروا ما فعل الظاهر بالباطن.
[ ١ / ١٣٩ ]
وأما من توفي في أيامه من أيان العلماء فهم: شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ﵁ من أكابر علماء الشافعية، وكان يلقب في أيامه بسلطان العلماء، وكانت له كرامات خارقة، ودفن بالقرافة الصغرى، وتوفي الإمام أبو شامة وكان من كبار العلماء، وتوفي قاضي القضاة الشافعي ابن بنت الأعز، وتوفي الشيخ أبو الحسن ابن بنت الأعز، وتوفي الشيخ مجد الدين ابن دقيق العيد والد الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، وتوفي القرطبي صاحب التذكرة، وتوفي الشيخ ناصر الدين الطوسي، وتوفي اللورقي وكان من كبار العلماء، وتوفي غير هؤلاء من العلماء والأعيان جماعة كثيرة.