فيها جاءت الأخبار بأن شخصا من ذرية بني العباس يقال له الإمام أحمد أيضا قد وصل إلى الديار المصرية، فلما بلغ ذلك الملك الظاهر بيبرس خرج إلى تلقيه، فلاقاه من الريدانية، وصعد به إلى القلعة وأنزله بالبرج الكبير الذي بالقلعة، وكان هذا الإمام أحمد الثاني مستخفيا عند جماعة من العرب في قرية من أعمال بغداد، فسبقه الإمام أحمد ابن الخليفة الظاهر إلى مصر. فلما قتل الإمام أحمد حضر إلى مصر، فعقد له الملك الظاهر مجلسا ثانيا، وجمع فيه القضاة، وفعل به كما فعل أولا. وكان قد حضر معه الأمير عيسى بن مهنا وجماعة كثيرة من العربان، فشهدوا بين يدي قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز بأن هذا الإمام أحمد هو ابن علي، بن أبي بكر، ابن الخليفة المسترشد، ابن الخليفة المستظهر، ابن الخليفة المقتدى، ابن محمد الذخيرة العباسي الهاشمي … فثبت ذلك على يد قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز، وحكم بصحة ذلك.
ثم أن القضاة بايعوا الإمام أحمد بالخلافة ولقبوه بالحاكم بأمر الله، وثبت نسبه، وتولى في ذلك المجلس الخلافة.
ثم أن الإمام أحمد بايع الملك الظاهر بالسلطنة ثانيا، وبايع أعيان الدولة على قدر طبقاتهم، ثم أمر السلطان بأن يخطب باسم الخليفة واسمه على منابر مصر وأعمالها،
[ ١ / ١٢٥ ]
وينقش على الدنانير والدراهم اسماهما، وأن يقدم اسم الخليفة في الدعاء يوم الجمعة على المنابر قبل اسمه.
ثم أنه أسكن الإمام أحمد في مناظر الكبش التي أنشأها الأمير أحمد بن طولون، وكانت مناظر الكبش مطلة على بحر النيل. ورتب له ما يكفيه في كل يوم هو وعياله، وأمره بأن يصعد إلى القلعة في أول كل شهر ويهني السلطان بالشهر … فهو أول خلفاء بني العباس بمصر، فهذا كان سبب نقل الخلافة من بغداد إلى مصر على يد الملك الظاهر بيبرس، وهذا من جملة فضائله.
وقد ورد في بعض الأخبار أن الخلافة لا تزال في بني العباس حتى نزل عيسى بن مريم ﵇ فتنقطع بعد ذلك، قال بعض الشعراء في حق الملك الظاهر بيبرس:
يا أسد الترك، ويا ركنهم … ويا آخذ الثأر بعد المخافه
كسرت الطغاة، جبرت العفاة … قطعت الفرات، وصلت الخلافة
ثم ان الملك الظاهر - لما استقرت الخلافة بمصر - جعل لكل مذهب من المذاهب قاضيا كبيرا وتحت يده نواب، وكان قبل ذلك في الدول المتقدمة قاض فرد كبير شافعي.
وفكان يولي من تحت يده نوابا من المذاهب الثلاثة. وآخر من كان يفعل ذلك قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز الشافعي، فأبطل ذلك الملك الظاهر بيبرس، وقرر لكل مذهب قاضيا كبيرا ويولي من تحت يده نوابا، فهو أول من قرر القضاة أربعة، وجعل لمصر نوابا وحدها، وللقاهرة نوابا وحدها، وكان ذلك في أواخر سنة ستين وستمائة.