قال صاعد الغوثي في كتاب طبقات الأمم:" ليس في بلد أعجوبة الا وفي مصر مثلها … أو أعجب منها"
وقيل ان بمصر من الأنواع ثلاثين نوعا لا توجد في الدنيا:
فمنها معدن الزمرد والذبابي، ولا يوجد في الدنيا إلا بها، قيل يوجد في نواحي البهنسا.
ومنها معدن الشب والملح، ولا يوجد إلا بها.
ومنها الأبنوس الأسود ولا يوجد إلا بها.
ومنها مقاطع الرخام الملون الفستقي والسماقي والداروري وغيره من أنواع الرخام.
ومنها الأفيون وهو عصارة ماء الخشخاش، ومنافعه لا تنكر.
وبها دهن البيلسان، ولا يوجد إلا بها في أرض المطرية، وهو الذي تتعالى ملوك النصارى في ثمنه ولهم فيه اعتقاد عظيم.
وبها السمك الرعاد، ونفعه للحمى إذا علق على المحموم بري.
وبها الحيات التي يعمل منها الدرياق ومنافعها لا تنكر.
وفيها الاسقنقور ومنافعه لا تنكر.
وبها الحطب الصنط الذي هو سريع الاشتعال بطيء الخمود.
وبها القمح اليوسفي.
وبها دهن السلجم.
وبها معامل التنانير التي يعمل بها البيض ويوقد عليها بالنار فتحاكى نار الطبيعة في حضانة الدجاجة فيخرج منها الفراريج وهي من أعظم مأكول مصر، ولا يعمل هذا في بلد غير مصر.
وبها النارنج والأترنج المدور، قيل أنه حمل من أرض الهند وزرع بمصر بعد سنة ثلثمائة من الهجرة ولم يكن بمصر قبل ذلك.
[ ١ / ١٣ ]
وكان بها نوع يقال له البنج وهو مثل اللوز الأخضر، وكان من محاسن مصر ولكن انقطع منها في سنة سبعمائة من الهجرة.
وكان بها الماسكة ومنافعها لا تنكر.
وبها الخوخ الزهري الأحمر ولا يوجد إلا بها.
وبها العسل النحل المصري وهو أطيب من غيره من الأشربة وله فضيلة دون غيره.
وبها نتاج الخيل والبغال والحمير تفوق على غيرها من البلاد.
وبها الطرز الأسيوطية وكانت لا توجد إلا بها.
وبها الثياب الديبقية، كانت تعمل بمدينة تنيس، يبلغ ثمن الثوب منها مائة دينار.
وبها جلال الخيل والبراقع والطنافس لا تعمل إلا بها.
وبها المقاطع الشرب لا تعمل إلا بدمياط، ولها خاصية دون غيرها.
وبها العرس والنمس، ولهما فضيلة لا تنكر في أكل الثعابين حتى قيل: لولا العرس والنمس لما سكنت مصر.
وبها البطيخ الصيفي، ومنافعه لا تنكر. قيل نقلت زريعته إلى مصر من بلاد الهند في أيام القبط.
وبها الرخام المرمر، ومنافعه لا تنكر.
وبها القرط الذي تربط عليه الخيول في زمن الربيع.
وبها الكتان، ومنافعه لا تنكر.
وبها الخيار شنبر، ومنافعه لا تنكر.
ومن أجل منافعها ماء النيل المبارك وسرعة هضمه للأكل. قال بعض الحكماء،" لولا ماء الليمون على أهل مصر لوخموا من حلاوة ماء النيل".
وبها ماء العوسج، ومنافعه لا تنكر.
ومن فضائل مصر أن الرخامة الخضراء الفستقية التي في الحجر عند الكعبة أصلها من مصر، بعثها إلى مكة محمد بن طريف، مولى العباس بن محمد، في سنة إحدى وأربعين ومائتين من الهجرة، وبعث معها رخامة أخرى فستقية وضعت على سطح الكعبة عند الميزاب. وقبل طولهما ذراع بالعمل وثلاث أصابع، وعرضهما مثل ذلك. ذكره الفاكهي في تاريخ مكة.
قال المسعودي:" إن كل قرية من قرى مصر تصلح أن تكون مدينة على انفرادها".
وقد قال الله تعالى في حق قرى مصر:" ﴿وَاِبْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ".
[ ١ / ١٤ ]
قال القضاعي:" لم يكن في الأرض ملك أعظم من ملك مصر. ولو ضرب بينها وبين سائر قرى الدنيا سور لاستغنى أهلها بما فيها عن سائر البلاد. ولو زرعت كلها لوفت بخراج الدنيا بأسرها".
وهي أكثر البلاد كنوزا وعجائب وأنهارا، ولا سيما ما في بلاد السعيد من البرابي، وما أودعت من العلوم والحكم والطلسمات وغير ذلك.
قيل سئل بعض الحكماء:" متى تطيب أرض مصر؟ ". قال:" إذا اعتدل هواها، وارتفع وباها، وطاب مرعاها".
وقال بعض الحكماء:" إذا بلغت زيادة النيل ثمانية عشر ذراعا وهبط، كانت العاقبة في ذلك حدوث وباء بالديار المصرية في تلك السنة".
قال كعب الأخبار ﵁:" من أراد أن ينظر إلى شبه جنة الفردوس فلينظر إلى أرض مصر ". قيل قبل طلوع الشمس في زمن ربيعها، إذا اطردت أنهارها، وغردت أطيارها، وأينعت أزهارها.
وقد قال القائل في المعنى:
ما مثل مصر في زمان ربيعها … لصفاء ماء واعتلال نسيم
أقسمت ما تحوى البلاد نظيرها … لما نظرت إلى جمال وسيم
ووصف بعض الحكماء أرض مصر فقال:" ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء، وثلاثة أشهر مسكة سوداء، وثلاثة أشهر زمردة خضراء، وثلاثة أشهر كهرمة صفراء". ..
فان أرض مصر في شهر أبيب ومسرى وتوت يركبها الماء فتصير الأرض بيضاء من افتراش الماء عليها، وتصير ضياعها مثل الكواكب في السماء فلا يصل إليها أهلها إلا في الزوارق.
وأما المسكة السوداء فإن أرض مصر في شهر يابه وهاتور وكيهك ينصرف عنها الماء فتصير مثل المسكة السوداء.
وأما الزمردة الخضراء فتان أرض مصر في شهر طوبة وأمشير وبرمهات يكثر فيها الزرع فتصير الأرض خضراء مثل الزمردة.
وأما الكهرمة الصفراء فان أرض مصر في شهر برمودة وبشنس وبؤنة يدرك فيها الزرع ويحصد فتصير مثل السبيكة الذهب الصفراء.
وقد قيل في المعنى:
[ ١ / ١٥ ]
كل وقت بمصر أمر عجيب … نحن منه في السعد كالأغنياء
ذهب حيثما ذهبنا، ودر … حيث درنا، وفضة في الفضاء
ومن محاسن مصر … قال القضاعي:" إن مصر يوجد بها في كل شهر من الشهور القبطية نوع من المأكولات والمشمومات. فيقال رطب توت، ورمان بابه، وموز هاتور، وسمك كيهك، وماء طوبه، ورميس أمشير، ولبن برمهات، وورد برمودة، ونبق بشنس، وتين بؤنة، وعسل أبيب، وعنب مسرى".
ومن محاسن مصر أيضا السبع زهرات التي تجتمع في وقت واحد في أواخر فصل الشتاء، ولم يكن هذا ببلد غيرها، وهي: النرجس، والبنفسج، والبان، والورد النصيبي، والزهر (وهو زهر النارنج)، والياسمين، والورد الجوري، ويعرف أيضا بالقحاني، وهو آخر هذه السبع زهرات التي تجتمع في وقت واحد.
أما النسرين - وان كان من اعظم الزهور رائحة - فانه غير معدود في جملة الزهور السبع التي تجتمع في وقت واحد، لأنه يأتي في آخر أيام الورد … فلا يلحق النرجس ولا يلحق البنفسج، فلم يكن معدودا في جملة هذه السبع زهرات التي تجتمع في وقت واحد لأجل تأخره عن بقية الأزهار، وقد نظمتها في هذا المقطوع وهو قولي في المعنى:
يا طيب وقت بمصر فيه قد جمعت … سبع من الزهر تحويها البساتين
بنفسج نرجس زهر وبان لنا … ورد نصيبي وجوري وياسمين
وقيل ان الذي ينقطع من الفواكه والأزهار في سائر البلاد في زمن الشتاء يوجد بمصر
*****
من محاسنها أن أهل مصر لا يحتاجون في زمن الشتاء إلى التدفئ بالنار كما تعانيه أهل الشام، ولا في زمن الصيف إلى أن يدخلوا تحت الخيش من شدة الحر كما تعانيه أهل مكة.
قال أبو الصلت:" أهل مصر خصوا بالأفراح فيها دون غيرهم من جميع الأمم".
وقيل ان أهل مصر لا يهتمون بأمر الزاد كما هي عادة غيرهم من الأمم، كانما حوسبوا وفرغوا من الحساب.
[ ١ / ١٦ ]
وكان بمصر من الفلاسفة والحكماء القدماء: هرمس وبقراط وجاليوس والينوس وفيداغورس، ولما ماتوا دفنوا بمصر. وكان بها من الحكماء في دولة الإسلام الرئيس علاء الدين بن نفيس صاحب كتاب الموجز، والرئيس أبو علي بن سينا.
ومما تفتخر به مصر على سائر البلاد أن سلطانها خادم الحرمين الشريفين وله الميزة على سائر ملوك الأرض كما قال القائل:
إذا البلاد افتخرت لم تزل … مصر لها عز وتفضيل
وكيف لا تفخر مصر وفي … أرجائها السلطان والنيل
[ ١ / ١٧ ]