مقدمة
إن تأريخ التاريخ من الأمور الشائكة، وتنسيقها وتقديمها للقارئين، أمر في غاية الصّعوبة، لما فيه من أحداث متتابعة، فتكثر فيها المراجع، وتتشعب الاتجاهات وتختلف وجهات النظر اختلافا كبيرا، فيغدو الصبر وسيلة أولى يلجأ إليها المؤلف، وهو يقدّم لوطنه وأمته ما يبعث على الاعتزاز والفخر، ويأخذ التوفيق حيّزا كبيرا في توخي الدّقة دون إثارة النعرات والخلافات، فالمنطق عكس صورة واضحة المعالم على أمة من الأمم وحقبة معينة من التاريخ، خاصة إن كانت هذه الحقبة من أهم الحقبات والقطر من أهم الأقطار، عندها يصعب العمل أكثر مما يحمله الناس من ثقافة وفكر وما مرّ على هذا القطر من حوادث وتغيرات.
كانت مصر أقدم البلاد العربيّة، وأغناها ثقافة، وأوسعها فكرا، ومعناها الجدار أو الحائط أو الحد أو المعبد، تقع في الزاوية الشمالية الشرقية من قارة أفريقيا، ويتميز تاريخها بصفات أربع أساسية هي القدم، والاستمرارية، والوحدة، والسلطة المركزية كما يشير مجموعة من المؤرخين.
يرجع تاريخ مصر الموحدة إلى عام ٤٢٤٠ ق. م، وكانت عاصمتها هليوبوليس، مكان عين شمس الحالية، وانقسمت مصر بعد زمن إلى وجهين الوجه البحري في الشمال، والوجه القبلي في الجنوب.
وليها الفراعنة منذ أكثر من خمسة آلاف سنة. كما هو مبين من المنحوتات الصخرية على جدار المقابر الأثرية.
[ ١ / ٥ ]
تعتبر مصر متقدمة في حضارتها السابقة خاصّة الفرعونية منها على غير من الأمم والشعوب، فبنيت الأهرامات الّتي حافظت على أسرارها متحدية إنسان اليوم في كشف أغوارها، ناهيك عن التحنيط الذي ما زال السر الأعظم دون أن نتطرق إلى أبحاثهم المتقدمة في الرياضيات والعلوم الهندسية، والفلكية والطبية، ولو قدّر لهذه الحضارة الاستمرار فأين كان يمكن أن تصل؟
وهكذا استمرت مصر تقدم للعالم نموذجا عن حضارة بائدة، طمر الزمن الكثير الكثير منها، حتّى أن بعض المؤرخين يقدمون فرضية خيالية، بأن الأرض زارها سكان كواكب أخرى، وتسببت هذه الزيارات بنشوء حضارات سابقة، اختفت نتيجة عوامل طبيعية كالبراكين والتغيرات المناخية على سطح الأرض، وذهبوا أبعد من ذلك فاعتبروا أن الهرم الأكبر "خوفو" كان نوعا من أنواع جهاز الإرسال اللاسلكي وقد اقامه زوار الأرض للاتصال مع العالم الذي أتوا منه، وأن القدماء عرفوا الكهرباء، واستخدموها في اتصالاتهم ومن أصحاب هذه الفرضية روبرت بوفال وغراهام هانكوك في كتاب "حافظ السلالات" وقد ظهر في بريطانيا عام ١٩٩٦ م. وروبرت شوك.
وتغيرت العصور، فمن العصر الإسلامي إلى الفاطمي إلى الأيوبي والعثماني، اختلفت القيادات، لكن مصر بقيت قوية متّقدة تنير على العالم العربي، ويقصدها الغربيون لاكتشاف أغوارها، فكانت محط رحال العلماء والقادة والملوك.
وفيها ولد النبي موسى ﵇ وهارون ﵇، ويوشع بن نون ودخلها عيسى ابن مريم وابراهيم الخليل ويعقوب ويوسف والأسباط، ولقمان ﵈ ودفن فيها جماعة كبيرة من العلماء.
وسكنها سحرة فرعون، وبهذا تكون مصر قد جمعت النقائض وعلى أرضها بنيت أعظم حضارة في التاريخ.
بدائع الزهور في وقائع الزهور كتاب دخل في الحياة اليومية في مصر وبيّن حدودها ومساحتها الجغرافية، وقد اعتنى عناية خاصة بما ورد في حقّها في آيات عظيمة، وأحاديث نبوية شريفة، وردت على لسان أكثر من نبيّ ورسول، وما خصّت به دون غيرها من البلاد في شبه الجزيرة العربيّة من فضائل ومحاسن وعجائب، وما ذكره الشعراء في حقّها وصفا ومدحا.
[ ١ / ٦ ]
وقد تعامل المؤلف مع هذه البلاد بدقّة وتفصيل تخال نفسك فيه أنك أمام لحظات مصر فتعيش الأيام والأشهر والسنين، تخبر ملوكها وأمراءها وقادتها وأهلها، دون أن يغادر صغيرة أو كبيرة منها. ابتدأها من عهد الأمويين وختمها سنة ثمان وعشرين وتسعمائة هجرية أي سنة ١٥٢٢ م.
الجدير ذكره ان بدائع الزهور كان بديعا في صنعه وسبله، وحبكته فاعتبر بحق زهرة فواحة في حقل التاريخ الإسلامي، وتاريخ مصر بالتحديد. والله من وراء القصد.
الناشر
[ ١ / ٧ ]