قال أبو عيسى: المنقول عن أصحاب السير من اليونان، أن اليونان نجموا من رجل اسمه اللن ولد سنة أربع وسبعين لمولد موسى النبي ﵇، وكان أميرس الشاعر اليوناني موجودًا، في سنة ثمان وستين وخمسمائة لوفاة موسى ﵇، وهو تاريخ ظهور أمة اليونان واشتهارهم، ولم يُعلموا قبل ذلك.
قال: وكانوا أهل شعر وفصاحة، ثم صارت فيهم الفلسفة في زمان بخت نصر. قال: وهذا منقول من كتاب كوولبس الذي رد فيه على لليان الذي ناقض الإنجيل، أقول وقد نقل الشهرستاني أن أبيدقليس كان في زمن داود النبي ﵇، وكذلك فيثاغورس كان في زمن سليمان بن داود ﵇، وأخذ الحكمة من معدن النبوة، وكانت وفاة سليمان بن داود لمضي خمسمائة وثلاث وسبعين سنة من وفاة موسى، وكان أبيدقليس وفيثاغورس فيلسوفين مشهورين من اليونانيين، فقول أبي عيسى إِن الفلسفة إِنما ظهرت من اليونان في زمن بخت نصر، غير مطابق لما نقله الشهرستاني فإِن بخت نصر بعد سليمان بأكثر من أربعمائة سنة.
ومن كتاب ابن سعيد المغربي: أن بلاد اليونان كانت على الخليج القسطنطيني من شرقيه وغربيه إِلى البحر المحيط، والبحر القسطنطيني هو خليج بين بحر الروم وبحر القرم، واسم بحر القرم في القديم بحر نيطش - بكسر النون وياء مثناة من تحتها ساكنة وطاء مهملة لا أعلم حركتها وشين معجمة - قال: واليونان فرقتان: فرقة يقال لهم الإِغريقيون وهم اليونانيون الأول، والفرقة الثانية يقال لهم اللطينيون.
وقد اختلف في نسب اليونان، فقيل أنهم من ولد يافث، وقيل أنهم من جملة الروم من ولد صوفر بن العيص بن يعقوب بن إِبراهيم الخليل ﵉.
وكانت ملوك اليونان المقدم ذكرهم في الفصل الثالث، من أعظم الملوك، ودولتهم من أفخر الدول، ولم يزالوا كذلك حتى غلبت عليهم الروم، حسبما تقدم في ذكر أغسطس، فدخلت اليونان في الروم ولم يبق لهم ذكر.
قال: وكانت بلادهم في الربع الشمالي الغربي، متوسطها الخليج القسطنطيني، وجميع العلوم العقلية مأخوذة عنهم، مثل العلوم المنطقية والطبيعية والإلهية والرياضية، وكانوا يسمون العلم الرياضي جومطريا، وهو المشتمل على علم الهيئة والهندسة والحساب واللحون والإيقاع وغير فلك، وكان العالم بهذه العلوم يسمى فيلوسوفًا، وتفسيره محب الحكمة، لأن فيلو محب وسوفًا الحكمة.
فمن فلاسفتهم ثاليس الملطي، قال أبو عيسى: كان في زمن بخت نصر ومنهم أبيد قليس وفيثاغورس، اللذين تقدم أنهما كانا في زمن داود وسليمان عليهما
[ ١ / ٨٤ ]
السلام، وفيثاغورس من كبار الحكماء، ويزعم أنه سمع حفيف الفلك، وصل إِلى مقام الملك. وقال: ما سمعت شيئًا ألذ من حركات الأفلاك، ولا رأيت شيئًا أبهى من صورتها.
ومنهم أبقراط الحكيم الطبيب المشهور، ونجم في سنة مائة وست تسعين لبخت نصر، فيكون أبقراط قبل الهجرة بألف ومائة وبضع وسبعين سنة.
ومنهم سقراط، قال الشهرستاني في الملل والنحل: إِنه كان حكيمًا فاضلًا زاهدًا، واشتغل بالرياضة، وأعرض عن ملاذ الدنيا، واعتزل إِلى الجبل وأقام في غار، ونهى الناس عن الشرك وعبادة الأوثان فثارت عليه العامة، والجأوا ملكهم إِلى قتله فحبسه ثم سقاه سمًّا فمات.
ومنهم أفلاطون الإِلهي، وكان تلميذًا لسقراط المذكور، ولما اغتيل سقراط السم، قام أفلاطون مقامه وجلس على كرسيه.
ومنهم أرسطوطاليس وكان تلميذًا لأفلاطون، وكان أرسطو المذكور في زمن الإسكندر، وبين الإِسكندر والهجرة تسعمائة وأربع وثلاثون سنة، فيكون أفلاطون قبل ذلك بمدة يسيرة، وكذلك يكون سقراط قبل أفلاطون بمدة يسيرة أيضًا، فبالتقريب يكون بين سقراط والهجرة نحو ألف سنة، ويكون بين أفلاطون والهجرة أقل من ألفي سنة.
ومنهم طيماوس وهو من مشايخ أفلاطون، وأما أرسطوطاليس فهو المقدم المشهور، والحكيم المطلق. قال الشهرستاني: ولما صار عمر أرسطو المذكور سبع عشر سنة أسلمه أبوه إِلى أفلاطون فمكث عنده نيفًا وعشرين سنة، ثم صار حكيمًا مبرزًا يعتمد عليه.
ومن جملة تلامذة أرسطو الملك الإسكندر، الذي ملك غالب المعمور، من الغرب إِلى الشرق، وأقام الإسكندر يتعلم على أرسطو خمس سنين، وبلغ فيها أحسن المبالغ، ونال من الفلسفة ما لم ينل سائر تلاميذ أرسطو، ولما لحق أباه فيلبس مرض الموت، أخذ ابنه الإسكندر من أرسطو وعهده إِليه بالملك.
ومنهم يرقلس وكان بعد أرسطو وصنف كتابًا ورد فيه شبهًا في قدم العالم.
ومنهم الإسكندر الأفروديسي وكان بعد أرسطو، وهو من كبار الحكماء.
ومما نقلناه من تاريخ ابن القفطي وزير حلب، في أخبار الحكماء قال: فمنهم طيموخارس وهو حكيم رياضي يوناني، عالم بهيئة الفلك رصد الكواكب في زمانه، وقد ذكره بطلميوس في المجسطي؛ وكان وقته متقدمًا لوقت بطلميوس بأربعمائة وعشرين سنة.
ومنهم فرفوريوس وكان من أهل مدينة صور على البحر الرومي بالشام، وكان بعد زمن جالينوس الذي سنذكره، وكان فرفوريوس المذكور عالمًا بكلام أرسطو، وقد فسر كتبه لمّا شكا إِليه الناس غموضها، وعجزهم عن فهم كلامه.
ومنهم فلوطيس وكان فاضلًا حكيمًا يونانيًا، وشرح كتب أرسطو ونقلت تصانيفه من الرومي إِلى السرياني قال: ولا أَعلم أن شيئًا منها خرج إِلى العربي.
ومنهمٍ فولس الأجانيطي ويعرف بالقوابلي نسبة إِلى القوابل جمع قابلة وكان خبيرًا بطب النساء، كثير المعاناة له، وكان القوابل يأتينه ويسألنه عن الأمور التي تحدث بالنساء عقيب الولادة، فينعم السؤال
[ ١ / ٨٥ ]
لهن ويجيبهن بما يفعلنه، وكان زمنه بعد زمن جالينوس، وكان مقامه بالإسكندرية.
ومنهم لسلون المتعصب، وكان حكيمًا يونانيًا يقرئ فلسفة أفلاطون وينتصر لها، فسمي لذلك بالمتعصب.
ومنهم مقسطراطيس وكان فيلسوفًا يونانيًا شرح كتب أرسطو، وخرجت إلى العربي.
ومنهم منطر الإسكندري وكان إِمامًا في علم الفلك، واجتمع هو وأفطيمن بالإسكندرية، وأحكما آلات الرصد، ورصد الكواكب، وحققاها، وكان زمنهما قبل زمن بطلميوس صاحب المجسطي بنحو خمسمائة وإحدى وسبعين سنة.
ومنهم مورطس ويقال مورسطس، حكيم يوناني له رياضة وحيل، وصنف كتابًا في الآلة المسماة بالأرغن، وهي آلة تسمع على ستين ميلًا.
ومنهم مغلس الحمصي من أهل حمص، وكان من تلامذة أبقراط، وله ذكر في زمانه، وله تصانيف منها كتاب البول وغيره.
ومنهم مثرود يطوس ولم يذكر زمانه، بل قال عنه: إِنه كان طبيبًا وحكيمًا، وهو الذي ركب المعجون المسمى مثرود يطوس، سمّى معجونه باسمه، وكان معتنيًا بتجربة الأدوية، وكان يمتحن قواها في شرار الناس الذين قد وجب عليهم القتل، فمنها ما وجده موافقًا للدغة الرتيلاء ومنها ما وجده موافقًا للدغة العقرب، وكذلك غير ذلك، انتهى كلام ابن القفطي.
وأما بطلميوس وجالينوس فإِن زمانهما متأخر عن زمن اليونان، وكانا في زمن الروم وأحدهما قريب من الآخر، وكان بطلميوس متقدمًا على جالينوس بقليلا. قال ابن الأثير في الكامل وقد أدرك جالينوس زمن بطلميوس، وكان بطلميوس مصنف المجسطي المذكور في زمن أنطونينوس، ومات أنطونينوس في أول سنة اثنتين وستين وأربعمائة لغلبة الإسكندر، وكان بين رصد بطلميوس ورصد المأمون ستمائة وتسعون سنة، وكان رصد المأمون بعد سنة مائتين للهجرة، فيكون بين الهجرة ورصد بطلميوس أربعمائة وتسعون سنة بالتقريب، وكان جالينوس في أيام قوموذوس الملك، وكان موت قوموذوس في سنة أربع وتسعين وأربعمائة للإسكندر، فيكون بين جالينوس والهجرة أكثر من أربعمائة سنة بقليل، وذلك كله بالتقريب.
ومن حكماء اليونان إِقليدس صاحب كتاب الاستقصات المسمى باسمه، قال أبو عيسى: وكان إِقليدس في أيام ملوك اليونان البطالسة، فلم يكن بعد أرسطو ببعيد قال: وليس هو مخترع كتاب إِقليدس، بل هو جامعه ومحرره ومحققه، ولذلك نسب إليه.
ومنهم ابرخس وكان حكيمًا رياضيًا، ورصد الكواكب وحققها، ونقل بطلميوس عنه في المجسطي، وكان بين رصد برخس وبين رصد بطلميوس مائتان وخمس وثمانون سنة فارسية بالتقريب.