فمنها أمة الروم قال أبو عيسى: وهذه الأمة على كثرتها وعظم ملوكها واتساع بلادها، إنما نجمت من بني العيص بن إِسحاق بن إبراهيم الخليل ﵈، وكان أول ظهورهم في سنة ست وسبعين وثلاثمائة لوفاة موسى ﵇، وساروا إلى البلاد المعروفة ببلاد الروم وسكنوها، وحينئذ ابتدأت الروم توجد.
ومن كتاب ابن سعيد المغربي إن الروم يعرفون ببني الأصفر، والأصفر هو روم العيص بن إسحاق على أحد الأقوال من الكامل، وغيره أن الروم كانت تدين بدين الصابئة، ويعبدون أصنامًا على أسماء الكواكب، وما زالت الروم ملوكها ورعيتها كذلك حتى تنصر قسطنطين وحملهم على دين النصارى، فتنصروا عن آخرهم ومن أمم النصارى الأرمن وكانت بلادهم أرمينية، وقاعدة مملكتها خلاط فلما ملكها المسلمون صارت الأرمن رعية فيها، ثم تغلبت الأرمن على الثغور وملكوا من المسلمين طرسوس والمصيصة واستولوا على تلك البلاد التي تعرف اليوم ببلاد سليس، وسليس مدينة، ولها قلعة حصينة، وهي كرسي مملكة الأرمن في زماننا هذا.
ومنها الكرج وبلادهم مجاورة لبلاد خلاط، آخذة إلى الخليج القسطنطيني، وممتدة إلى نحو الشمال، ولهم جبال منيعة، والكرج خلق كثير، وقد عليهم دين النصارى، ولهم قلاع حصينة وبلاد متسعة، وهم في زماننا هذا مصالحون للتتر، وبيت الملك عندهم محفوظ متوارث، يليه الرجال والنساء من ذلك البيت.
ومنها الجركس وهم على بحر نيطش من شرقيه، وهم في شظف من العيش، والغالب عليهم دين النصارى. ومنها الروس ولهم بلاد في شمالي بحر نيطش، وهم من ولد يافث، وقد غلب عليهم دين النصارى.
ومنها البلغار منسوبون إِلى المدينة التي يسكنونها، وهي في شرقي بحر نيطش،
[ ١ / ٩٢ ]
وكان الغالب عليهم النصرانية، ثم أسلم منهم جماعة.
ومنها الألمان وهي من أكبر أمم النصارى، يسكنون في غربي القسطنطينية إلى الشمال، وملكهم كثير الجنود، وهو الذي سار إِلى صلاح الدين بن أيوب في مائة ألف مقاتل، فهلك ملك الألمان المذكور، وغالب عسكره في الطريق قبل أن يصلوا إِلى الشام، على ما سنذكر ذلك إِن شاء الله تعالى مع أخبار صلاح الدين المذكور.
ومنها البرجان وهم أيضًا أمة كبيرة، بل أمم كثيرة طاغية، قد فشا فيها التثليث، وبلادهم واغلة في الشمال، وأخبارهم وسير ملوكهم منقطعة عنا لبعدهم. وجفاء طباعهم. ومنها الإفرنج وهم أمم كثيرة، وأصل قاعدة بلادهم فرنجة، ويقال فرنسه، وهي مجاورة لجزيرة الأندلس من شماليها، ويقال لملكهم الفرنسيس، وهو الذي قصد ديار مصر وأخذ دمياط، ثم أسره المسلمون واستنقذوا دمياط منه، ومنوا عليه بالإِطلاق، وكان ذلك بعيد موت الملك الصالح أيوب بن الملك الكامل محمد ابن أبي بكر بن أيوب، على ما سنذكره في سنة ثمان وأربعين وستمائة للهجرة إِن شاء الله تعالى، وقد غلب الفرنج على معظم جزيرة الأندلس، ولهم في بحر الروم جزائر مشهورة مثل صقلية وقبرس وإقريطش وغيرها.
ومنهم الجنوية، منسوبون إِلى جنوة، وهي مدينة عظيمة، وبلاد كثيرة، وهي غربي القسطنطينية على بحر الروم. ومنها البنادقة، وهم أيضًا طائفة مشهورة، ومدينتهم تسمى البندقية، وهي على خليج يخرج من بحر الروم، يمتد نحو سبعمائة ميل في جهة الشمال والغرب، وهي قريبة من جنوة في البر، وبينهما نحو ثمانية أيام، وأما في البحر فبينهما أمد بعيد أكثر من شهرين، لأنهم يخرجون من شعبة البحر التي على طرفها البندقية، وقدرها سبعمائة ميل إِلى بحر الروم مشرقًا، ثم يسيرون فيه مغربًا إلى جنوة، وأما رومية فهي مدينة عظيمة، تقع غربي جنوة والبندقية، وهي مقر خليفتهم، واسمه البابا، وهي شمالي الأندلس بميلة إلى الشرق. ومن أمم النصارى، الجلالقة وهم أشد من الفرنج، وهم أمة يغلب عليهم الجهل والجفاء، ومن زيهم أنهم لا يغسلون ثيابهم، بل يتركونها عليهم إِلى أن تبلى، ويدخل أحدهم دار الآخر بدون استئذان، وهم كالبهائم، ولهم بلاد كثيرة في شمالي الأندلس، ومنها الباشقرد، وهم أمة كثيرة ما بين بلاد الألمان وبلاد إفرنجة، وملكهم وغالبهم نصارى، وفيه أيضًا مسلمون، وهم شرسو الأخلاق.