يقال لهم الفيشداذية، لأنه كان يقال لكل واحد منهم فيشداذ، ومعنى هذه اللفظة أول سيرة العدل. وعدد الفيشداذية تسعة وهم: أو شهنج، وطمهورث، وجمشيذ، وبيوراسف، وهو الضحاك - وأفريذون بن أثقيان، ومنوجهر، وفراسياب، وزو، وكرشاسف. وهذه الطبقة قديمة، وقد نقل عن مدد ملكهم وحروبهم أمور يأباها العقل، ويمجها السمع فأضربنا عنها لذلك، وذكرنا ما يقرب إلى الذهن صحته. وطبقه ثانية يقال لهم الكيانية: وهم الذين في أول أسمائهم لفظة كي وفي لفظة للتنوية، قيل معناها الروحاني، وقيل: الجبار، وعدد الكيانية تسعة أيضًا وهم: كيقباذ وكيكاؤوس، وكيخسرو، وكيلهراسف، وكيبشتاسف، وكي أزدشير بهمن، وخماني بنت أزدشير بهمن، ودارا الأول، ودارا الثاني وهو الذي قتله الإسكندر، واستولى على ملكه.
وطبقة ثالثة وهم بعض ملوك الطوائف ويقال لهذه الطبقة الإشغانية. وعددهم أحد عشر، وهم أشغا بن أشغان وويقال أشك بن أشكان، وسابور بن أشغان، وجور بن أشغان، وبيرن الأشغاني، وجوذرز الأشغاني، ونرسي الأشغاني، وهرمز الأشغاني، وأرادوان الأشغاني، وخسرو الأشغاني، وبلاش الأشغاني، وأردوان الأصغر الأشغاني.
وطبقة رابعة وهم الأكاسرة، لأن كل واحد منهم كان يقال له كسرى، ويقال لهم أيضًا الساسانية، نسبة إلى جدهم ساسان، وملك منهم عدة من النساء بعد الهجرة، واستولى عليهم غيرهم من الفرس، وكان أولهم أزدشير بن بابك، وآخرهم يزد جرد، الذي قتل في أيام عثمان بن عفان ﵁، على ما سنقف على أخبارهم مفصلا إن شاء الله تعالى.
الطبقة الأولى الفيشداذية من تجارب الأمم وعواقب الهمم لأبي علي أحمد بن مسكويه، قال أوشهنج أول من رتب الملك ونظم الأعمال، ووضع الخراج، ولقبه فيشداذ وتفسيره أول سيرة العدل، وكان ملكه بعد الطوفان بمائتي سنة، كذا ذكر ابن مسكويه. وقال غيره إن أوشهنج ومن ملك بعده إلى الضحاك، كانوا قبل الطوفان، وكذا يقول الفرس ويزعمون أن ملك ملوكهم لم ينقطع، وينكرون الطوفان، ولا يعترفون به.
رجعنا إلى كلام ابن مسكويه قال: وأوشهنج هو الذي بنى مدينتي بابل والسوس، وكان فاضلا محمود السيرة والسياسة، ونزل الهند وتنقل في البلاد، وعقد على رأسه التاج، وجلس على
[ ١ / ٣٩ ]
السرير ثم انقضى ملكه ولم يشتهر بعده غير طهمورث.
وطهمورث من ولد أوشهنج وبينه وبينه عدة آباء، وسلك سيرة جده، وهو أول من كتب بالفارسية، وكان على هيئة الديالم ولباسهم، وهلك ثم ملك بعده جمشيذ - بجيم مفتوحة وميم ساكنة وشين مكسورة منقوطة وياء مثناة من تحتها وذال منقوطة.
وهو أخو طهمورث لأبويه وجم والقمر، وشيذهو الشعاع، أي شعاع القمر وكذلك أيضًا يسمون خورشيد أي شعاع الشمس، لأن خور اسم الشمس، وجمشيذ المذكور ملك الأقاليم السبعة، وسلك السيرة الصالحة المتقدمة، وزاد عليها ورتب الناس على طبقات كالحجاب والكتاب، وأمر أن يلازم كل واحد طبقته ولا يتعداها، وأحدث النيروز وجعله عيدًا يتنعم الناس فيه.
من الكامل لابن الأثير ووضع لكل أمر من الأمور خاتمًا مخصوصًا به، فكتب على خاتم الحرب الرفق والمداراة، وعلى خاتم الخراج العدل والعمارة، وعلى خاتم البريد والرسل الصدق والأمانة، وعلى خاتم المظالم السياسة والانتصاف، وبقيت رسوم تلك الخواتيم حتى محاها الإسلام. انتهى كلام ابن الأثير.
قال ابن مسكويه: ثم إنه بعد ذلك بدل سيرته الصالحة بأن أظهر التكبر والجبروت على وزرائه وقواده، وآثر اللذات، وترك كثيرًا من السياسات التي كان يتولاها بنفسه، وعلم بيوراسب باستيحاش الناس من جمشيذ وتنكر خواصه عليه، فقصده، وهرب جمشيذ وتبعه بيوراسب حتى ظفر به وقتله بأن أشره بمئشار.
ثم ملك بيوراسب وكان يقال له الدهاك، ومعناه عشر آفات، فلما عرب قيل الضحاك، ولما ملك ظهر منه شر شديد، وفجور، وملك الأرض كلها، وسار فيها بالجور والعسف، وبسط يده بالقتل، وسن العشور والمكوس، واتخذ المغنين والملهيين، وكان على منكبيه سلعتان يحركهما إذا شاء، فادعى أنهما حيتان تهويلا على ضعفاء العقول، وكان يسترهما بثيابه، ولما اشتد على الناس جوره، وظلمه، ظهر بأصبهان رجل يقال له كابي، وكان الضحاك قد قتل له ابنين، فأخذ كابي المذكور عصًا، وعلق بطرفها جرابًا ويقال: إنه كان حدادًا، وإن الذي علقه نطع، كان يتوقى به النار، وصاح في الناس ودعاهم إلى مجاهدة بيوراسب، فأجابه خلق كثير واستفحل أمره.
وبقي ذلك العلم معظمًا عند الفرس، ورصعوه بالجواهر، وسموه درفش كابيان، ولما قوي أمر كابي، قصد بيوراسب فهرب منه. وسأل الناس كابي أن يتملك عليهم، فأبى لكونه ليس من بيت الملك، وأمرهم أن يملكوا بعض ولد جمشيذ، وكان أفريذون بن أثفان من أولاد جمشيذ وكان مستخفيًا من الضحاك، فوافى بجماعته إلى كابي، فاستبشر الناس به وولوه الأمر، وصار كابي أحد أعوانه، حتى احتوى أفريذون على منازل بيوراسب وأمواله، وتبعه وأسره بدياوند وقتله.
وكان النبي إبراهيم الخليل ﵇ في أواخر أيام الضحاك، ولذلك زعم قوم أنه نمروذ، وأن نمروذ عامل من عماله، وقد اختلف في الضحاك المذكور اختلافًا كثيرًا، فيزعم كل من الفرس واليونان
[ ١ / ٤٠ ]
والعرب أنه منهم. والفرس يجعلونه قبل الطوفان لأنهم لا يعترفون بالطوفان.
ثم ملك أفريذون بن أثفيان، وهم من ولد جمشيذ قيل إنه التاسع من ولده، وكان إبراهيم الخليل في أول ملك أفريذون، وقد قيل إن أفريذون هو ذو القرنين، المذكور في القرآن ولما ملك أفريذون سار في الناس بأحسن سيرة، ورد جميع ما اغتصبه الضحاك على أصحابه، وكان لأفريذون ثلاثة أولاد، فقسم الأرض بينهم أثلاثًا، أحدهم إيرج وجعل له العراق والهند والحجاز، وجعله صاحب التاج والسرير وفوض إليه الولاية على أخويه.
والثاني: شرم وجعل له الروم وديار مصر والمغرب، والثالث طوج، وجعل له الصين والترك والمشرق جميعه، فلما مات أفريذون وثب طوج وشرم على إيرج فقتلاه واقتسما بلاده وملكا الأرض، ثم نشأ ابن لإيرج يقال له: منوجهر - بميم مفتوحة ونون مضمومة وواو ساكنة وجيم بين الجيم والشين مكسورة وهاء ساكنة وراء مهملة - فحقد المذكور على عميه وجمع العساكر وتغلب على ملك أبيه إيرج. ولما قوي منوجهر المذكور سار نحو الترك وطلب بدم أبيه، فقتل طوج، ثم قتل شرم عميه وأدرك ثأره منهما.
ثم نشأ من ولد طوج بن أفريذون المذكور فراسياب بن طوج، وجمع العسكر وحارب منوجهر بن إيرج وحاصره بطبرستان، ثم اصطلح وضربا بينهما حدًا لا يتجاوزه واحد منهما، وهو نهر يلخ، وفي أيام منوجهر ظهر موسى ﵇، وذكروا أن فرعون موسى وهو الوليد بن الريان كان عاملا لمنوجهر ومطيعًا له، ثم هلك منوجهر فتغلب فراسياب على مملكة فارس، وأكثر الفساد وخرب البلاد.
ثم ظهر زو بن طهماسب وهو من أولاد منوجهر فتسارع الناس إليه وطرد فراسياب عن مملكة فارس حتى رده إلى بلا الترك بعد حروب كثيرة، وسار زو بأحسن سيرة حتى عمر وأصلح ما كان خربه فراسياب، واستخرج للسواد نهر، وسماه الزاب وبنى على حافته مدينة، وكان لزو وزير يقال له: كرشاسف من أولاد طوج بن أفريذون، وقد حكي أنهما اشتركا في الملك. انتهت الفيشداذية.