وكانَتْ أَسْوَاقُ العَرَبِ المُعَظَّمَةُ عَشرَةُ أَسْوَاقٍ، يَجْتَمِعُونَ بِها في تِجَارَتِهِم، ويَجْتَمِعُ إليهِم فِيهَا سَائِرُ النَّاسِ لا يَصِلُ إليهَا أَحَدٌ بعدَ انْقِشَاعِهَا إلَّا بِخَفِيرٍ، ولَا يُرْجَعُ مِنْها إلَّا بِخَبَرٍ.
فَمِنْهَا مَا يَقُومُ في أَشْهُرِ الحُرُمِ، ثُمَّ لَا يَقُومُ إلى مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ قَابِلٍ، ومِنها لَا
_________________
(١) رواه أحمد ١/ ٣٥٤ عن وكيع بهِ، رواه الطبري في التفسير ٣/ ٣٨٩، والطبراني في الكبير ١٢/ ٦، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٢٣، وابن عساكر في التاريخ ٢٥/ ٣٢٦ بإسنادهم إلى سماك بن حرب به.
(٢) رواه البزار في مسنده ٣/ ٢٤٨ عن بشر بن آدم به، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٦ وعزاه للبزار وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه وابن عساكر.
[ ١ / ٨٦ ]
يَقُومُ في أَشْهُرِ الحُرُمِ وتَقُومُ فيِ غَيْرِها:
* أَوَّلُهَا: دَوْمَةُ، وأَمِيرُهَا أكُيْدِرُ العُبَادِيُّ، تُوَافِيهَا العَرَبُ كُلُّهَا، وقِيَامُهَا في أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ إلى النِّصْفِ، فَلَا تَزَالُ قَائِمَةً إلى رأْسِ الشَّهْرِ، ثُمَّ يَفْتَرِقُونَ عَنْهَا إلى مِثْلِهَا مِنْ قَابِلٍ، وكانتْ مُبَايَعةُ العَرَبِ فِيهَا إلقَاءُ الحِجَارَةِ، وإلقَاءُ الحِجَارَةِ أنَّهُ كانَ يَجْتَمِعُ النَّفَرُ على السِّلْعَةِ يُسَاوِمُونَ بِها صَاحِبَهَا، فأَيُّهُم رَضِي أَلْقَى حَجَرَهُ.
* والمُشَقَّرُ، ثمَّ يَرْتحِلُونَ إلى المُشَقَّرِ مِنْهَا، وَهِي بِهَجَرَ، فَتَقُومُ لَهُم بِسُوقِهَا أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ إلى آخِرِ الشَّهْرِ، فَيُوَافَى بِها أَهْلُ فَارِسَ، يَقْطَعُونَ البَحْرَ إليها بِبَيَاعَاتِهِم، ثُمَّ يَنْقَشِعُ عَنْهُم إلى مِثْلِها مِنْ قَابِلٍ، وكانَ بَيْعُهُم فِيها المُلَامَسَةُ، والهَمْهَمَةُ، والمُلَامَسةُ: الإيْماءُ، يُومِئُ بَعْضُهُم إلى بَعْضٍ فَيَتَبَايَعُونَ ولا يَتَكَلَّمُونَ حتَّى يَتَراضوا إيْماءً، و[أمَّا] (١) الهَمْهَمَةُ كَيْلَا يَحْلِفَ أَحَدُهُم عَلَى كَذِبٍ إنْ زَعَم المُشْتَرِي أنَّهُ قدْ بَدَا لَهُ.
* وصُحَارٌ، ثُمَّ يَرْتحِلُونَ مِنْها إلى صُحَارٍ في غَيرِ خُفَارَةٍ، أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ رَجَبَ فَيَقْدِمُونَها لِعِشرينَ تمضِي مِنْ رَجَبَ، فَيَوَافِيهِم بِهَا مَنْ لمْ يَشْهَدْ قَبْلَهَا مِنَ الأَسْوَاقِ مِمَّن شُغِلَ بِحَاجَةٍ، أَو لمْ تَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ، فَيُقِيمُونَ بِها خَمْسًا.
* و[دَبَا]، ثُمَّ يَرْتحِلُونَ مِنْها إلى [دَبَا] (٢)، يَجْتَمِعُ بِها تُجَّارُ السِّنْدِ والهِنْدِ والصِّينِ وأَهْلِ المَشرِقِ والمَغْرِبِ، فَتَقُومُ لَهُم سُوقُهَا آخِرَ يَوْمٍ مِنْ رَجَبَ،
_________________
(١) جاء في الأصل: (ومنهم) وهو خطأ، والتصويب من المحبر، ومن كتاب رأس مال النديم.
(٢) جاء في الموضعين: (ذباق) وهو خطأ، والصواب ما أثبته من المحبر، ومن كتاب رأس مال النديم، ومعجم البلدان ٢/ ٤٣٥.
[ ١ / ٨٧ ]
وكانَ بَيْعُهُم المُسَاوَمةُ، وكانَ الجُلَنْدِيُّ يُعَشِّرُهُم فِيهَا، وفِيهَا سُوقُ صُحَارٍ، ويَفْعَلُ في ذَلكَ فِعْلَ المُلُوكِ بِغَيرِهَا.
* والشِّحْرُ، ثُمَّ مَرَّ مَنْ فِيهَا مِنَ البَرِّ والبَحْرِ إلى الشِّحْرِ، شِحْر مَهْرةَ، فَتَقُومُ للنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ تحْتَ ظِلِّ الجَبَلِ الذي [عَلَيْه] (١) قَبرُ هُودٍ ﵇، وكانَ بَيْعُهُم فِيهَا الحِجَارةُ.
* وعَدَنُ، ثُمَّ يَرْتحَلُونَ إلى عَدَنَ إلَّا تُجَّارَ البَحْرِ، فَيَتَوَافَى النَّاسُ بِعَدَنَ ويُوَافِيهِم بِهَا مَنْ لمْ يَكُنَ بَاعَ بَيْعَهُ كُلَّهُ مِنْ أَهْلِ البَحْرِ، وكَانَتْ تَقُومُ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ إلى عَشرٍ يمْضِينَ منهُ، ثُمَّ يَنْقَشِعُ إلى مِثْلِها مِنْ قَابِلٍ، وكَانُوا لا يَتَخَفَّرُونَ هُنَاكَ بأَحَدٍ، لأَنَّها أَرْضُ مُمْلَكَةٌ، وأَمْرٌ مُحْكَمٌ.
*وصَنْعَاءُ، ثُمَّ يَرْتَحِلُونَ إلى صَنْعَاءَ، وكَانَتْ تَقُومُ في النِّصْفِ مِنْ رَمَضَانَ إلى آخِرِه، ثُمَّ يَنْقَشِعُ عَنْهُم إلى مِثْلِها مِنْ قَابِلٍ، وكانَ بَيْعُهُم بِها الجَسُّ جَسُّ اليَدِ.
* والرَّابيةُ وعُكَاظٌ، يَصْدُرُ النَّاسُ إلى سُوقَينِ، أَحَدُهُمَا: الرَّابيةُ بِحَضرَموْتَ، والأُخْرَى بِعُكَاظٍ في أَعْلَا نجدٍ، وعُكَاظٌ قَرِيبٌ مِنْ عَرَفاتٍ.
فأَمَّا الرَّابيةُ فَلَمْ يَكُنْ يَصِلْ إليهَا أَحَدٌ إلَّا بِخَفَارَةٍ، وكَانَتا تَقُومَانِ في يَوْمِ وَاحِدٍ في النِّصْفِ مِنْ ذِي القِعْدَةِ إلى هِلَالِ ذِي الحِجَّةِ، وكَانَتْ عُكَاظٌ مِنْ أَعْظَمَ أَسْوَاقِ العَرَبِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهَا عُشُورٌ ولَا خَفَارَةٌ، وإذا أَهَلُّوا انْقَشَعُوا وسَارُوا بأَجْمَعِهِم إلى ذِي المَجَازِ وَهِي قَرِيبةٌ مِنْ عُكَاظٍ، فأَقَامُوا بِها إلى يَوْمِ التَّرْوِيةِ، ووَفَاهُم بِمَكَّةَ حُجَّاجُ العَرَبِ ورُؤَسَاؤُهُم، وكُلُّ مَنْ أَرَادَ الحَجَّ لمْ يَكُنْ يَشْهَدُ
_________________
(١) زيادة من المصادر.
[ ١ / ٨٨ ]
تِلْكَ الأَسْوَاقِ (١).
يَتْلُوهُ في الجُزْءِ الثَّالِثِ إنْ شَاءَ اللهُ ذِكْرُ المُبَايِعِينَ عَلَى العَقَبةِ. آخِرُهُ، وصَلَّى اللهُ على مُحمَّدٍ وآلهِ أَجْمَعِينَ (٢)
_________________
(١) ينظر الحديث عن أسواق العرب المذكورة في: المحبر لابن حبيب ٢٦٦، وكتاب رأس مال النديم لابن بابه القاشى ص٤٥.
(٢) جاءت هذه الجملة قبل الحديث عن أسواق العرب، وحقها في هذا الموضع.
[ ١ / ٨٩ ]
تصنيف
الإمام الحافظ أبى القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق
ابن منده الأصبهانى