إنَّ اسْمَ الكِتَابِ كَمَا سَمَّاهُ مُؤَلِّفهُ جَاءَ عَلَى عَنَاوِينِ الأَجْزَاءِ، وَهُو: (المُسْتَخْرَجُ مِنْ كُتُبِ النَّاسِ للتَذْكِرَةِ، والمُسْتَطْرَفُ مِنْ أَحْوَالِ الرِّجَالِ للمَعْرِفةِ)، وهَذا العِنْوَانُ
[ المقدمة / ١١٠ ]
لَه دِلَالَةٌ عَلَى مَضْمُونِ الكِتَابِ، فإنَّ المُسْتَخَرَجَ لُغَةً: مَا يُسْتَخْرَجُ مِنْ أَصْلهِ، ويُرِيدُ المُصَنِّفُ بِهَذا الاسْمِ جَمْعَ فَوَائِدَ مُسْتَخْرَجَةٍ مِنْ كُتُبِ العُلَمَاءِ في السِّيرَةِ والتَّارِيخِ، وهذه الفَوَائِدُ فِيهَا فَرَائِدُ مُسْتَطْرَفَةٍ، ونُكَتٌ مُسْتَغْرَبةٍ، ولُمعٌ مُسْتَحْسَنَةٍ، دُون تَطْوِيلٍ ممُلٍّ، أَو اخْتِصَارٍ مخُلٍّ، ولمْ يُرِدْ بالمُسْتَخْرَجِ المَعْنَى الاصْطَلَاحِيِّ عِنْدَ المُحَدِّثينَ، وَهُو أنْ يَأْتِي المُصنِّفُ إلى كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ السُّنَّةِ المُعْتَمَدَةِ كَصَحِيحِ البُخَارِيِّ مَثَلًا، فَيُخَرِّجُ أَحَادِيثَهُ بأَسَانِيدَ لِنَفْسهِ مِنْ غَيرِ طَرِيقِ البُخَارِيِّ، فَيَجْتَمِعُ إسْنَادُ المُصنِّفِ مَعَ إسْنَادِ البُخَارِيِّ في شَيْخهِ أَو مَنْ فَوْقَهُ (١).
وقدْ أَضَافَ أَحَدُ مَنْ قَرأَ الكِتَابَ، أَو مَلَكَهُ كَلِمَةَ (التَّارِيخِ) فَوْقَ كَلَمِةِ (الكِتَابِ المُسْتَخَرجِ) في مَوَاضِعَ كثِيرَةٍ مِنْ عَنَاوِينِ أَجْزَاءِ الكِتَابِ، وَفَاتَهُ في بَعْضِها، ولَا شَكَّ أنَّ كَلِمَةَ (التَّارِيخِ) مُقْحَمَةً لَيْسَتْ مِنْ أَصْلِ الكِتَابِ، ومِمَّا يَدُلُّ على ذَلِكَ أنَّ كَثِيرًا مِن العُلَمَاءِ ذَكَرُوا عِنْوَانَ الكِتَابِ بِدُونِها، مُقْتَصِرينَ على العِنْوَانِ الذي أَثْبَتْنَاهُ، ومِنْهُم الإمامُ عَلَاءُ الدِّينِ مُغْلَطَاي بنُ قَلِيجٍ (٢)، والحَافظُ زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بنُ الحُسَيْنِ العِرَاقِيُّ (٣)، والإمامُ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ (٤)، والحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ (٥)، والحَافِظُ ابنُ نَاصرٍ الدِّين الدِّمَشْقِيُّ (٦)، والإمَامُ أبو الخَيْرِ
_________________
(١) تحدَّثت عن المستخرجات وفوائدها، وأنواعها في كتاب (دراسات في مناهج المحدثين).
(٢) إكمال تهذيب الكمال ٢/ ١٣٧.
(٣) طرح التثريب في شرح التقريب ٢/ ٢٣٠. والتقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح ص ٢٢٦
(٤) النكت على ابن الصلاح ٢/ ١٤١.
(٥) الإصابة في تمييز الصحابة ٢/ ٢٠٤، وفتح الباري في شرح صحيح البخاري ٧/ ٥، و١١/ ٦١٦، و١٢/ ٣٩.
(٦) توضيح المشتبه في مواضع كثيرة، ينظر الفهرس في آخر الكتاب ١٠/ ٥٩٨.
[ المقدمة / ١١١ ]
السَّخَّاوِيُّ (١) وحَاجِي خَلِيفَةَ (٢)، وعَبْدُ الرَّؤُوفِ المُنَاوِيُّ (٣)، والإمامُ مُحمَّدُ بنُ إسْمَاعِيلَ الأَمِيرُ الصَّنْعَانِيُّ (٤)، والإمامُ مُحمَّدُ بنُ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيُّ (٥)، والعَلَّامَةُ مُحمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ الكَتَّانِيُّ (٦).
ولا بأسَ من الإشَارِةِ إلى أَقْوَالِ بَعْضِهِم:
قالَ الإمَامُ عَلَاءُ الدِّينِ مُغْلَطَاي: (رأيتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مُحمَّدِ بنِ إسْحَاقَ بنِ مَنْدَه كِتَابًا سَمَّاهُ المُسْتَخْرَجُ) (٧)، وقالَ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ (٨): (ذَكَر أَبو القَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ في كِتَابٍ سَمَّاهُ المُسْتَخْرَجُ مِنْ كُتُبِ النَّاسِ للتَذْكِرَةِ)، وسَمَّاهُ في كِتَابٍ آخَرَ (٩): (المُسْتَخْرَجُ مِنْ أَحَادِيثِ النَّاسِ للفَائِدَةِ)، وقالَ الإمَامُ ابنُ نَاصِرِ الدِّين الدِّمشقي في ترجمة أبي القاسم (١٠): (من مصنفاته المعتبرة: المستخرج من كتب الناس للتذكرة)، وقالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ (قَرَأْتُ في المُسْتَخْرَجِ لأَبي القَاسِمِ بنِ مَنْدَه بِسَنَدِه إلى أَحْمَدَ بنِ سيَّارٍ الحَافِظِ المَرْوَزِيِّ قالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ عَتِيكٍ يَقُولُ: قالَ عَلِيُّ بنُ المَدَيِنْيِّ: مَنْ صَحِبَ النبيَّ -ﷺ- إلخ) (١١)
_________________
(١) فتح المغيث بشرح ألفيه الحديث ٣/ ١٨٧.
(٢) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ٢/ ١٦٧١.
(٣) فيض القدير بشرح الجامع الصغير ٦/ ٢٨٣.
(٤) سبل السلام شرح بلوغ المرام ١/ ١٢.
(٥) نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ١/ ١٦٢، و٢/ ١٥٣.
(٦) الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المصنفة ص ٣٢.
(٧) إكمال تهذيب الكمال ٢/ ١٣٧.
(٨) التقييد والإيضاح ص ٢٢٦.
(٩) طرح التثريب ١/ ٣٥٧.
(١٠) التبيان لبديعة البيان ٢/ ١٩٣.
(١١) فتح الباري ٥/ ٧، وهذا الموضع في المستخرج في الورقة ١١١ ب.
[ المقدمة / ١١٢ ]
وهَذا الكِتَابُ ثَابِتُ النِّسْبةِ إلى مُؤَلِّفهِ الإمَامِ أَبي القَاسِمِ بنِ مَنْدَه، فقدَ جَاء بِهَذا العِنْوَانِ مَنْسُوبًا إلى مُؤَلِّفهِ في عَنَاوِينِ أَجْزَاءِ الكِتَابِ، كمَا أنَّ العُلَمَاءَ نَسَبُوا الكِتَابِ إلى مُؤَلِّفهِ، ونَقَلُوا منهُ في مَوَاضِعَ منهُ كَمَا سَبَقَ النَّقْل عَنْهُم، وهُنَاك دَلِيلٌ آخَرُ، وَهُو رِوَايةُ أبي القَاسِمِ عَنْ شُيُوخهِ الذينَ عُرِفتْ رِوَايتُهُ عَنْهُم، وقد اسْتَعْرَضْنَاهُم في الفَصلِ الثَّانيِ.