إنَّ عَدَمَ اطِّلَاعِنا عَلَى مُقَدِّمَةِ المؤلِّف أَفْقَدنا مَقْصِدَ المُؤَلِّفِ في كِتَابهِ، وشَرْطَهُ فيهِ، إلَّا أنَّ هَذا الأَمْرَ لَا يَعْسُرُ فَهْمُهُ لِمَنْ طَالَعَ الكِتَابَ، فقدْ تَحصَّل لِي مِنْ خِلَالِ قِرَاءَتِي للكِتَابِ وتحْقِيقهِ أنَّ المُؤَلِّفَ قَصَدَ في تأَلْيفهِ مَقَاصِدَ عِدَّةً، نُبْرِزُهَا عَلَى النَّحْوِ التَّالي:
الَمقْصَدُ الأَوَّلِ:
ذَكَر جَوَانِبَ مُهِمَّةً تَتَعلَّقُ بالسِيرَةِ النَّبَوِيَّةِ المُشَرَّفةِ، أَو مَا يُسَمَّى بالمغَازِي والسِّيرِ، فقدْ تَنَاوَلَ مُوْضُوَعاتٍ مُهِمَّةٍ فِيهَا، منها:
أَمْرُ النَّبيِّ - ﷺ - أَصْحَابَهُ بالهِجْرَةِ إلى الحَبَشةِ، وعَرْضُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ- نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ العَرَبِ في مَوَاسِمِ الحَجِّ، وحَدِيثُ الإسراءِ والمِعْرَاجِ، والهِجْرَةِ، وحَدِيثُ أُمِّ
[ المقدمة / ١١٣ ]
مَعْبَدٍ، وغَزَواتُ النبىِّ - ﷺ - وسَرَايَاهُ، وأَسَامِي سِلَاحه، وأَسَامِي خُيُوله، وحِمَارِه، ونَاقَتِهِ، وذِكْرِ أَوْلَادِهِ، وكُتُبِهِ - ﷺ -، ووُفُودِ العَرَبِ عليه - ﷺ -، وكُتَّابِهِ - ﷺ -، والقَطَائِعِ والعَطَايا التِّي أَعْطَاهَا، وحَجَّةِ الوَدَاعِ، ووَفَاتَهِ - ﷺ -، وغَير ذَلِكَ.
ولا شَكَّ أنَّ دِرَاسَةَ السِّيرَةِ النَّبَويَّةِ ومَعْرِفَتِها لَيْسَ القَصْدُ مِنْها تَتَبُّعُ الأَحْدَاثِ التَّارِيْخِيَّةِ ووَقَائِعِها وتَدْوِينها، أو سَرْدُ جُمْلَةٍ مِنَ القَصَصِ والأَحْدَاثِ فَحَسْب، وإنَّمَا الغَرَضُ مِنْ دِرَاسَتِها تَكْوِينُ صُورَةٍ وَاقِعيَّةٍ للحَيَاةِ الإسْلَامِيَّةِ، مُتَجَسِّدَةً في حَيَاتهِ ﵊، حَيْثُ كانتْ سِيرتُهُ - ﷺ - تَرْجَمَةً عَمَلِيَّةً ووَاقِعيَّةً لِمَبَادِئ الإسْلَامِ وقَوَاعِدِه وأَحْكَامهِ، قالَ الإمامُ ابنُ كَثِيرِ (١): (وهَذا الفَنُّ -يَعْنِي المَغَازِي- مِمِّا يَنْبَغِي الاعْتِنَاءُ به، والاعْتِبَارُ بأَمْرِه، والتَّهيُّؤ لَهُ، كَمَا رَوَاهُ مُحمَّدُ بنُ عُمَرَ الوَاقِديُّ عَنْ عَبْد اللهِ بنِ عُمَرَ بنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبيه، قال: سَمِعْتُ عَلِيَّ بنَ الحُسَيْنِ يَقُولُ: كُنَّا نُعَلَّمُ مَغَازِي النبيَّ -ﷺ- كَمَا نُعَلَّمُ السّورَةَ مِنَ القُرْآنِ، قالَ الوَاقِديُّ: وسَمِعتُ مُحمَّدَ بنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَمِّي الزّهْرِيَّ يَقُولُ في عِلْمِ المَغَازِي: عِلْمُ الآخِرَةِ والدُّنيا).
ولأَجْلِ هَذِه الأَهمِّيةِ بالسِّيرَةِ النَّبَويَّةِ فقدْ عَنِيت الأُمَّةُ بِها عنَايةً فَائِقَةً، واشْتَغَلتْ بِها مُنْذُ القَرْنِ الأَوَّلِ، وأَوَّلُ مَنْ صنَّفَ فِيها: عُرْوَةُ بنُ الزَّبَيْرِ (ت ٩٤)، ثُمَّ أَبَانُ بنُ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ (ت ١٠٥)، ووَهْبُ بنُ مُنَبِّه (تُوفيِّ سنةَ بِضْعَ عَشرَةَ ومَائةٍ)، وشُرَحْبِيلُ بنُ سَعْدٍ (ت ١٢٣)، وعَبْدُ اللهِ بنُ أَبي بَكْرِ بنِ حَزْمٍ (تُوفيِّ بعد سنة ١٢٠)، وعَاصِمُ بنُ عُمَرَ بنِ قُتَادةَ (تُوفيِّ بعد ١٢٤)، ومُحمَّدُ بنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ
_________________
(١) البداية والنهاية ٥/ ٢١.
[ المقدمة / ١١٤ ]
(ت ١٢٤)، الذي اعْتَمَدَ كَثِيرًا عَلَى مَغَازِي عُرْوَةَ، ثُمَّ تَلَاهُ تِلْمِيْذَاهُ: مُوسَى بنُ عُقْبَةَ (ت ١٤١)، ومُحمَّدُ بنُ إسْحَاقَ (ت ١٥٠)، وغَيرهُم مِمّن اعْتَمَدَهُم أَبو القَاسِم ابنُ مَنْدَه في كِتَابهِ.
وتَبرزُ مَنْهَجِيَّتهُ في ذِكْرِ أَحْدَاثِ السِّيرَةِ النَّبَويَّةِ بالأُمُورِ الآتيةِ:
١ - رَتَّبَ أَحْدَاثَ السِّيَرةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى الحَوْلِيَّاتِ مُبْتَدئًا بالسَّنَةِ الأُوْلىَ مِنَ الهِجْرَةِ، مَعَ ذِكْرِه أَيْضًا بَعْضَ القَضَايا التِّي حَدَثتْ في العَهْدِ المَكِّي.
٢ - اعْتَمَدَ عَلَى مَصَادِرَ كَثِيَرةٍ في السِّيرَةِ والتَّارِيخِ والحَدِيثِ وغَيْرِها، وسُوْفَ نَسْتَعْرِضُها في المَبْحَثِ القَادِمِ.
٣ - ذَكَر أَحْدَاثًا مُهِمَّةً في السِّيرَةِ، وقَدْ ذَكَرنا أَهَمَّها في بِدَايةِ هَذا المَقْصَدِ.
المَقْصَدُ الثَّانِي:
ذَكَرَ الصَّحَابةَ الكِرَامَ، ونَوَّهَ بِمَكَانَتِهِم، واسْتَعْرَضَ جَوَانِبَ مِنْ سِيَرِهِم وجِهَادِهِم، وحُضُورِهِم مَعَ النبيِّ - ﷺ - في جَمِيعِ مَرَاحِلِ الدَّعْوَةِ الإسْلَامِيَّةِ في مَكَّةَ والمَدِينَةِ، فَقَدْ جَمَعَ أَسْمَاءَ الصَّحَابةِ المُهَاجِرِينَ إلى الحَبَشةِ، وإلى المَدِينَةِ، ومَنْ شَارَكَ مِنَ الأَنْصَارِ في بَيْعَةِ العَقَبةِ، ومَنْ عُرِفَتْ صُحْبَتُهُم ومجُالَسُتُهم للرِسُولِ - ﷺ -، ومَنْ وُلِدَ في عَهْدِه - ﷺ -، وأَوَّلُ مَنْ وُلِدَ بالمَدِينَةِ مِنْهُم ومَاتَ، وأَوَّلُ مَنْ قَدِمَ مِنَ المُهَاجِرِينَ المَدِينَةَ، ونُزُولُهُم عَلَى الأَنْصَارِ، والمُؤَاخَاةُ، ومَنْ شَهِدَ بَدْرا، وأُحُدًا وغَيرْها مِنَ الغَزَوَاتِ، ومَن اسْتُشْهِدَ فِيها، ومَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تحْتَ الشجَرَةِ، ومَنْ ذُكِرَ في الصَّحَابةِ هُوَ وأَوْلَادُهُ، ومَنْ عُرِفَ في الصَّحَابةِ بالرِّوَايةِ، والوِفَادَةِ،
[ المقدمة / ١١٥ ]
والإدْرَاكِ، والصُّحْبَةِ، وأَسَامِي المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم، ومَنْ عُرِفَ بالآباءِ دُونَ أَسْمَائِهِم بالرِّوَايةِ وآباؤُهُم مِنَ الصَّحَابةِ، ومَنْ عُرِفَ بالأَبْنَاء دُونَ ذِكْرِ الآباءِ، ومَنْ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ- مِنَ القَبَائِلِ، ومَنْ رَوَى عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - ولم يُذْكَرْ أَسَامِيهِم، ومَنْ رَوَى عَنْ رَجُلٍ أَو رَجُلَينِ أَو رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ - ﷺ - ولم يُذْكَرْ أَسَامِيهم، ومَنْ لَا يُعْرَفُ إلَّا بالكُنَى عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابةِ، ثم عَقَدَ فَصلًا آخرَ فِيمَنْ عُرِفَ من الصَّحَابِيَّاتِ بالرِّوَايةِ، والوِفَادَةِ، والإدْرَاكِ، والصُّحْبَةِ.
واعْتَمَدَ في ذَلِكَ على كِتَابِ أبَيهِ الإمَامِ أَبِي عَبْدِ اللِّهِ مُحمَّدِ بنِ إسْحَاقَ بنِ مَنْدَه (مَعْرِفةِ الصَّحَابةِ) (١)، مَعَ إضَافةِ فَوَائِدَ كَثِيرَةً مِنْ غَيْرِه.
وقد حَدَّدَ مَفْهُومَ الصُّحْبَةِ نَقْلًا عَن الإمامِ عَلِيِّ بنِ المَدِينيِّ، فقالَ: أَخْبَرنا عَبْدُ الصَّمَدِ العَاصِمِيُّ، أَخْبَرنا إبْرَاهِيمُ بنُ أحْمَدَ المُسْتَمْلِيُّ، حدَّثني أَبو مُحمَّدٍ السِّجْزِيُّ أَحْمَدُ بنُ مُحمَّدِ بنِ اللَّيْثِ، حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ يَحْيَى بنِ حَمَّادٍ العَسْكَرِيُّ السِّجِسْتَانِيُّ، حدَّثنا أَحْمَدُ بنُ سَيَّارٍ قالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ عَتِيكٍ يَقُولُ: قَالَ عَلِيُّ بنُ المَدِينِيّ: (مَنْ رأَى النبيَّ -ﷺ- أَو صَحِبَهُ ولَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُو مِنْ أَصْحَابِ النبيِّ - ﷺ -) (٢).
والذِي دَعَاهُ إلى جَمْعِ الصَّحَابةِ الكَرِامِ والاهْتِمَامِ بِهم، هُو فَضْلُهم، وعُلُوُّ مَكَانَتِهِم عَنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعةِ، وأنَّ الله تَعَالىَ خَصَّهُم بِخَصِيصَةٍ لَيْسَتْ لأَحَدٍ مِنَ البَشرِ، هِي خَصِيصَةُ العَدَالةِ، والتي ثَبْتَتْ بأَقْوَى مَا ثَبَتَتْ بهِ عَدَالةُ أَحَدٍ، إذ أَنَّها ثَبْتَتْ بالقُرْآنِ، والسُّنَّةِ، والإجْمَاعِ، ودِلَالةِ الوَاقِعِ، والعَقْلِ، ولا
_________________
(١) وسيأتى ذكر الكتاب في موارده.
(٢) المستخرج الورقة (١١١ ب).
[ المقدمة / ١١٦ ]
بأْسَ مِنْ ذِكْرِ كَلِمَتَيْنِ جَلِيلَتَيْنِ لِعَالِمَيْنِ كبِيرَيْنِ كَانا في وَقْتٍ وَاحِدٍ، وهما معاصران للإمام أبي القاسم ابن مَنْده، أَحَدُهُما مِنَ المَشْرِقِ، والآخَرُ مِنَ المَغْرِبِ، فقدْ قالَ عَالِمُ المَغْرِبِ أَبو عُمَرَ بنُ عَبْدِ البَرِّ القُرْطُبِيُّ: (إنَّمَا وَضَعَ اللهُ ﷿ أَصْحَابَ رَسُولهِ المَوْضِعَ الذِي وَضَعَهُم فيه بثَنَائه عَلَيْهِم مِنَ العَدَالةِ، والدِّينِ، والإمَامةِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ المِلَّةِ بِمَا أَدُّوُه عَنْ نَبِيِّهِم مِنْ فَرِيضةٍ وسُنَّةٍ، فَصَلَّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورَضِيَ عَنْهُم أَجْمَعِينَ، فَنِعْمَ العَوْنِ كَانُوا لَهُ على الدِّينِ في تَبْلِيغِهِم عَنْهُ إلى مَنْ بَعْدِهِم مِنَ المُسْلِمِينَ) (١)، وقالَ عَالِمُ المَشرِقِ أبو بَكْرٍ الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ: (عَلَى أنَّهُ لَو لمْ يَرِدْ مِنَ اللهِ ﷿ ورَسُولِه فِيهِم شَيءٌ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ لأَوْجَبتِ الحالُ التي كَانُوا عَلَيْهَا مِنَ الهِجْرَةِ، والجِهَادِ، والنُّصْرَةِ، وبَذْلِ المُهَجِ والأَمْوَالِ، وقَتْلِ الآباءِ والأَوْلَادِ، والمُنَاصَحَةِ في الدِّينِ، وقُوَّةِ الإيمْانِ واليَقِينِ - القَطْعَ عَلَى عَدَالَتِهِم، والاعْتِقَادِ بَنَزَاهَتِهِم، وأَنَّهُم أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ المُعَدِّلِينَ والمُزَكِّينَ الذينَ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِهِم أَبَدَ الآبِدِينَ، هَذا مَذْهَبُ كَافَّةِ العُلَمَاءِ، ومَنْ يُعْتَدُ بِقَوْلهِ مِنَ الفُقَهَاءِ) (٢).
وتَبْرُزُ سِمَاتُ مَنْهَجِه في ذِكْرِهم بالأُمُورِ الآتيةِ:
١ - يُرَاعِي في تَرْتِيبِ أَسْمَائِهِم وكُنَاهُم التَّرْتِيبَ على حُرُوفِ المُعْجَمِ، ولَكِنَّهُ لمْ يُرَاعِ ذَلِكَ دَاخِلَ الحَرفِ.
_________________
(١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر ١/ ١٥.
(٢) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص ٤٩.
[ المقدمة / ١١٧ ]
٢ - يقَدَّمَ في التَّرْتِيبِ مَن اسْمُهُ مُحمَّدٍ، وذَلِكَ لِشَرَفِ هَذا الاسْمِ.
٣ - يشير في كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ إلى الاخْتَلَافِ في الاسْمِ، والكُنْيَةِ، واللَّقَبِ، كَقَوْلهِ في تَرْجَمَةِ أَكْثَمِ بنِ أَبي الجَوْنِ: (وقِيلَ: ابنُ الجَوْنِ، ويُقَالُ: إنَّهُ أَبو مَعْبَدٍ الخُزَاعِيُّ)، وقالَ في بِشْرِ بنِ عَقْرَبةَ: (وقِيلَ: بَشِيرُ الجُهَنِيُّ)، وقالَ في تَرْجَمَةِ بَلْز: (وقِيلَ: بَرْزٌ، وقِيلَ: رَزَنُ، وقِيلَ: مَالِكُ بنُ قَحْطَمِ بنِ العُشَرَاءِ الدَّارِميُّ).
٤ - يُنَبِّهُ على الصَّحَابةِ الذينَ غيَّر النبيُّ - ﷺ - أَسْمَاءَهَم، كَقولهِ: (بَشِيرُ بنُ زَيْدِ بنِ مَعْبَدٍ، كانَ اسْمُهُ زَحْمَ، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ بَشِيرًا)، وقَوْلهِ: (مُسْلِمُ بنُ العَلَاءِ بنِ الحَضرَمِيّ، وَالِدُ طَلْحَةَ، جَدُّ زَكِريَّا، قالَ: كانَ اسْمُ مُسْلِمٍ العَاصَّ، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُسْلِمَ).
٥ - يُنَبِّهُ أَيضًا إلى مَوْلِدِهم، وذَلِكَ في حَالَةِ تَوَفُّرِ مَعْلُومَاتٍ تَخُصُّ هذا الجَانِبَ، كَقَوْلهِ: (حَكِيمُ بنُ حِزَامِ بنِ خُوَيْلَدِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبْدِ العُزَّى، أَبو خَالِدٍ، ويُقَالُ: أَبو يَزِيدَ، وُلِدَ في جَوْفِ الكَعْبَةِ).
٦ - يُشِيُر في كَثِير مِنَ الأَحْيَانِ إلى سَنَةِ وَفَاةِ الصَّحَابِيِّ ومَكَانه، كَقَوْلهِ: (ثَابِتُ ابنُ قَيْسِ بنِ شَمَّاسِ بنِ ثَعْلَبَةَ بنِ زُهَيْرِ بنِ امْرِئ القَيْسِ بنِ مَالِكِ بنِ الحَارِثِ ابنِ الخَزْرَجِ، يُكْنَى أَبا مُحمَّدٍ، وقُتِلَ باليَمَامَةِ شَهِيدًا، وشَهِدَ لَهُ بالجنَّةِ رَسُولُ اللهِ)، وقَوْلهِ في تَرْجَمَةِ أَبي ذِرٍّ الغِفَارِيِّ: (تُوفيِّ بالرَّبَذَةِ، ودُفِنَ فِيهَا).
٧ - يَحْرِصُ على ذِكْرِ سَنَة إسْلَامِ الصَّحَابِيِّ، والمَشَاهِدِ التي شَهِدَها، كقَوْله: (مِسْوَرُ بنُ يَزِيدَ الجُذَامِيُّ، شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ)، وقَوْلهِ: (يَزِيدُ بنُ عَامِرٍ السُّوَائِيُّ، يُكْنَى أَبا حَاجِرٍ، شَهِدَ حُنَيْنًا مَعَ المُشرِكِينَ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدُ).
[ المقدمة / ١١٨ ]
٨ - يُحَدِّدُ المِصْرَ الذِي اشْتُهِرتْ فيهِ رِوَايةُ الصَّحَابِيِّ، مِثْلَ قَوْله: (عِدَادَهُ في أَهْلِ المَدِينَةِ)، وقَوْله: (عِدَادَهُ في أَهْلِ الكُوفَةِ)، وقَوْله: (عِدَادُهُ في أَهْلِ الشَّامِ)، وقَوْله: (عِدَادُهُ في أَهْلِ الحِجَازِ)، وقَوْله: (عِدَادُهُ في أَهْلِ المَدِينَةِ).
٩ - يُشِيرُ في كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ إلى شَيءٍ مِنْ مَنَاقِبِ الصَّحَابِيِّ، كَقَوله: (البَراءُ بنُ مَالِكٍ، وَهُو الذِي قَتَلَ مَرْزُبَانَ الزَّارَةَ بِتُسْتَرٍ، وَهُو الذي قالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (لَو أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأبَرَّهُ)، وقَوْلِه: (بُسَيْسَةُ بنُ عَمْرو، بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَيْنًا إلى عِيرِ أَبي سُفْيَانَ)، وقَوْله: (تَمِيمُ بنُ أَوْسِ بنِ خَارِجَةَ بنِ سَوْدِ بنِ خُزَيمْةَ، وقِيلَ: ابنُ سَوَادِ بنِ خُزَيمْةَ بنِ ذَرَّاعِ بنِ عَدِيِّ بنِ الدَّارِ بنِ هَانِئ بنِ حَبِيبِ بنِ أَنمْارِ بنِ لَخْمِ بنِ عَدِيِّ بنِ عَمْرو ابنِ سَبَأ، يُكْنَى أَبا رُقَيَّةَ، نَسَبهُ ابنُ إسْحَاقَ، وكَنَّاهُ شُرَحْبِيلُ بنُ مُسْلِمٍ، رَوَى عَنْهُ رَسُولُ اللهِ حَدِيثَ الجَسَّاسَةِ).
١٠ - يَذْكُرُ أَشْهَرَ مَنْ رَوَى عَنِ الصَّحَابِىِّ، كَقَوْله في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبي رَبِيعَةَ الثَّقَفِيِّ: (رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ)، وقَوْله في تَرْجَمَةِ يَزِيدَ بنِ الأَسْوَدِ الجُرَشِيِّ: (رَوَى عنهُ يُونُسُ بنُ مَيْسَرةَ بنِ حَلْبَسٍ).
١١ - يَذْكُرُ كُلَّ مَنْ كان حَيًّا في عَهْدِ النبيِّ - ﷺ - وإنْ لمْ تَثْبُتْ صُحْبَتُهُ، وهو لا يُرِيدُ بِذَلِكَ إثباتُ الصُّحْبةِ، ولكِنَّهُ يُرِيدُ حَصْرَ مَنْ كان حيًّا في حَيَاتهِ - ﷺ -، وهُو بِهَذا يُتَابِعُ أَبَاهُ في كِتَابهِ (مَعْرِفةِ الصَّحابةِ)، ومِنْ ذَلِكَ قَوْله في تَرْجَمَةِ جَابِر بنِ يَاسِرِ بنِ عَوِيصٍ القِتْبَانِيِّ: (شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ، لَهُ إدْرَاكٌ،
[ المقدمة / ١١٩ ]
لا يُعْرَفُ لَهُ حَدِيثٌ)، وذَكَر الأَحْنَفَ بنَ قَيْسٍ، وبَحِيرا الرَّاهِبَ، وخَالِدَ ابنَ عُقْبَةَ بنِ أَبي مُعَيْطٍ وغَيرْهُم، وهَؤُلَاءِ لَهُم إدْرَاكٌ ولا تَثْبُتُ لَهُم الصُّحْبَةُ.
المَقْصَدُ الثَّالِثِ:
جَمَعَ فَوَائِدَ تَارِيْخِيَّةً، وطَرَائِفَ أَدَبِيَّةً، ونَوَادِرَ تَرَاجُمِيَّةً، وطُرَفًا مُفِيدَةً، قَلَّ أنْ تُوجَدَ مِثْلَها في غَيْرِه مِنَ الكُتُبِ، ومِنْ ذَلِكَ ذِكْرُهُ لخِلَافةِ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، والخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِه، وقِتَالِ المُرْتَدِينَ في خِلَافةِ الصدِّيقِ، ومَن اسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ في هَذِه الحُرُوبِ، وحَرَصَ عَلَى ذِكْرِ مَنْ تَوَلىَّ إمْرَةِ الحَجِّ في كُلِّ سَنَةٍ، بِدْءًا مِن الخِلَافةِ الرَّاشِدَةِ، ومُرُورًا بالدَّوْلةِ الأُمُويَّةِ، وانْتِهَاءٍ بالدَّوْلةِ العبَّاسِيَّةِ، وذَكَرَ الفُتُوحَاتِ، مُرَتَّبَةً على حَسَبِ السَّنَوَاتِ، ومِن الطَّرَائِفَ التِّي ذَكَرَها: أَسْمَاءَ آلهةِ العَرَبِ، وأَسْوَاقَ العَرَبِ في الجَاهِليِّةَ، ورِحْلَةَ أَصحَابِ الحَدِيثِ في طَلَبِ الحَدِيثِ وتَبْلِيغهِ، وكِتَابةَ التَّارِيخِ، وبِدَايتهِ، وأَعْمَارَ الأَنْبِيَاءِ ﵈، وبيانُهُ لمَجْمُوعَةٍ مِنَ أَوَائِلِ الأُمُورِ، هذا بالإضافَةِ إلى حِرْصهِ على ذِكْرِ تَرَاجِمَ أعْيَانِ المُحَدِّثينَ، ووَفَياتِهِم، وأَخْبَارِ بَعْضهِم، ومَنَاقِبهِم، وأَحْوَالِهِم.
ولَا شَكَّ أنَّ ذِكْرَهُ لِهَذِه الأُمُورِ لَه أَهَمِّيَةٌ عَظِيمَةٌ، فإنَّ التَّارِيخَ لَهُ مكانة في حَيَاةِ الأُمُمِ عُمُومًا، وحَيَاةِ المُسْلِمِينَ خُصُوصًا، فَهُو - كَمَا يُقَالُ: يَعْكِسُ مَاضِي الأُمَّةِ، ويُترْجِمُ حَاضِرَها، ويُسْتَلْهَمُ مِنْ خِلَالهِ مُسْتَقْبَلُهَا، ويَكْشِفُ الإمَامُ السَّخَاوِيُّ مَفْهُومَ التَّارِيخِ لدى المُسْلِمينَ وشُمُولِيَّتَهُ فيقُولُ: (التَّارِيخُ في الاصطِلَاحِ:
[ المقدمة / ١٢٠ ]
التَّعْرِيفُ بالوَقْتِ الذي تُضْبَطُ به الأَحْوَالُ مِنْ مَوْلدِ الرُّوَاةِ، والأَئِمَّةِ، ووَفَاةٍ .. ورِحْلَةٍ، وحَجٍّ، وحِفْظٍ، وضَبْطٍ، وتَوْثيقٍ، وتجرِيحٍ، ومَا أَشْبَه هَذا مِمَّا مَرْجِعُهُ الفَحْصُ عَنْ أَحْوَالِهم في ابْتِدَائِهِم، وحَالِهِم، واستِقْبَالِهِم، ويَلْتَحِقُ بهِ ما يُتَّفَقُ مِنَ الحَوَادِثِ، والوَقَائِعِ الجَلِيلَةِ، مِنْ ظُهُورِ مُلِمَّةٍ، وتجْدِيدِ فَرْضٍ، وخَلِيفةٍ، ووَزِيرٍ، وغَزْوَةٍ، ومَلْحَمَةِ، وحَرْبٍ، وفَتْحِ بَلَدٍ، وانْتِزَاعهِ مِنْ مُتَغَلِّبٍ عَلَيْه، وانْتِقَالِ دَوْلَةٍ، والحَاَصِلُ أنَّهُ فَنٌّ يُبْحَثُ فيهِ عَنْ وَقَائِعِ الزَّمَانِ مِنْ حَيْثِيَّةِ التَّعْيِينِ والتَّوْقَيتِ، بلْ عَمَّا كانَ في العَالَمِ) (١).
ويُبَيُنِّ الإمامُ ابنُ خُلْدُونَ أَهَمِّيةَ دِرَاسةِ التَّارِيخِ فَيَقُولُ: (اعْلَمْ أنَّ فَنَّ التَّارِيخِ فَنٌّ عَزِيزُ المَذْهَبِ، جَمُّ الفَوَائِدِ، شَرِيفُ الغَايةِ، إذْ هُو يُوقِفُنا عَلَى أَحْوَالِ المَاضِينَ مِنَ الأُمُمِ في أَخْلَاقِهِم، والأَنْبِيَاءِ في سِيَرِهِم، والمُلُوكِ في دُوَلِهِم وسيَاسَتِهِم، حَتَّى تَتِمَّ فَائِدَةُ الإقْتِدَاءِ في ذَلِكَ لمَنْ يَرُومُه في أَحْوَالِ الدِّينِ والدُّنيا ) (٢).
المَقْصَدُ الرَّابِعِ:
ذِكْرُهُ لِوَفَيَاتِ جَمَاعةٍ مِنَ الأَعْيَانِ والرُّوَاةِ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ وغَيرِهم: اهْتَمَّ أَبو القَاسِمِ كَثِيرًا بِذِكْرِ وَفَيَاتِ الأَعْيَانِ مِنَ الأَعْلَامِ، ويَتَجِلَّى مَنْهَجُهُ في ذَلِكَ. بِما يَلِي:
١ - رَتَّبَ التَّرَاجِمَ على السِّنِينَ، مُبْتَدِئًا بالسَنةِ الأُولىَ مِنَ الهِجْرَةِ، واسْتَمَرَّ على
_________________
(١) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ للسخاوي ص ٣٨٥، مع كتاب علم التاريخ عند المسلمين، للمستشرق فرانز روزنثال، ترجمة الدكتور صالح أحمد العلى.
(٢) تاريخ ابن خلدون ١/ ١٣.
[ المقدمة / ١٢١ ]
ذَلِكَ إلى عَصْرِه.
٢ - اهْتَمَّ كَثِيرًا بِوَفَياتِ المُحَدِّثينَ والرُّوَاةِ.
٣ - يُحَدِّدُ بِدِقَّةٍ سَنَةَ وَفَاة العَلَمِ.
٤ - يُشِيرُ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْيَانِ إلى الاخْتِلَافِ في سَنَةِ وَفَاتِه، كَقَوْله: (عُتْبَةُ بنُ غَزْوَانَ، ماتَ بالرَّبَذَةِ، وقِيلَ: بالمَدِينَةِ، ويُقَالُ: بِمَرُو، أَبو عَبْدِ اللهِ سنةَ خَمْسَ عَشرَةَ، ويُقَالُ: سَبْعَ عَشَرةَ، ولَهُ سَبْعٌ وخَمْسُونَ سَنَةً).
٥ - يَذْكُرُ في كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ مَكَانَ وَفَاةِ المُترْجَمِ، كَقْوله: (بَشِيرُ بنُ سَعْدٍ، وَالِدُ النُّعْمَانِ، قُتِلَ مَعَ خَالِدِ بنِ الوَليدِ بِعَيْنِ التَّمْرِ سنةَ أَرْبعَ عَشرَةَ بعدَ انْصِرَافهِ مِنَ اليَمَامةِ)، وكقولهِ: (حُمَمَةُ بنُ أَبي حُمَمَةَ، رَجُلٌ مِنْ أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ-، ماتَ بأَصْبَهَانَ، وقَبرهُ بِهَا).
٦ - إذا لمْ يَجِدْ مَا يُحَدِّدُ به سنةَ الوَفَاةِ، فإنَّهُ يُعْطِينَا تَارِيْخًا تَقْرِيبيًّا، كَقَوْله: (عَبْدُ اللهِ بنُ أُنَيْسِ بنِ أَسْعَدَ بنِ حَرَامٍ، أَبو يَحْيى الجُهَنِيُّ القُضَاعِيُّ تُوفيِّ في وِلَايةِ مُعَاوِيةَ)، وقَوْله: (أَقْرَعُ بنُ شُفَيِّ العُكِّي، نَزَلَ الرَّمْلَةَ تُوفيِّ في وِلَايَةِ عُمَرَ ﵁).
٧ - يُكَرِّرُ في كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ ذِكْرُ العَلَمِ في أَكثَرِ مِنْ سَنَةٍ، وذَلِكَ بِحَسْبِ مَا جَاءَ في المَصَادِرِ، وقدْ أَشَارَ إلى هَذا التِّكْرَارَ، فقالَ في وَفَياتِ سَنَةِ اثْنَيْنِ وأَرْبَعِينَ ومَائةً: (والشَّيْبَانِيُّ سُلَيْمَانُ بنُ أَبِي سُلَيْمَانَ واسْمُهُ فَيروزُ، وقدْ ثَقُلَ عَلَيَّ تِكْرَارًا مِنْ تَقَدَّمَ ذِكْرِهِ كالشَّيْبَانِيِّ في سَنَةِ تِسْعٍ وعِشرينَ ومَائةً، وفي ثَمَانٍ وثَلَاثِينَ ومَائةً، وفي إحْدَى وأَرْبَعِينَ ومَائةً، وتَرَكْتُهُ فَكُلُّها
[ المقدمة / ١٢٢ ]
مَنْقُولَةٌ مِنَ التَّوَارِيخِ، واعَتْمَدْتُ مِنْهَا عَلَى الآخرِ مِنْ ذِكْرِ المَوْتِ، وعَلَى الأَوَّلِ مِنْ ذِكْرِ المَولُودِ) (١).
ولا شَكَّ أنَّ مَعْرِفةَ الوَفَاةِ لهُ أَهَمِّيةٌ بَالِغَةٌ لِكُلِّ مَنْ يَشْتَغِلُ بالحَدِيثِ، أَو بالمَغَازِي، أو بالتَارِيخِ، وهُو خَيْرُ وَسِيلةٍ لمَعْرِفةِ الاتِّصَالِ والانْقِطَاعِ، وكَشْفِ صِدْقِ المُخْبِر أو كَذِبه، وقدْ سَبقَ أنْ ذَكرْنا في التَّمْهِيدِ بَعْضَ أَقْوَالِ العُلَمَاءِ في مَكَانةِ هَذا الفَنِّ الجَلِيلِ.
الَمقْصَدُ الخَامِسِ:
رِوَايتُهُ للأَحَاديثِ:
إنَّ رِوَايةَ أَبي القَاسِمِ ابنِ مَنْدَه للأَحَادِيثِ التي رواها الصَّحَابةُ الكِرَامُ لَيُبَيِّنُ العِلَاقةَ الحَمِيمةَ بينَ عِلْمِ الحَدِيثِ والتَّارِيخِ، فَهُما عِلْمَانِ لا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الآخِرِ، قالَ الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ: (ويَجْمَعُونَ -يَعْنِي أَهْلَ الحَدِيثِ- أَيْضًا مَا رُوِي عَنْ سَلَفِ المُسْلمِينَ مِنْ أَخْبَارِ الأُمُمِ المُتَقَدِّمينَ، وأَقَاصِيصِ الأَنْبِيَاءِ، وسِيَرِ الأَوْلِيَاءِ، والذي نَسْتَحِبُّه ألَّا يَتَعَرَّضَ لجِمْعِ شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بعدَ الفَرَاغِ مِنْ أَحَادِيِث رَسُولِ اللهِ - ﷺ) (٢).
ولأَجْلِ هَذِه العِلَاقَةِ المُتَلَازِمةِ بينَ هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ نَجِدُ أنَّ أَغْلَبَ المُؤَرِّخِينَ المُعْتَبَرينَ كَانوا مُحدِّثينَ جَهَابِذِةً، مِثْلَ: مُحمَّدِ بنِ إسْحَاقَ، وخَلِيفَةَ بنِ خَيَّاطٍ، ومُحمَّدِ بنِ
_________________
(١) المستخرج الورقة (٢٧٣ أ).
(٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي ٢/ ٣٠١.
[ المقدمة / ١٢٣ ]
سَعْدٍ، ويَعْقُوبَ بنِ سُفْيَانَ الفَسَوِيِّ، وابنِ جَرِيرٍ الطَّبِريِّ، والحَاكِمِ النَّيْسَابُورِيِّ، والخَطِيبِ البَغْدَادِيِّ، وابنِ عَسَاكِرَ، وابنِ الجَوْزِيِّ، والذَّهَبِيِّ، وابنِ كثِيرٍ، وابنِ حَجَرٍ، والسَّخَاوِيِّ وغَيرِهم.
وتَبْرُزُ مَنْهَجِيَّةُ أَبي القَاسِمِ ابنِ مَنْدَه في هَذا المَقْصَدِ بالأُمُورِ الآتيةِ:
١ - يَرْوِي بَعْضَ الأَحَادِيثِ عَنْ شُيُوخهِ بأَسَانِيدِهم، ويَخُصُّ أَبَاهُ بالكَثيِر، وهذه الأَحادِيثُ رَوَاهَا أَبُوهُ في كُتُبهِ، وعَلَى الأَخْصِّ كتابهُ (مَعْرِفةِ الصَّحَابةِ).
٢ - يَخْتَصِرُ الأَحَادِيثَ، كَقَوْلِه: (أبو الأَسْودِ النَّهْدِيُّ، عَنْ أَبيه، رَوَى عنهُ عَنْبَسةُ بنُ الأَزْهَرِ حَدِيثَهُ في الغَارِ: (هلْ أَنْتِ إلَّا أُصْبُعٍ دَمَيْتِ).
٣ - يَذْكُرُ أَشْهَر الأَحَاديث التِّي رَوَاها ذَلِكَ الصَّحَابِيُّ، كَقَوْلِه في تَرْجَمَةِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ الكَعْبِيِّ. (حَدِيثُهُ وَضْعُ الصِّيَامِ عَن المُسَافِرِ، وشَطْرِ الصَّلَاةِ)، وقَوْلِه في عَبْدِ الله بنِ خُبَيْبٍ: (حَدِيثَهُ في المُعَوِّذَتَيْنِ والصَّلَاةِ).
٤ - يُشِيرُ إلى الصَّحَابِيِّ الذِي لا تُوْجَدُ لَهُ رِوَايةٌ، كَقَوْلِه: (بِرْحُ بنُ عُسْكُرِ بنِ وَتَّارٍ، لَهُ وَفَادَةٌ، شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ، لَا يُعْرَفُ لَهُ حَدِيثٌ)، وقَوْلِه: (ثَعْلَبَةُ بنُ زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ، لَهُ ذِكْرٌ في المَغَازِي، ولَا يُعْرَفُ لَهُ حَدِيثٌ)، وقَوْلِه في ترجمة عَبْدِ الله بنُ شِهَابِ بنِ الحَارِثِ: (لا يُعْرَفُ لهُ رِوَايةٌ).
٥ - يُعَلِّقُ أَحْيَانًا على بَعْضِ الأَحَادِيثِ، كقَوْلِه في حَدِيثٍ يَرْوِيه الأَسْوَدُ بنُ سَرِيعٍ، ﵁ قالَ: (بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَرِيَّةً جَيْشًا فأَسْرَعُوا في القَتْلِ حَتَّى أَصَابُوا الوُلْدَانَ، فقالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَلْم أَنْهَكُم، قَالُوا: إنَّما هُمْ أَوْلَادُ المُشْركِينَ يَا رَسُولَ الله، قالَ: أَو لَيْسَ خِيَارُكُم أَوْلَادُ المُشْركِينَ، ثُمَّ أَمَرَ مُنَادِيه: أَلَا إنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُوَلَدُ عَلَى الفِطْرَةِ.
[ المقدمة / ١٢٤ ]
قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ﵀: هَذَا الخَبرُ لِمَنْ هَدَاهُ اللهُ ﷿، ولِمَنْ يُرْجَى أنْ يَهْدِيه اللهُ ﵎، وأَمَّا المَيْئُووسُ مِنْهُم: فأَخْبَرنا أَحْمَدُ بنُ مُحمَّدِ بنِ المَرْزُبَانِ، حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ إبْرَاهيمَ بنِ يَحْيَى، حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ سُلَيْمَانَ بنِ حَبِيبٍ، حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵁، عَنِ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ ﵁ قالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ خَيْلَنَا أَوْطَأَتْ أَوْلَادَ المُشْرِكِينَ، قالَ: فَهُمْ مِنْ آبَائِهِم) (١).
ومِنْ ذَلكَ أنَّهُ ذَكَرَ عُمَيْر بنَ وَهْبٍ الجُمَحِيَّ، وقال: (شَهِدَ بَدْرًا كَافِرًا، أَخْرَجْتُهُ لِعِلْمِ اللهِ فِيهِ)، ثم رَوَى قِصَّتَهُ مَعَ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ عندَ الكَعْبَةِ، وقَالَ عُمَيْرٌ: (لَوْلا عِيَالي ودَيْنِي لَكُنْتُ الذِي أَقْتُلُ مُحمَّدًا، فقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: وكَيْفَ تَقْتُلُهُ؟ قالَ: أَنًا رَجُلٌ جَرِيءُ الصَّدْرِ جَوَّادٌ، ولَا أُلْحقُ، وأَلْحقُهُ، ثُمَّ أَضْرِبُهُ ضَرْبَةً، ثُمَّ أَلْحَقُ بالجَبَلِ، فلَا يُدْرِكُنُي شَيءٌ، قَالَ صَفْوَانُ: عِيَالُكَ في عِيَالي، ودَيْنُكَ عَلَيَّ، فَانْطَلَقَ عُمَيرُ فَشَحَذَ سَيْفَهُ وسَهْمَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ إلى المَدِينَةِ يُرِيدُ قَتْلَ رَسُولِ الله - ﷺ- إلى آخِر الحَدِيثِ)، ثُمَّ قالَ أَبو القَاسِمِ: (ولأَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ في عَلَامَاتِ النُّبُوةِ، ونُفُوذِ عِلْمِ اللهِ وقُدْرَتِهِ في خَلْقِهِ) (٢).
المَقْصَدُ السَّادِسِ:
إهتمامه بالأنساب:
وَجَّهُ أَبو القَاسِمِ ابنُ مَنْدَةَ اهْتِمَامًا بَالِغًا بالنَّسَبِ، ولَا يَخْفَى مَا للنَسَبِ مِنْ أَهَمِّيةٍ
_________________
(١) كتاب المستخرج، الورقة (٥٣أ).
(٢) المستخرج، الورقة (٧٣ ب).
[ المقدمة / ١٢٥ ]
عَظِيمَةٍ في حَيَاةِ العَرَبِ قَبْلَ الإسلَامِ، ولمَّا جاءَ الإسلَامُ أَقَرَّهُ، ووَضَعَ لَهُ الأُسُسَ والقَوَاعِدَ، وذَكَر الحَافِظُ أَبو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ في مُقَدِّمَةِ كِتَابه (الأَنْسَابِ) مَكَانةَ النَّسَبِ في الإسلَامِ، وأَنَّهُ مِنَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ التِّي يَجِبُ أَنْ لَا يَجْهَلَها عَالمٌ، فقالَ: (ومَعْرِفَةُ الأَنْسَابِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَم التِّي أَكْرَمَ الله تَعَالىَ بِهَا عبَادَهُ، لأَنَّ تَشَعُّبَ الأَنْسَابِ على افْتِرَاقِ القَبَائِلِ والطَّوَائِفِ أَحَدُ الأَسْبَابِ المُمَهِّدةِ لحُصُولِ الائْتِلَافِ وكُنْتُ في رِحْلَتِي أَتَتَبَّعُ ذَلِكَ، وأَسْأَلُ الحُفَّاظَ عَنِ الأَنْسَابِ، وكَيْفِيَتِها، وإلى أَيِّ شَيءٍ نُسِبَ كُلُّ أَحَدٍ، وأُثْبِتُ مَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ ) (١)، وقالَ الإمَامُ العَلَّامةُ أبو مُحمَّدَ ابنُ حَزْمٍ: (إنَّ عِلْمَ النَّسَبِ جَلِيلٌ رَفِيعٌ، إذْ بهِ يَكُونُ التَّعَارُفُ، وقدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالىَ جُزْءا مِنْهُ تَعَلُّمُه لا يَسَعُ أَحَدًا جَهْلُهُ، وجَعَلَ تَعَالىَ جُزْءًا يَسِيرًا منهُ فَضْلًا عَنْ تَعَلُّمِه، يَكُونُ جَهْلُهُ نَاقِصًا لِدَرَجةٍ مِنَ الفَضْلِ، وكُلُّ عِلْمٍ هَذه صِفَتُه فَهُو عِلْمٌ فَاضِلٌ، لا يَنْكُرُ حَقُّهُ إلَّا جَاهِلٌ إلَخ) (٢).
وكَانَ اَلمُحَدِّثُونَ مِنْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى الأَنْسَابِ، لِمَا في النَّسَبِ مِنْ أَهَميِّةٍ في تمْيِيزِ الرُّوَاةِ ومَعْرِفَتِهم، ولِذَلِكَ جَعَلُوهُ نَوْعًا مِن أَنْوَاعِ عُلُومِ الحَديثِ الذي لا يَنْبَغِي للمُحَدِّثِ جَهْلُهُ، قالَ الحَاكمُ النَّيْسَابُورِيُّ (ذِكْرُ النَّوْعِ التَّاَسِعِ والثَّلَاثِينَ مِنْ مَعْرِفَةِ عُلُومِ الحَدِيثِ: هَذا النَّوعُ مِنَ هَذِه العُلُومِ مَعْرِفةُ أَنْسَابِ المُحَدِّثينَ مِنَ الصَّحَابةِ وإلى عَصْرِنا هَذا، فَقَدْ أَمَرَنا سَيِّدُنُا المُصْطَفَى - ﷺ - بِذَلِكَ ) (٣).
ومِنَ الأَمْثِلةِ عَلَى اهْتِمَامِ ابنِ مَنْدَه بالأَنْسَابِ قَوْلهُ: (عَبْدُ الله بنُ الرَّبِيعِ بنِ قَيْسٍ، مِنْ بَنِي الأَبْجَرِ بنِ عَمْرو بنِ الحَارِثِ بنِ خَزْرَجٍ، وَهُم بَنُو خُدْرَةَ بنِ عَوْفٍ) (٤).
_________________
(١) الأنساب لأبي سعد السمعاني ١/ ١٦.
(٢) جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص ٢.
(٣) معرفة علوم الحديث ص ٤٨٩.
(٤) المستخرج، الورقة (٢٦ ب).
[ المقدمة / ١٢٦ ]
وقَوْلهُ: (وقُصَيٌّ اسْمُهُ: يَزِيدُ، وإنما سُمِّي قُصَيًّا لأَنَّهُ كانَ قَاصِيًا عَنْ قَوْمه في قُضَاعةَ، ثُمَّ قَدِمَ وقُرَيْشٌ مُتَفَرِّقَةٌ في القَبَائِلِ فَجَمَّعَهَا حَوْلَ الكَعْبةِ، وُسمِّيَ أيضا مُجمِّعُ بنُ كِلَابٍ (١).
وقَوْلهُ: (وإنمَّا سُمِّى النَّجَّارُ لأَنَّهُ اخْتَتَن بالقَدُومِ، فَسُمِّي النَّجَّارُ، وَهُو مِنْ بَنِي جَدِيلَةَ، وجَدِيلَةُ أُمُّهُم، وأَبُوهُم مُعَاويةُ بنُ عَمْرو، والنَّجَّارُ هُو الَّلاتُ بنُ ثَعْلَبةَ بنِ عَمْرو بنِ الخَزَّرَجِ) (٢).