قَرَّرتُ المُضِىَّ في تحْقِيقِ الكِتَابِ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ نُسْخَةٍ أُخْرَى للكِتَابِ، ولا يَخْفَى على ذِي عِلْمٍ بالتَحْقِيقِ مَا يُعَانِيهِ المُحَقِّقُ في مِثْلِ هَذِه الحَالةِ مِنْ صُعُوبَاتٍ ومخَاطِرَ، والذي شَجَّعَنِي عَلَى تحْقِيقهِ اشْتِمَالُ الكتابِ على مَعْلُومَاتٍ قَيِّمَةٍ، وعُلُومٍ مُنَوَّعَةٍ، وتَرَاجمَ مُفِيدَةٍ، وقد تقدَّم عَرْضُها باخْتِصَارٍ في المَبْحَث الثَّانِي، هذا بالإضافةِ إلى أنَّ هَذا الكَتَابَ يُعَدُّ نُسْخَةً مُختَصَرةً لِكَتابِ وَالِدِ المُصَنِّف المُسَمَّى (مَعْرِفةِ الصَّحَابةِ) ومُسْتَدْرَكًا عَلَيْهِ، ولمَّا كان هَذا الكِتَابُ مِمَّا وَفَّقَنِي الله تَعَالىَ إلى طَبْعهِ فكانَ لزامًا عليّ إكْمَالَهُ بِهَذا الكِتَابِ المُسْتَطابِ، فالحَمْدُ للِّه عَلَى تَوْفِيقِه.
إنَّ أَهَمَّ الصُّعوبَاتِ التِّي وَاجَهْتُهَا عَدَمُ اعْتِنَاءِ النَّاسِخِ بالضَّبْطِ، مِمَّا كان يَضْطَّرُنيِ دَائِما للوُقُوفِ عِنْدَ كُلِّ كَلمَةٍ، والاسْتعَانةِ بالمَصَادرِ المُخْتَلِفَةِ لِتَثْبِيتِ الكَلِمَاتِ بِصُورَةٍ صَحِيحَةٍ، ومِنْ ثَمَّ إقَامَةُ النَّصِّ بِحَيْثُ يَكُونُ أَقْرَبَ إلى مَا تَركَهُ مُصَنِّفُهُ رَحِمَهُ اللهُ تعَالىَ.
وقد اتَّبَعْتُ في تحْقِيقِ الكِتَابِ الخُطُوات الآتيةَ:
١ - نَسْخُ المَخْطُوطِ بِمَا هُو مُتَعَارفٌ عليه اليومَ مِنْ صُورِ الإمْلَاءِ، فغَيَّرْتُ مَا اصْطَلحَ عَلَيْهِ النُّسَاخُ في الرَّسْمِ مِمَّا سَبَقَ ذِكْرُهُ في وَصْفِ مخطُوطَةِ الكِتَابِ.
[ المقدمة / ١٥٨ ]
٢ - مُقَابَلةُ المَنْسُوخِ عَلَى النُّسْخَةِ الخَطِّيةِ مُقَابَلةً دَقِيقَةً.
٣ - خِدْمَةُ النَّصِّ، بِضَبْطهِ بالشَّكْلِ، وتَنْسِيق فِقَارِه، وتَفْصِيلِ جُمَلِه، ووَضْعِ عَلَامَاتِ الترقيم المُنَاسبةِ.
٤ - ضَبْطُ أَعْلَامِ النَّاسِ وكُنَاهُم وأَلْقَابِهِم وأَنْسَابِهِم، وكَذَلِكَ أَعْلَامِ البُلْدَانِ والقَبَائِلِ ونَحْوِها بالرُّجُوعِ إلى مَصَادِر الضَّبْطِ ككُتُبِ الرِّجَالِ، والمُؤْتَلَفِ والمُخْتَلِفِ، والمَعَاجِمِ اللُّغَوِيَّةِ وغَيرِها.
٥ - وَضْعُ العَنَاوِينِ المُنَاسِبةِ لِتَوْضِيحِ النَّصِّ، وقدْ حَصَرْتُهَا بينَ مَعْقُوفَتَين، ولَم أُشرْ إليها في الهَامِش اعْتِمَادا عَلَى هذا التَّنْبِيه.
٦ - عَزْو الآياتِ القرآنية إلى سُورها، مع ذكر رقم الآية وإثباته في المتن بعد الآية مباشرة.
٧ - تَخْرِيجُ الأحَادِيثِ والآثارِ المُسْنَدةِ تَخْرِيجًا مُوجَزَا، مُقَدِّما المَصْدَرَ الذي يَكُونُ قَرِيبًا مِنْ إسْنَادِ المُؤَلِّفِ، ثُمَّ أَذْكرُ المَصَادِرَ عَلَى حَسَبِ وَفَيَاتِ مُؤَلِّفيها.
٨ - الحُكْمُ عَلَى الأَحَادِيثِ قَبُولًا أَو رَدَّا، مُعْتَمِدا عَلَى أَقْوَالِ أَئِمَّةِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ.
٩ - التَّعْلِيقُ بإيْجَازٍ على النُّصُوصِ والكَلِمَاتِ المُشْكِلَةِ والغَرِيبةِ.
١٠ - رَبْطُ أَجْزَاءِ الكِتَابِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وذَلِكَ بالإشَارَةِ إلى الصَّفَحَاتِ المَاضِيةِ، إذ أَنَّ المُؤَلِّفَ يُشِيرُ في مَوَاضِعَ إلى تَقَدُّمِ العَلَمِ في مَوْضِعٍ سَابِقٍ في الكِتَابِ.
١١ - التَّعْرِيفُ بالمَوَاضِعِ والبُلْدَانِ، وتحْدِيدُها في وَقْتِنا الحَاضِرِ.
[ المقدمة / ١٥٩ ]
١٢ - التَّرْجَمَةُ باخْتِصَارٍ للأَعْلَامِ الذينَ فِيهِم إشْكَالٌ، أو إبْهَامٌ، أو إهْمَالٌ، بِمَا يَرْفَعُ عَنْهُم الالْتِبَاسُ والإشْكَالُ.
١٣ - إرْجَاعُ صِيغِ الأَدَاءِ المُخْتَصَرةِ إلى أَصْلِها، فأَرْجَعْتُ (ثنا ونا) إلى حدَّثنا، و(أنا) إلى أَخبرنا، وذَلِكَ لِزَوَالِ دَوَاعِي الاخْتِصَارِ، كَقِلَّةِ الوَرَقِ أَو المِدَادِ أو غَيرِ ذَلِكَ، ولَأنَّ عَدَمَ الاخْتِصَارِ أَتْقَنَ في الكِتَابةِ والقِرَاءَةِ، وآمنَ مِنْ وُقُوعِ اللَّبْسِ والإشْكَالِ.
١٤ - أَضَافَ النَّاسِخُ في بَعْضِ المَوَاضِعِ عندَ الصَّلَاةِ عَلَى النبيِّ - ﷺ - أَلْفَاظًا فِيهَا شَيءٌ مِنَ الإطَالةِ كَقْولهِ: (صلَّى الله عَلَيْهِ وعَلَى آله وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا)، وقَوْله: (- ﷺ - تَسْلِيمًا كَثِيرًا)، وقدْ حَذَفْت ذَلِكَ لأنَّها إطَالةٌ، ولأنَّ النَّاسِخَ لمْ يَلْتَزِمْ بِهَا في كَثِيرٍ مِنَ المَوَاضِعِ، وأَبْقَيْتُ الصِّيَغةَ الأُولىَ (- ﷺ -).
١٥ - وَضْعُ مَا كَانَ زَائِدَا عَلَى الأَصْلِ مِنْ غَيِرْ العَنَاوِينِ، ومَا كَانَ تَصحِيحًا لِخَطأ بينَ مَعْقُوفَتَينِ كَمَا جَرَتْ بِذَلِكَ عَادةُ المُحَقِّقينَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ الحُجَّةَ في الهَامِشِ.
١٦ - الإشَارَةُ إلى بِدَايةِ كُلِّ وَجْهِ في النُّسْخَةِ الخَطِّيةِ، وذَلِكَ بِوَضْعِ خَطٍّ مَائِلٍ هَكَذا (/) في أَثْنَاءِ النَّصِّ، لِيَدُلَّ على بِدَايةِ ذَلِكَ الوَجْهِ، وأَضَعُ مُقَابِلَ ذَلِكَ الخَطِّ في الهَامِشِ رَقْمَ الوَرَقةِ، ورَمْزَ الوَجْهِ بينَ مَعْقُوفَتَينِ، وقدْ رَمَزْتُ للوَجْهِ الأَوَّلِ بالحَرْفِ (أ)، وللوَجْهِ الثَّانِي بالحَرْفِ (ب).
١٧ - قَدَّمْتُ الكِتَابَ بِهَذه الدِّرَاسةِ التي تَتَعَلَّقُ بالمُؤَلِّفِ، وبِكِتَابهِ.
١٨ - عَمِلتُ فَهَارِسَ مُنَّوَعةٍ كَشَّافةٍ للنَصِّ.
[ المقدمة / ١٦٠ ]
وفي خِتَامِ هَذِه الدِّرَاسةِ أَقُولُ: هَذا كِتَابُ (المُسْتَخْرَج مِنْ كُتُبِ النَّاسِ للتَذْكِرَةِ، والمُسْتَطْرَفُ مِنْ أَحْوَالِ الرِّجَالِ للمَعْرِفةِ) للإمامِ أَبِي القَاسِمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مُحمَّدِ بنِ إسْحَاقَ بنِ مَنْدَه الأَصبَهَانِيِّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى - أُقَدِّمهُ بينَ يَدَي أَهْلِ العِلْمِ، بعدْ أَنْ غَيَّبَهُ النِّسْيَانُ، وطَوَاهُ الإهْمَالُ، وقدْ بَذَلْتُ قُصَارَى جُهْدِي وطَاقَتِي، ولم آلُ نُصْحًا في ضَبْطِه، والتَّعْلِيقِ عَلَيْهِ. بِمَا يُقَرِّبهُ إلى البَاحِثينَ، وطَلَبةِ العِلْمِ، وهَذا مَبْلَغُ عِلْمِي، وغَايةُ قُدْرَتِي، فإنْ كُنْتُ أَدْرَكْتُ الغَايةَ فَتِلْكَ بُغْيَتِي، وإنْ كَانت الأُخْرَى فَحَسْبِي أَنَّنِي حَاولتُ، ولْم أَدَّخِرْ وَسْعًا في بُلُوغِ الهَدَفِ الذي مِنْ أَجْلهِ عَمِلْتُ، رَاجِيًا لِمَنْ (عَثَر عَلَى شَيءٍ طَغَى بهِ القَلَمُ، أَو زَلَّتْ بهِ القَدَمُ أنْ يَغْتَفِرَ ذَلِكَ في جَنْبِ مَا قَرَّبْتُ إليهِ مِنَ الَبَعِيدِ، ورَدَدتُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِيدِ، وأَرَحْتُهُ مِنَ التَّعَبِ، وصَيْرَّتُ القَاصِي يُنَادِيه مِنْ كَثَبٍ، وأنْ يُحْضِرَ قَلْبَهُ، أنَّ الجَوادَ قَدْ يَكْبُو، وأنَّ الصَّارِمَ قَدْ يَنْبُو، وأنَّ النَّارَ قَدْ تَخْبُو، وأنَّ الإنْسَانَ مَحلُّ النِّسْيَانِ، وأنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْن السَّيِّئَاتِ) (١).
والحَمْدُ للِّه أَوَّلا وآخِرًا، وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عَلَى سَيِّدنا مُحمَّدِ، وعَلَى آلهِ وأَصحَابهِ الغُرَرِ المَيَامِينَ، ومَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ، وسَارَ عَلَى نَهْجِهِم إَلى يَوْمِ الدِّينِ.
وكتبُهُ
الفَقِيرُ إلى عَفْو الله ورَحْمَته
أَبو حَارِثَ عَامِرُ حَسن صَبرِي التَّمِيميُّ
عفَا الله عنه ووالديه والمسلمين
_________________
(١) من كلام الإِمام اللُّغَوي ابن هشام الأنصاري في مقدِّمة كتابه (مُغني اللَّبيب عن كتب الأَعَارِيب) ص ١٣، تحقيق الدكتور مازن المبارك وزميله، دار الفكر بدمشق، الطبعة السادسة سنة ١٩٨٥.
[ المقدمة / ١٦١ ]