سارَ أَبو القَاسِمِ ابنُ مَنْدَه سِيْرةَ أَسْلَافهِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ في العِلْمِ، والتَّخَلُّقِ، والحِلْمِ، والشَّفَقَةِ، وحُبِّ المَسَاكِينِ، وكانَ آيةً في الفَهْمِ، والذَّكَاءِ، والصِّدْقِ، والعَدَالةِ، والنَزَاهَةِ، وكانَ تَقِيًّا وَرِعًا، قَائِمًا بالسُّنَّةِ، دَاعِيًا إليهَا بِلِسَانِه وقَلَمِهِ، آمِرًا بالمَعْرُوفِ، نَاهِيًا عَنِ المُنْكَرِ، وكانَ قَدْ حَصَّلَ العِلْمَ وَهُو في مُقْتَبَلِ عُمُرهِ، فَلَمَّا آنسَ مِنْ نَفْسه القُدْرَةَ على تَدْرِيسِ الحَدِيثِ ورِوَايَتِهِ اتَّخَذَ مجْلِسًا سنةَ (٤٠٧)، وكانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مجلِسٍ لَهُ، وكانَ في حَيَاةِ كِبَارِ مَشَايْخِه، ولهُ مِنَ العُمُرِ أَرْبَعٌ وعِشْرُونَ سنةً (١).
وكانَ لَهُ أَتْبَاعٌ ومُرِيْدُونَ، يَنْتَمُونَ إليهِ في الاعْتِقَادِ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ، يُقَالُ لَهُم العَبْدُ رَحْمَانِيَّةِ.
وقدْ أَثْنَى عَلَى أَبي القَاسِمِ جَمٌّ غَفِير مِنَ العُلَمَاءِ مِمِّنْ عَاصَرهُ وتَتَلْمَذَ عَلَيهِ، ومِمِّنْ جَاءَ بَعْدَهُ، يُعَظِّمُونَهُ، ويَعْتَرِفُونَ لَهُ بِعُلوِّ الشَّأنِ في العِلْمِ والوَرَعِ والزُّهْدِ، وهَذِه بَعْضُ الشَّهَادَاتِ في ذَلِكَ:
قالَ ابنُ أَخِيه الإمَامُ المُؤَرِّخُ أَبو زَكَرِيَّا يَحْيَى بنُ عَبْد الوَهَابِ بنِ مُحمَّدِ بنِ مَنْدَه: (كانَ عَمِّي سَيْفًا على أَهْلِ البِدَعِ، وَهُو أَكْبرُ مِنْ أَنْ يُثْنِي عَلَيْهِ مِثْلِي وكانَ عَظِيمَ الحِلْمِ، كَثِيَر العِلْمِ، قَرَأْتُ عَلَيْهِ قَوْلَ شُعْبَةَ: مَنْ كَتَبْتَ عَنْهُ حَدِيثًا فأَنا لَهُ
_________________
(١) ينظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٣٥٤.
[ المقدمة / ٤٥ ]
عَبْدٌ، فقالَ: مَنْ كَتَبَ عَنِّي حَدِيثًا فأَنَا لَه عَبْدٌ) (١).
وقالَ تِلْمِيذُهُ أَبو عَبْدِ اللهِ محُمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ الدَّقّاقُ: (فأَوَّلُ شَيْخٍ سَمِعْتُ مِنْهُ الشَّيْخُ الإمَامُ السَّيِّدُ السَّدِيدُ الأَوْحَدُ أَبو القَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُحمَّدِ بنِ إسْحَاقَ بنِ مُحمَّدِ بن يَحْيَى بنِ مَنْدَه، رَحِمَةُ الله ورِضْوَانُهُ عَلَيْهِ وعَلَى الأَئِمَّةِ مِنْ أَسْلَافهِ، فَرَزَقَنِي الله ﷻ بِبَركتِهِ، وحُسْنِ نِيَّتِهِ، وجَمِيلِ سِيرَتهِ، وعَزِيزِ طَرِيقَتهِ وسرِيْرَتهِ- فَهْمَ حَدِيثِ رَسُولِ الله - ﷺ - وكانَ -﵀- جِذْعا في أَعْيُنِ المُخَالِفِينَ، أَهْلِ البِدَعِ والتَّبَدُّعِ المُتَنَطِّعِينَ، وكانَ مِمَّنْ لَا يَخَافُ في الله لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَوَصْفُ حَالِه اَكْثُر مِنْ أَنْ يُحْصَى) (٢).
وقالَ أَيْضًا: (فَضَائِلُ ابنِ مَنْدَه ومَنَاقِبهِ أَكثرُ مِنْ أَنْ تُعَدَّ، وأَقُولُ أَنَا: ومَنْ أَنَا لِنَشْرِ فَضْلِهِ، كانَ صَاحِبَ خُلُقٍ وفُتُوَّةٍ، وسَخَاءٍ وبَهَاءٍ، والإجَازَةُ كَانَتْ عِنْدَه قَوِيَّةً، ولَهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ ) (٣).
وقالَ: (ولمْ أَرَ في كَثرةِ مَا رأَيْتُ مِنْ مَشَايْخِي في الحَضَرِ والسَّفَرِ أَجَلَّ في الدِّينِ والسُّنَّةِ وأَصْلَحَ فِيهِما، وأَبْغَضَ لأَهْلِ البِدْعَةِ مِنْ شَيْخَىَّ الإمَامَين عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَنْدَه بأَصبَهَانَ، وَعَبْدِ الله الأَنْصَارِيِّ بِهَرَاةَ) (٤).
وقالَ أَبو القَاسِمِ سَعْدُ بنُ مُحمَّدٍ الزَّنجْانِيُّ: حَفِظَ الله الإسْلَامَ بِرَجُلَينِ، أَحَدُهُمَا
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة ١/ ٥٦، وقول شعبة بن الحجاج هذا رواه أحمد في العلل (٢٩٩١)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات ١/ ٢٠، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ١٥٤، والقاضي عياض في كتاب الإلماع ص ٢٢٧.
(٢) كتاب الرسالة للدقاق، مخطوط بالمكنبة الظاهرية، الورقة (٦)، وسير أعلام النبلاء ١٨/ ٣٥٢.
(٣) الرسالة للدقاق، الورقة (٢١)، والذيل على طبقات الحنابلة ١/ ٥٦.
(٤) كتاب الرسالة للدقاق، الورقة (١٢).
[ المقدمة / ٤٦ ]
بأَصْبَهَانَ، والآخِرُ بِهَراةَ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَنْدَه، وأَبو إسْمَاعِيلَ عَبْدُ الله الأَنْصَارِيُّ) (١).
وقالَ القَاضي أَبو الحُسَين ابنُ أَبي يَعْلَى: (لمْ يَكُنْ في عَصْرِه وبَلَدِه مِثْلَهُ في وَرَعِه وزُهْده وصِيَانَتهِ، وحَالهُ أَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ، وكانتْ بَيْنَهُ وبينَ الوَالِدِ السَّعِيدِ مُكَاتَبَاتٍ) (٢).
وقالَ السَّمْعَانِيُّ: (كَانَ كَبِيرَ الشَّأْنِ، جَلِيلَ القَدْرِ، كَثِيرَ السَّمَاعِ، وَاسِعَ الرِّوَايةِ) (٣).
ووَصَفَهُ الذَّهَبِيُّ بـ (الشَّيْخِ الإمَام، المُحَدِّثِ المُفِيدِ الكَبِيرِ، المُصَنِّفِ) (٤).
وقالَ الصَّفَدِيُّ: (كانَ كَبِيرَ الشَّأنِ، جَلِيلَ القَدْرِ، حَسَنَ الخَطِّ، وَاسِعَ الرِّوَايةِ، لَهُ أَصْحَابٌ وأَتْبَاعٌ ولَهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ، ورُدُودٌ جمَّةٌ عَلَى أَهْلِ البِدَعِ) (٥).
هَذِه بَعْضُ الكَلِمَاتِ التي قِيلَتْ في هَذا الإمِامِ الجَلِيلِ، وقدْ أَوْجَزْتُ في ذِكْرَها.
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ١/ ٥٣ - ٥٤.
(٢) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى الفراء ٣/ ٤٤٧.
(٣) التقييد لابن نقطة ٢/ ٨٦، والذيل على طبقات الحنابلة ١/ ٥٤.
(٤) السير للذهبي ١٨/ ٣٤٩.
(٥) الوافي بالوفيات للصفدي ١٨/ ٢٣٤.
[ المقدمة / ٤٧ ]