بَدأَ أَبو القَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ طَلَبَ العِلْمِ وَهُو مَا يَزَالُ يَافِعًا في مُقْتَبلِ عُمُرهِ، حَيْثُ عَهِدَ به أَبُوهُ إلى أَحَدِ الشُّيُوخِ في بَلَدِه لِيُعَلِّمَهُ كَمَا يُعَلِّمُ أَتْرَابَهُ آنَذَاكَ، فَلَمَّا قَارَبَ العَشَرةَ مِنْ عُمُرهِ اتجَهَ لِدِرَاسةِ الحَديِثِ وسمَاعهِ عَلَى أَعْيَانِ العُلَمَاءِ والرُّوَاةِ في بَلَدِهِ.
وأَوَّلُ شَيْخٍ سَمِعَ مِنْهُ الحَديِثَ، وكَتَبَ عَنْهُ، ورَوَى مُؤَلَّفَاتهِ ورِوَايَاتهِ: وَالِدُهُ، الذِي كانَ مِنْ أَعْيَانِ المُحَدِّثينَ، وتُوفيِّ سنة (٣٩٥).
وأَقْدَمُ شُيُوخهِ بعدَ أَبيهِ: المُسْنِدُ أَبو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بنُ مُحمَّدِ بنِ المَرْزُبَانَ الَأبْهَرِيُّ الأَصبَهَانِيُّ، المُتَوفَّى سنةَ (٣٩٣)، سَمِعَ جُزْءَ (لُوَيْنٍ) المَشْهُورِ مِنْ مُحمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ الحَزَوَّرِيِّ سنةَ خَمْسٍ وثَلَاثُمَائةَ، وكانَ دَيِّنًا فَاضِلًا عَاليِ الإسْنَادِ، وسَمِعَ المُسْنِدَ عَبْدَ الله بنَ مُحمَّدِ بنِ عَبْدِ الوَهَابِ، أَبا عُمَرَ السُّلَمِيَّ الأَصبَهَانِيَّ المُقْرِىء،
[ المقدمة / ٢٦ ]
المُتوفَّى سنةَ (٣٩٣)، وكانَ أَبو القَاسِمِ لم يُجِاوِزْ عُمُرهُ عَشْرَ سِنِينَ.
وسَمِعَ أَبا بَكْرٍ أَحْمَدَ بنَ مُحمَّد بنِ أَحْمَدَ بنِ جَعْفَرٍ القَصَّارَ الَأصْبَهَانيَّ، الفَقِيهَ الإمَامَ، كانَ مِنْ كِبَارِ الشَّافِعيَّة، وتُوفيِّ سنةَ (٣٩٩)، والإمَامَ الحَسَنَ بنَ عَلِيِّ بنِ أَحْمَدَ بنِ سُلَيْمَانَ، أَبا عَلِيٍّ البَغْدَادِيَّ، نَزِيلَ أَصبَهَانَ التَّاجِرَ، المُحَدِّثَ الثِّقَةَ مُسْنِدَ أَصْبَهَانَ، تُوفيِّ سنةَ (٣٩٩).
وسَمِعَ أبا إسْحَاقَ إبْرَاهِيمَ بنَ عَبْدِ الله بنِ مُحمَّدِ بنِ خُرَّشِيذْ قُوْلَه الكِرْمَانِيَّ الَأصْبَهَانِيَّ التَّاجِرَ، المُتَوفَّى سنةَ (٤٠٠)، ولَهُ ثَلَاثٌ وتِسْعُونَ سنةً، وكانَ أَسْنَدَ مَنْ بَقِيَ بأَصبَهَانَ، وتَفَرَّدَ في وَقْتهِ بِرِوَاياتٍ كَثِيرَةٍ.
ثُمَّ أَخَذَ أبو القَاسِمِ يَتَنَقَّلُ بِبَلَدِه إلى حَلَقَاتِ الشُّيُوخِ والحُفَّاظِ بِهِمَّةِ ونَشَاطٍ، ورَغْبَةٍ تَامَّةٍ، وإقْبَالٍ شَدِيدٍ، فَسَمِعَ كَثِيرًا، وحَصَّلَ الأُصُولَ، والكُتُبَ النَّفِيسَةَ، ونَسَخَ الأَجْزَاءَ، وعُنِيَ بِهَذا الشَّأنِ أَتَمَّ عِنَايَةٍ، ومِنَ الذينَ سَمِعَ مِنْهُم فيِ بَلَدهِ: الإمَامُ المُحِدِّثُ الثِّقَةُ مُسْنِدُ أَصْبَهَانَ أَبو عَبْدِ الله مُحمَّدُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ جَعْفَرٍ اليَزْدِيُّ الجُرْجَانِيُّ، المُتَوفَّى سنة (٤٠٨)، والإمَامُ الحَافِظُ الثَّبْتُ أَبو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ مُوسَى بنِ مَرْدُوْيه الأَصبَهَانيُّ، صاحِبُ التَّصَانِيفِ كالتَّفْسِيرِ وغَيْرِه، المُتَوفَّى سنةَ (٤١٠)، والمُحَدِّثُ الثِّقَةُ أَبو سَعِيدٍ مُحمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ عَمْرو بنِ مَهْدِيٍّ النَّقّاشُ الحَنْبَلِيُّ الأَصبَهَانيُّ، المُتَوفَّى سنةَ (٤١٤)، والمُحَدِّثُ الثِّقَةُ الحَافِظُ أَبو بَكْرٍ مُحمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَبْد الرَّحْمَنِ الهَمْدَانِيّ الذَّكْوَانِيُّ الأَصْبَهَانيُّ، المُتَوفَّى سنةَ (٤١٩)، والمُحَدِّثُ الصَّالِحُ المُسْنِدُ الثِّقَةُ أَبو الحُسَينِ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحمَّدِ بنِ الحُسَين الخَرْجَانيُّ، نَزِيلُ أَصْبَهَانَ، المُتَوفَّى سنةَ (٤٢٠)، والمُحَدِّثُ الثِّقَةُ عَلِيُّ
[ المقدمة / ٢٧ ]
بنُ يَحْيى بنِ جَعْفَرٍ، أَبو الحَسَنِ بن عَبْدِ كَوَيْه الأَصْبَهَانِيُّ، المُتَوفَّى سنةَ (٤٢٢)، والمُحَدِّثُ الثَّبْتُ أَبو بَكْرٍ مُحمَّدُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ أَحْمَدَ الأَرْدَسْتَانِيُّ الأَصبَهَانِيُّ، المُتَوفَّى سنةَ (٤٢٧)، والمُحَدِّثُ الهَيْثَمُ بنُ مُحمَّدِ بنِ عَبْدِ الله بنِ مُحمَّدِ بنِ الحَسَنِ أَبو أَحْمَدَ الخَرَّاطُ الأَصبَهَانِيُّ، المُتَوفَّى سنةَ (٤٢٧)، والمُحَدِّثُ الثِّقَةُ المُقْرِئ اللُّغَوِيُّ أَبو بَكْرٍ مُحمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أَحْمَدَ بنِ القَاسِمِ بنِ المَرْزُبَانَ بنِ شَاذَانَ الأَصبَهَانِيُّ، يُعْرَفُ بأَبِي شَيْخٍ، المُتَوفَّى سنةَ (٤٣١)، والمُحَدِّثُ المُسْندُ المُعَمَّرُ أَبو القَاسِمِ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ بنِ مِهْرَانَ المَدِيْنِيُّ الأَصْبَهَانِيُّ الصَحَّافُ، المُتَوفَّى سنةَ (٤٣٥)، والعَالِمُ الأَدِيبُ مُسْنِدُ العَصرِ مُحمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أَحْمَدَ بنِ إبْرَاهِيمَ التَّاجِرُ الأَصْبَهَانِيُّ، المَشْهُورُ بابنِ رِيْذَه، كانَ رَاوِيةَ كُتُبِ الطَّبَرانِيِّ عنهُ، وتُوفِّى سنةَ (٤٤٠) عنْ أَرْبَعٍ وتِسْعِينَ سنةً، والمُحَدِّثُ الحَسَنُ بنُ مُحمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ أَحْمَدَ بنِ يُوسُفَ بنِ يَوَه المَدِيْنِيُّ الأَصبَهَانِيُّ اللُّنْبَانِيُّ، كانَ رَاوِيةً لِكُتُبِ ابنِ أَبي الدُّنْيَا.
كَمَا أَنَّ أَبا القَاسِمِ لمْ يَكْتَفِ بالسَّمَاعِ مِنْ هَؤُلاَءِ العُلَمَاءِ وغَيرِهم، وإنَّما كَانَ -بِمُسَاعَدِة أَبيهِ- يُرَاسِلُ العُلَمَاءَ المَشْهُورِينَ، ويَكْتُبُ إليهِم في أَمْصَارِهِم، فقدْ رَوَى عَنِ الإمَامِ العَلَّامَةِ زَاهِرِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحمَّدِ بنِ عِيسَى، أَبو عَلِيٍّ السَّرْخَسِيُّ، وكانَ فَقِيهَ خُرَاسَانَ، وشَيْخَ القُرَّاءَ والمُحَدِّثينَ، تُوفيِّ سنةَ (٣٨٩)، فِيمَا كَتَبَ إليهِ مِنْ سَرْخَس، ولمَّا يَتَجَاوَزُ مِنَ العُمُرِ سَبْعَ سِنِينَ، وكَتَبَ إليه مِنْ بَغْدَادَ المُحَدِّثُ الثِّقَةُ أَبو بَكْرٍ مُحمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحمَّدٍ الخيَّاطُ المُقْرِىءُ، المُتَوفَّى سنةَ (٤٦٧).
واسْتَمرَّ أَبو القَاسِمِ في سَمَاعِ الحَدِيثِ ورِوَايتِهِ عَنْ شُيُوخِ بَلَدِه بِعَزِيمْةٍ قَوِيَّةٍ،
[ المقدمة / ٢٨ ]
وهِمَّةٍ عَالِيةٍ حَتَّى انْتَهَى مِنْ سَمَاعهِ لأَكْثَرِ عُلَمَاءِ بَلَدِه، ومِنَ القَادِمينَ إليهَا مِنَ الغُرَبَاءِ، ثُمَّ تَطَلَّعتْ نَفْسُهُ إلى الرِّحْلَةِ لِلِقَاءِ الشُّيُوخِ الكِبَارِ أَصحَابِ الأَسَانِيدِ العَالِيةِ، والرِّوَاياتِ الكَثِيرَةِ، فَسَافرَ وطَافَ البِلَادَ، والْتَقَى بالعُلَمَاءِ وجَالَسَهُم.