كَانت الرِّحْلَةُ لِطَلَبِ الحَدِيثِ تَقْلِيدٌ مُتَّبَعٌ مِنْ لَدُنِ الصَّحَابةِ الكِرَامِ، إلى عَهْدِ الأَئِمَّةِ الأَعْلَامِ، فَرُوَاةُ الحَدِيثِ لم يَكُونُوا يَقْنَعُونَ بأَخْذِ العِلْمِ عَنْ أَهْلِ بَلَدِهِم، بَلْ كَانُوا يَرْحَلُونَ إلى الأَمْصَارِ والحَوَاضِرِ العِلْميَّةِ.
وللرِحْلَةِ أَهَمِّيتَانِ: أَهَمِّيةٌ يَجْنِيهَا المُحَدِّثُ لِنَفْسِه، وأَهَمِّيَةٌ تَجنِيهَا الأُمَّةٌ بِسَببِه: فالأُولىَ: تَتَمثَّلُ في نَيْلِ أَجْرِ الرِّحْلَةِ في طَلَبِ الحَديث وثَوَابِهَا، قالَ الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ: (ونَحْنُ مُعْتَقِدُونَ اعْتِقَادًا لَا يَدْخُلُه شَكَّ أنًّ الطَّالِبَ للحَديِثِ مُثَابٌ عَلى طَلَبهِ ثُمَّ أَسْنَدَ إلى وَكِيعِ بنِ الجَرَّاح قَوْلَهُ: لَو أنَّ الرَّجُلَ لمْ يُصَبْ في الحَدِيثِ شَيْئًا إلَّا أنَّهُ يمْنَعُهُ مِنَ الهَوَى كانَ قَدْ أصَابَ فِيهِ وأَسْنَدَ أَيْضًا إلى زَكَرِيَّا بنِ عَدِيٍّ أنَّهُ رأَى عَبْدَ الله بنَ المُبَارَكِ فقالَ لَهُ: مَا فَعَلَ بكَ رَبُّكَ؟ فأَجَابَ: غَفَرَ لي بِرِحْلَتِي في الحَدِيثِ) (١).
وأَمَّا الأَهَمِّيةُ الثَّانِيَةُ: فَهِيَ التِّي حَدَّدَها الإمَامُ إبْرَاهِيمُ بنُ أَدْهَمَ الزَّاهِدُ العَابِدُ بِقَوْلهِ: (إنَّ الله يَدْفَعُ البَلَاءَ عَنْ هَذِه الأُمَّةِ بِرِحْلَةِ أَصْحَابِ الحَدِيثِ)، وهَذا البَلَاءُ الذِي تحَدَّثَ عنهُ هُو بَلَاءُ الجَهْلِ ورَفْعُ العِلْمِ، فإذا عَمَّ الجَهْلُ ورُفِعَ العِلْمُ (اتَّخَذَ النَّاسُ
_________________
(١) شَرَفُ أصحاب الحديث للخطيب البغدادي ص ٦٠، و١٠٩.
[ المقدمة / ٢٩ ]
رُؤُوسًا جُهَّالًا فَأفْتُوا بِغَير عِلْمِ فَضَلُّوا وأَضَلُّوا)، كمَا جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ (١).
ولِدَرْء كُلِّ هَذا سَنَّ صَحَابةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ومَنْ بَعْدَهُم مِنَ التَّابِعينَ لَهُم بإحْسَانِ الرِّحْلَةَ لِتَحْصِيلِ الحَدِيثِ، وطَلَبِ عُلُوِّ الإسْنَاد في المَرْوِياتِ، وهذا المَقْصَدُ مِنْ أَهَمِّ دَوَاعِي الرِّحْلَةِ، فيَتَمكَّنُ مِنْ مُلَاقَاةِ الشُّيُوخِ والرِّوَايةِ عَنْهُم مُبَاشَرةً دُونَ وَسَائِطَ، قالَ الإمَامُ مُحمَّدُ بنُ طَاهِرٍ المَقْدِسيُّ: (اعْلَمْ أنَّ طَلَبَ العُلُوِّ مِن الحَدِيثِ مِنْ عُلُوِّ هِمَّةِ المُحَدِّثِ، ونُبْلِ قَدْرِه، وجَزَالةِ رأْيهِ، وقدْ وَرَد في طَلَبِ العُلُوِّ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ ثُمَّ قالَ: فَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ النَّقْلِ عَلَى طَلَبِهِم العُلُوَّ ومَدْحِه، إذ لو اقْتَصَرُوا على سَمَاعهِ بِنُزُولٍ لم يَرْحَلْ أَحَدٌ مِنْهُم، ثُمَّ وَجَدْنا الأَئِمَّةَ المُقْتَدَى بِهِم في هذا الشأنِ سَافَرُوا الآفاقَ في سَمَاعهِ ولو اقْتَصَرُوا على النُّزُولِ لَوَجدَ كُلُّ وَاحِدِ مِنْهُم بِبَلَده مَنْ يُخْبُره بذلكَ الحَدِيثِ) (٢).
وجَمَعَ شَيْخُنَا العَلَّامَةُ عَبْدُ الَفَتَّاحِ أَبو غُدَّةَ رَحِمَهُ الله تَعَالىَ نمَاذِجَ جَلِيلَةً مِمَّا لَقِيَهُ عُلَمَاءُ الحَديثِ مِنْ شِدِّة ولأوْاءٍ في رِحْلَاتِهِم لِتَكُونَ حَافِزًا للنُفُوسِ، وتَقْوِيةً للهِمَمِ، ومِمَّا قَالَهُ غَفَر الله لنا ولهُ: (فإذا نَظَر المُتَبَصِّرُ في هذه الرِّحْلَاتُ التي كَانُوا
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٣٦٧٣)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأوله: (إِن اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بغَير علْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)، وقوله (رؤوسا) قال النووي: (ضبطناه في البخاري (رؤوسا) بضم الهمزة والتنوين جمع رأس، وضبطوه في مسلم بوجهين أحدهما هذا والثاني (رؤساء) جمع رئيس وكلاهما صحيح، والأول أشهر) شرح صحيح مسلم ١٦/ ٢٢٤.
(٢) كتاب (مسألة العلو والنزول في الحديث) لمحمد بن طاهر المقدسي ص ٥١، و٥٤، وللخطيب البغدادي كتاب مشهور بعنوان (الرحلة في طلب الحديث) ذكر فيه آداب الرحلة، ومقاصدها، وفوائد أخرى تتعلق. بمعاناتهم وما لقوه من شدائد وأهوال، ﵃ وجزاهم عن الإِسلام خير الجزاء.
[ المقدمة / ٣٠ ]
يَقُومُونَ بِها- وَهُم كَمَا عَرَفْنا مِنَ الفَقْرِ، وشَظَفِ العَيْشِ، وصُعُوبةِ وَسَائِلَ السَّفَرِ والارْتحَالِ أَدْرَكَ عُلُوَّ هِمَمِهِم في الصَّبرْ والتَّحَمُّلِ، وعَلِمَ غَلَاءَ العِلْمِ لَدَيْهِم وعَلَى قُلُوبِهِم، إذ رَكِبُوا في تحْصِيلهِ الصَّعْبَ والذَّلُولِ، وقَطَعُوا البَرارِي والقِفَارَ، وامْتَطُوا مِنْ أَجْلِهِ المَخَاطِر والبِحَارِ، ولَقُوا مَا لَقُوا مِنَ الشَّدَائدِ والأَهْوَالِ مَا الله به عَلِيمٌ ) (١).
وبعد هَذِه المُقَدِّمة لأَهَمِّيةِ الرِّحْلَةِ في طَلَبِ الحَدِيث أَذْكُر ما قَامَ به الإمَامُ أَبو القَاسِمِ ابنُ مَنْدَه مِنْ رِحْلَات عِلْمِيَّةِ، فإنَّهُ لمَّا بَلَغَ الثَّالِثةَ والعِشرينَ مِنْ عُمُرهِ -وكانَ قد اسْتَوْفَى قِسْطًا مُهِمًّا مِن العَلْم على شُيُوخِ بَلَده أَصْبَهَانَ ومَا يُجَاوِرُها ومِنَ القَادِمينَ عَلَيْهَا- عَزَم على طَلَبِ المَزِيدِ، ومجُالَسةِ أَعْيَانِ العُلَمَاءِ.
وكانتْ مَرَاكِزُ العِلْمِ مُنْتَشرِةً في طُولِ العَالِم الإسْلَامِيِّ وعَرْضهِ، والعُلَمَاءُ والمُحَدِّثُونَ والفُقَهَاءُ مُنْتَشِرُونَ في كَافَّةِ الأَصْقَاعِ، ولَكِنَّ الإشْعَاعَ كَانَ يَنْتَشرُ مِنْ مَرَاكِزَ اسْتَطَاعتْ أنْ تَسْتَقْطِبَ أَهْلَ العِلْمِ في الحَدِيثِ والرِّوَايةِ وغَيرها، واشْتَهَرت فيها حَلَقَاتُ التَّدْرِيسِ والسَّمَاعِ والإقْرَاءِ، وكانتْ بَغْدَادُ آنذاكَ مِنْ أَشْهَرِ المَرَاكِزِ العِلْميَّةِ التي كانَ يَتَوجَّهُ إليها الطَّلَبةُ، فَهِي كَمَا وَصَفَها بَعْضُ الأُدَبَاءِ: (كانتْ جنَّةَ الأَرْضِ، ومَدِينةَ السَّلَامِ، وقُبَّةَ الإسْلَامِ، ومجْمَعَ الرَّافِدَيْنِ، وغُرَّةَ البِلَاد، وعَينْ العِرَاقِ، ودَارَ الخِلَافةِ، ومجْمَعَ المَحَاسِنِ والطَّيِّبَاتِ، ومَعْدَنَ الظَّرَائِفِ واللَّطَائِفِ، وبِهَا أَرْبَابُ الغَايَاتِ في كُلِّ فَنٍّ، وآحَادُ الدَّهْرِ في كُلِّ نَوْعٍ) (٢).
_________________
(١) ينظر: (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل) ص ١٠٨.
(٢) ينظر: معجم البلدان ١/ ٤٦٧.
[ المقدمة / ٣١ ]
وعَلَى الرَّغْمِ مِنْ تَدَنيِّ نُفُوذِهَا السِّيَاسِي إلى مُسْتَوى كَبِيرٍ -في بعض الأزمان- فَقَد حَافَظتْ عَلى دَوْرِها الرِّيَادِي، حَيْثُ ظَلَّتْ تجذِبُ طَلَبةَ الحَدِيثِ والفِقْه وبَقِيَّةِ العُلُومِ، ولمْ يَسْتَطِعْ أَيٌّ مِن المَرَاكِزِ الأُخْرَى في ذَلِك الوَقْت مِثْل مِصْرَ والشَّامِ والحِجَازِ، وبُلْدَانٍ أُخْرَى في خُرَاسَانَ وبِلَادِ مَا وَرَاءِ النَّهْرِ أنْ تَنَالَ مِنْ أَهَمِّيةِ بَغْدَادَ ودَوْرِهَا.
وقدْ عُرِفَ عَنْ أَهْلِ بَغْدَادَ أَنَّهُم أَرْغَبُ النَّاسِ في طَلَبِ الحَدِيثِ، وأَشَدُّهُم حِرْصا عَلَيْهِ وأَكْثَرهُم كَتْبًا له، قالَ الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ -وَهُو مُعَاصِرٌ لأَبي القَاسِمِ ابنِ مَنْدَه-: (وأَهْلُ بَغْدَادَ مَوْصُوفُونَ بِحُسْنِ المَعْرِفةِ، والتَّثَبُّتِ في أَخْذِ الحَدِيثِ وآدَابهِ، وشِدَّةِ الوَرَعِ في رِوَايتِهِ، اشْتُهِرَ ذَلِكَ عَنْهُم وعُرِفُوا به، حَتَّى قالَ إسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيَّةَ: (ما رأَيْتُ أَحْسَنَ رَغْبَةً في طَلَبِ الحَدِيثِ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ)، وقالَ سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ: (شُبَّانُ البَغْدَادِيينَ أَوْرَعُ أَو خَير مِنْ شُبَّانٍ مِنَ البَصْرَةِ والكُوْفَةِ)، وهذا قَالَهُ سُفْيَانُ مَعَ صحَّةِ رِوَايةِ البَصْرِيينَ الذينَ مَا زَالُوا بالتَّحَفُّظِ والوَرَعِ مَعْرُوفِينَ، وأَمَّا أَهْلُ الكُوْفَةِ، وأَهْلُ خُرَاسَانَ أَيْضًا فَلَهُم مِنَ الأَحَادِيثِ المَوْضُوعَةِ، والأَسَانِيدِ المَصْنُوعَةِ نُسُخٌ كَثِيرَةٌ، وقَلَّ مَا يُوجَدُ -بِحَمْدِ الله- في محُدِّثي البَغْدَادِيينَ مَا يُوجَدُ في غَيْرِهم مِنَ الاشْتِهَارِ بِوَضْعِ الحَدِيثِ والكَذِبِ في الرِّوَايةِ اخْتِصَاصًا لَهُم وتَوْفِيقًا مِنَ الله الكَرِيم، ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ والله ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ) (١).
_________________
(١) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ١/ ٤٣ - ٤٤ بتصرف.
[ المقدمة / ٣٢ ]
وقدْ رَحَلَ أَبو القَاسِمِ إلى بَغْدَادَ سنة (٤٠٦)، وَهِيَ أَوَّلُ سَفْرَةٍ في طَلَبِهِ للعِلْمِ (١)، فَسَمِعَ فِيها مِنَ الإمَامِ الصَّالِحِ الثِّقَةِ الحُسَيْنِ بنِ الحَسَنِ بنِ مُحمَّدِ بنِ القَاسِمِ الغَضَائِرِيِّ البَغْدَادِيِّ (ت ٤١٤)، وسَمِعَ بِها أَيْضًا مِنْ أَبي مُحمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، المَعْرُوفِ بابنِ البَيِّعِ (ت ٤٠٨)، وعَبْدِ اللهِ بنِ يَحْيى بنِ عَبْدِ الجَبَّارِ السُّكَّرِيِّ (ت ٤١٧)، وأَبي الحَسَنِ أَحْمَدَ بنِ مُحمَّدَ بنِ الصَّلْتِ الأَهْوَازِيِّ (ت ٤٠٩)، وأَبي عُمَرَ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ مُحمَّدِ بنِ مَهْدِيٍّ (ت ٤١٠)، وهِلَالِ بنِ مُحمَّدٍ الحفَّارِ (ت ٤١٤) (٢).
وسَمِعَ بِوَاسِطَ مِن ابنِ خَزَفةَ عَلِيِّ بنِ مُحمَّدِ بنِ عَلِيِّ الوَاسِطيِّ (ت ٤٠٩) وغَيْرِهم (٣).
وحَجَّ حَجَّاتٍ، فَسَمِعَ بِمَكَّةَ مِنْ أَبي الحَسَنِ بنِ جَهْضَمٍ الهَمَذَانِيِّ (ت ٤١٤)، وابنِ نَظِيفٍ الفَرَّاءِ المَصْرِيِّ (ت ٤٣١)، وأَبي أُسَامةَ الهَرَوِيِّ المُقْرِئ وجَمَاعةٍ (٤).
وارْتحَلَ أَيْضا إلى نَيْسَابُورَ (٥)، وسَمِعَ فِيها المُحَدِّثَ الثِّقَةَ أَبا سَعِيدٍ مُحمَّدَ بنَ
_________________
(١) الرسالة للدقاق، الورقة (٢١)، والسير ١٨/ ٣٥٠.
(٢) السير ١٨/ ٣٥٠.
(٣) السير ١٨/ ٣٥٠، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ١/ ٥٥ (وفيه: ابن خزيمة، وهو خطأ).
(٤) الرسالة للدقاق، الورقة (٢٢)، والسير ١٨/ ٣٥٠.
(٥) نَيْسَابُور -بفتح أوله وسكون ثانيه- مدينة مشهورة في إيران، وتقع علي بعد (٩٠) كيلا من مدينة مَشْهَد عاصمة خُرَاسَانَ الحالية، وكانت من أَحْسَنِ مُدن خُرَاسانَ وأَعْظَمِها، واشتهرت بنشاطها العِلْميِّ من أواسط القرن الثاني للهجرة، واستمرتْ حَتَّى حَمْلة التتار سنة (٦١٨) بقيادة جِنْكِيزخان حيث تمكن هو وجنوده من قتل كل من فيها، وخَرَّبوها حتى أَلْحَقُوها بالأرض، وقد جَمعَ الإِمام الحاكم محمَّد بن عبد الله النيسابوري المتوفى سنة (٤٠٥) تاريخ علمائها، ولم يصلنا هذا الكتاب، ولكن بقى منه مخْتَصرٌ، طُبع قَدِيْما بالفارسية، ثم طبع مؤخرا باللغة العربية، وله تكملة بعنوان (السياق لتاريخ نيسابور) للإمام عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي المتوفى سنة (٥٢٩)، وقد فُقِد أيضا، إلا أنه وصلنا منتخب منه، وقد طبع.
[ المقدمة / ٣٣ ]
مُوسَى بنِ الفَضْلِ بنِ شَاذَانَ الصَّيرْفيَّ النَّيْسَابُورِيَّ، المتوفَّى سنةِ (٤٢١)، والإمَامَ الحَافِظَ المُصَنِّفَ أَبا بَكْرٍ أَحْمَدَ بنَ عَلِيِّ بنِ مُحمَّدِ بنِ إبْرَاهِيمَ بنِ مَنْجُويه الأَصبَهَانِيِّ، نَزِيلَ نَيْسَابُورَ، المُتَوفَّى سنة (٤٢٨)، وسَمِعَ فِيها أَيْضًا الإمَامَ المُحَدِّثَ الجَلِيلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ حَمْدانَ النَّصْرَويِي النَّيْسَابُورِيَّ، المُتَوفَّى سنةَ (٤٣٣)، والمُحَدِّثَ مُحمَّدَ بنَ عَبْدِ الله بنِ أَحْمَدَ الرِّزْجَاهِيَّ، وسَمِعَ فِيها أَيْضًا الإمَامَ الحَافِظَ مُسْنِدَ خُرَاسَانَ أَبا بَكْرٍ أَحْمَدَ بنَ الحَسَنِ الحِيْرِيَّ الشَّافِعيَّ قَاضِي القُضَاةِ (ت٤٢١)، ولكنْ قالَ الذَّهَبِيُّ: (مَا رَوَى عنهُ لا هو ولا أَبو إسْمَاعِيلَ الأَنْصَارِيُّ لأَشْعَرِيَّتهِ) (١).
_________________
(١) السير ١٨/ ٣٥٠. قلت: كان أبو بكر الحِيري هذا شيخ خُراسان عِلْما ورئَاسةً وعلو إسناد، وكان إماما مصنفا عارفا بمذهب الشافعى، وعدم رواية أبي القاسم بن منده عنه لا تضره، فإن الخلاف بينهما إنما هو خلاف يسوغ فيه الاجتهاد وإبداء الرأي، ولا يعارض قاطعا من الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، وعلى طالب العلم أن يترفّع عن الخلافات التي تحدث بين العلماء، فإن لأقوالهم محامل، ومَن كثُرت حسناته وعظُمَت، وكان له في الإِسلام تأثيرٌ ظاهر فإنه يحتمل منه ما لا يحتمل لغيره، ويُعفى عنه ما لا يعفى عن غيره، ولهذا قال رسول الله ﷺ لعمر في حاطب بن أبي بلتعة في قصته المشهورة: (وما يدريك لعلَّ الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وللإمام ابن القيم كلام نفيس في هذا الموضوع حيث قال في كتابه إعلام الموقعين ٣/ ٢٨٣: ( ومن له علمٌ بالشرع والواقع يعلم قطعًا أنّ الرجل الجليل الذي له في الإِسلام قَدمٌ صالح وآثارٌ حسنة، وهو من الإِسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلّة هو فيها معذورٌ، بل مأجورٌ لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتّبع فيها، ولا يجوز أن تُهدر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين)، وما أحلى قول الإِمام تاج الدين السبكي وهو يتحدث عن الخلاف بين الإِمام أحمد وبين الإِمام الزاهد الحارث المحاسبي، فقال في طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٢٧٨: (ينبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض إلا إذا أتى ببرهان واضح، ثم إن قدرت على التأويل، وتحسين الظن فدونك، وإلا فاضرب صفحا =
[ المقدمة / ٣٤ ]
وارْتحَل إلى مَرُو (١)، فَسَمِعَ بِهَا مُحمَّدَ بنَ أَحْمَدَ بنِ الحُسَيْنِ بنِ عَلِىِّ بنِ مَهْدِي الكُرَاعِيَّ.
كَمَا ارْتحَلَ إلى بَلْخٍ (٢)، وكانَتْ حَاضرَةً عِلْميَّةً مَشْهُورَةً، فَسَمِعَ فِيها مِنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بنِ مُحمَّدٍ العَاصِميَّ.
_________________
(١) = عما جرى بينهم، فإنك لم تخلق لهذا، فاشتغل بما يعنيك، ودع ما لا يعنيك، ولا يزال طالب العلم عندي نبيلا حتى يخوض فيما جرى بين السلف الماضين ويقضى لبعضهم على بعض، فإياك ثم إياك أن تصغى إلى ما اتفق بين أبى حنيفة وسفيان الثوري، أو بين مالك وابن أبي ذئب، أو بين أحمد بن صالح والنسائي، أو بين أحمد بن حنبل والحارث المحاسبى وهلم جرا إلى زمان الشيخ عز الدين بن عبد السلام والشيخ تقى الدين بن الصلاح، فإنك إن اشتغلت بذلك خشيت عليك الهلاك، فالقوم أئمة أعلام، ولأقوالهم محامل، ربما لم يفهم بعضها، فليس لنا إلّا الترضي عنهم، والسكوت عما جرى بينهم، كما يفعل فيما جرى بين الصحابة ﵃).
(٢) مرو: من أشهر مدن خراسان، قال ياقوت الحموي في معجم البلدان ٥/ ١١٤: (أقمتُ بها ثلاثة أعوام، فلم أجد بها عَيْبا، ولولا ما عَرَا من وُرود التتر إلى تلك البلاد وخَرَابِها لمَّا فارقتها إلى الممات، لما في أهلها من الرَّفْد، ولِين الجانب، وحسن العِشْرَة، وكَثْرة كُتُب الأصول المتقنة بها، فإنِّي فارقتها وفيها عَشْرُ خَزَائن للوقف، لم أر في الدنيا مثلها كثرة وجودةً، منه خِزَانتان في الجامع، إحداهما يقال لها العَزِيزيِّة وكان فيها اثنا عشر ألف مجلد أو ما يقاربها، والأخرى يقال لها الكَمَاليِّة وخزانة نظام الملك الحسن بن إسحاق في مدرسته، وخزانتان للسمعانيين، وخزانة أخرى في المدرسة العميديَّة، وخزانة لمجد الملك أحد الوزراء المتأخرين بها، والخزائن الخاتونية في مدرستها، والضميرية في خانكاه هناك فكنت أرتع فيها، وأقتبس من فوائدها، وأنساني حُبُّها كل بلد، وأَلْهَاني عن الأهل والولد، وأكثر فوائد هذا الكتاب وغيره مما جمعته فهو من تلك الخزائن الخ)، والنسبة إليها مروزي على غير القياس، وقد أخرجت من الأعلام ما لم تُخرج مدينة مثلهم، وقد انقطع أثرها بعد خروج التتار، وتقع مرو الآن في جمهورية تركمانستان.
(٣) بَلْخ -بفتح الباء وسكون اللام- مدينة مشهورة في خراسان، تقع اليوم في شمال أفغانستان، قريبة من مدينة مَزَار شَرِيف المعروفة، وكانت من أعظم المدن، قال السمعاني في الأنساب ١/ ٣٨٨: (فتحها الأحنف بن قيس التَّمِيمى، من جهة عبد الله بن عامر بن كُرَيْز، زمن عثمان بن عفان ﵁، خرج منها عالم لا يحصى من العلماء والأئمة والمحدثين والصلحاء قديما وحديثا)، وقال الذهبي في كتاب الأمصار ذوات الآثار ص ٨٦: (صار بها علماء في أواخر المائة الثانية ثم نقص ذلك وتلاشى).
[ المقدمة / ٣٥ ]
وارْتحَلَ إلى دِينَورَ (١)، فَسَمِعَ فِيها مِنْ مُحمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَلِيِّ بنِ مَمُّويه المُقْرِئ (ت ٤١٤).
وارْتحَل إلى الأَهْوَازِ، فَسَمِعَ فِيها مِنَ الفَقِيه عَلِيِّ بنِ عُمَرَ بنِ العبَّاسِ الشَّافِعيِّ. وسَافَر إلى الحِجَازِ، وهَمَذَانَ، وشِيرَازَ -عَاصِمةِ محُافِظَةِ فَارِسَ- وخُرَاسَانَ وغَيْرِها، وسَمِعَ مِنْ مَشَايِخِها.
_________________
(١) دِيْنَوَر -بكسرالدال المهملة، وسكون الياء، وفتح النون والواو- بلدة بخراسان، قال عنها السمعاني فى الأنساب ٢/ ٥٣١: (كان بها جماعة من العلماء المحدِّثين والمشايخ المشاهير)، وتقع دِيْنَوَر اليوم غربى إيران بالقرب من هَمَذَان.
[ المقدمة / ٣٦ ]