أَخْبَرنا أَبي ﵀، أَخْبَرنا أَحْمَدُ بنُ مُحمَّد بنِ زِيَادٍ، مُحمَّد بنُ يَعْقُوبَ قالَا: حدَّثنا عبَّاسُ بنُ مُحمَّدٍ الدُّورِيُّ، حدَّثنا بِشرُ بنُ مُحمَّد أَبو أَحْمَدَ السُّكّرِيُّ، حدَّثنا عبدُ المَلِكِ بنُ وَهْبٍ المَذْحَجِيُّ، عَنِ [الحُرِّ] بنِ اَلصّيَّاحِ النَّخَعِيُّ (٤)، عَنْ
_________________
(١) رواه لوين في جزئه (١) عن حُدَيج بن معاوية به. وعنه: البغوي في الجعديات (٢٥٧٤)، ورواه البخاري في مواضع ومنها (٣٤١٩)، ومسلم (٢٠٠٩) بإسنادهما إلى أبي إسحاق السبيعي به.
(٢) رواه لوين (٢) عن الحسن بن محمَّد بن أعين به. وعنه البغوي في الجعديات (٢٥٧٤). وهو في صحيح مسلم في الموضع المتقدم
(٣) ما بين المعقوفتين من حاشية الأصل.
(٤) جاء في الأصل: (الحسن) وهو خطأ، وانظر ترجمته في: تهذيب الكمال ٥/ ٥١٤.
[ ١ / ٨٢ ]
أَبي مَعْبَدٍ الخُزَاعِيُّ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ لَيْلَةَ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ هُو وأَبو بَكْرٍ، وعَامرُ بنُ فُهَيرةَ مَولى أَبي بَكْرٍ، ودَلِيلُهُم عَبْدُ اللهِ بنُ أُرَيْقِطٍ اللَّيْثِيُّ فَمَرُّوا بِخَيْمَتِيّ أُّمِّ مَعْبَدٍ الخُزَاعِيَّةِ، وكَانَتْ امْرأَةً بَرْزَةً جَلْدَةً، تحتَبِي وتجلِسُ بِفِنَاءِ الخَيْمَةِ، وتُطْعِمُ وتَسْقِي، فَسَأَلُوهَا لحمًا وتمرًا فَلَمْ يُصِيبُوا عِنْدَها شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فإذَا القَوْمُ مُرْمِلُونَ، فَقَالتْ: لَوْ كَانَ عِنْدَنا شَيءٌ مَا أَعْوَزَكُم القِرَى، فَنَظَر رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إلى شَاةٍ في كَسْرِ خَيْمَتِهَا، فقالَ: مَا هَذِه الشَّاةُ يا أُم مَعْبَدٍ؟ فَقَالتْ: شَاةٌ خَلَفَها الجَهْدُ عَنِ الغَنَمِ، فقالَ: هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟، قالَتْ: هِي أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ، قالَ: تأْذَنيِنَ أَنْ أَحْلَبْهَا؟ قَالَتْ: نَعَم بأَبى أَنْتَ وأُمِّي، إنْ رأَيْتَ بِهَا حَلْبًا فَأَحْلَبْهَا، فَدَعا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بالشَّاةِ فَمَسحَ ضِرْعَهَا وذَكَر اسْمَ اللهِ ﷿، وقالَ: اللَّهُمَّ، بَارِكْ لَهَا في شَاتِهَا، فَتَفَاجَّتْ ودَرَّتْ واجْتَّرَتْ، فَدَعا بإنَاءٍ لَهَا يُرْبِضُ الرَّهْطَ، فَحَلَبَ فيهِ ثَجًّا حتَّى عَلَتْهُ الثُّمَالُ، ثمَّ حَلَبَ وسَقَا أَصْحَابَهُ فَشَرِبُوا حتًّى رَوُوا وشَرِبَ آخِرَهُم، وقالَ: سَاقِي القَوْمَ آخِرُهُم، فَشَرِبُوا جَمِيعًا عَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ حَتَّى أَرَاضُوا، ثُمَّ حَلَبَ فيهِ ثَانِيًا عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ، فَغَادَرَهُ عِنْدَها، ثُمَّ ارْتَحلُوا عَنْهَا، فَقَلَّ مَا لَبِثَتْ أَنْ جَاءَ زَوْجُهَا أَبو مَعْبَدٍ يَسُوقُ أَعْنَزًا عِجَافًا هُزْلًا مُخُّهُنَّ قَلِيلٌ لا نِقْىَ بِهِنَّ، فَلَمَّا رأَى اللَّبَن قالَ: مِنْ أَيْنَ لَكم هَذا والشَّاءُ عَازِبَةٌ؟ قالَتْ: لَا وَالله، إلَّا أنَّهُ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ كانَ مِنْ حَدِيثه كَيْتَ وكَيْتَ، قالَ: والله إنِّي لأَرَاهُ صَاحِبَ قُرَيْش الذي تَطْلُبُ، صِفِيهِ لي يا أُمَّ مَعْبَدٍ؟ قاَلتْ: رأَيْتُ رَجُلًا ظَاهِرَ الوَضاءَةِ، مُتَبلِّجَ الوَجْهِ، حَسَنَ الخَلْقِ، لمْ تَعِبْهُ ثُجلَةٌ، ولَمْ تُزْرِ بِه صَعْلَةٌ، وسَيِمٌ، قَسِيمٌ، في عَيْنِيْه دَعَجٌ، وفي أَشْفَارِه وَطَفٌ، وفي صَوْتهِ صَحَلٌ، أَحْوَرُ، أَكْحَلُ، أَزَجُّ، أَقْرَنُ، في عُنُقِهِ سَطَعٌ، وفي لحيَتِهِ كَثَاثَةٌ، إذا صَمَتَ فَعَليْهِ الوَقَارُ،
[ ١ / ٨٣ ]
وإنْ تَكَلَّمَ سَمَا وعَلَاهُ البَهَاءُ، كأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزاتِ نَظْمِ يَتَحَدَّرْنَ، فَصْلٌ، لَا نَزْرٌ ولَا هَذَرٌ، أَزْهَرُ اللَّوْنِ وأَجْمَلُهُ مِنْ بَعِيدٍ، وأَحْلَاهُ مِنْ قَرِيبٍ، رَبْعَةٌ، لا يَشْنَؤُه مِنْ طُولٍ، ولا تَقْتَحِمُهُ عَينٌ مِنْ قِصَرٍ، غُصْنٌ بينَ غُصْنَينِ، فَهُو أَنْضَرُ الثَّلَاثةِ مَنْظَرًا، وأَحْسَنُهُم قَدْرًا، لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ بهِ، إنْ قَالَ اسْتَمَعُوا لِقَوْلهِ، وإنْ أَمَر تَبَادَرُوا إلى أَمْرِه [محْفُودٌ] (١) محشُودٌ، لا عَابِسٌ ولا [مُفَنَّدٌ] (٢)، قالَ: هَذا واللهِ صَاحِبُ قُرَيْشٍ الذي ذُكِرَ لَنا مِنْ أَمْرِه مَا ذُكِرَ، ولَو كُنْتُ وَافَقْتُهُ لَالْتَمَسْتُ أنْ أَصْحَبَهُ، ولأَفْعَلَنَّهُ إنْ وَجَدْتُ إلى ذَلِكَ سَبِيلًا.
وأَصْبَحَ صَوْتٌ بمَكَّةَ بينَ السَّمَاءِ والأَرْضِ يَسْمَعُونَهُ ولا يَرَوْنَ مَنْ يَقُولُه، وهُو يَقُولُ:
جَزَى اللهِ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائهِ رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ
هما نزَلَا بالبِرِّ وارْتَحَلا به فَأْفَلَحَ مَنْ أَمَسَى رَفِيقَ مُحمَّدِ
فَيَالَ قصيٍّ مَا زَوَى اللهِ عَنْكُمُ به مِنْ فِعَالٍ لا تُجازَى وسُؤْدُدِ
سلوا أُخْتَكُم عَنْ شَاتِهَا وإنَائِهَا فَإنَّكُم إن تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدِ
دعاها بِشَاةٍ حَائِلٍ فَتَحلَّبَتْ لَهُ بِصَريحٍ ضَرَّةُ الشَّاةِ تَشْهَدِ
فغادرها رَهْنَا لَدَيْهَا لحَالِبٍ [يرددِّهَا] (٣) فيِ مَصْدَرٍ ثُمَّ مَوْرِدِ
_________________
(١) جاء في الأصل: (محفوف) وهو خطأ، والمحفود هو الذي يخدمه أصحابه ويعظمونه ويسرعون في طاعته، النهاية ١/ ٤٠٦.
(٢) جاء في الأصل: (مفنج) وهو خطأ، والمفند هو الذي لا فائدة في كلامه لكبر أصابه، النهاية ٣/ ٤٧٥.
(٣) جاء في الأصل: (بجرتها) وهو خطأ، والتصويب من المصادر.
[ ١ / ٨٤ ]
فأَصْبَحَ النَّاسُ قدْ فَقَدُوا نَبِيَّهُم فأَخَذُوا عَلَى خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ حَتَّى لَحِقُوا النبيَّ - ﷺ - فأَجَابهُ حَسَّانُ فقالَ:
لَقَدْ خَابَ قَوْمٌ زَالَ عنهم نَبِيُّهُم وقُدِّسَ مَنْ يَسرِي إليهِ ويَغْتَدِي
تَرَحَّلَ عَنْ قَوْمٍ فَزَالتْ عُقُولُهُم وحَلَّ علَى قوْمٍ بِنُورٍ مُجدَّدِ
وهل يَسْتَوِي ضُلَّالُ قَوْمٍ تَسَفَّهُوا عَمًى وَهُدَاةٌ يَهْتَدُونَ بِمُهْتَدِ
نَبِيُّ يَرَى مَا لَا يَرَى النَّاس حَوْلَه ويَتْلُوا كِتَابَ اللهِ في كُلِّ مَشْهَدِ
وإنْ قَالَ في يوم مَقَالَة غَائِبٍ فَتَصِيقُهَا في ضَحْوةِ اليومِ أَو غَدِ
لِيَهْنِ أبا بَكْرٍ سَعادَةُ جَدِّه بِصُحْبَتِهِ مَنْ يُسْعِدِ اللهِ يَسْعَدِ
لِيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مكان فتَاتِهِمْ ومَقْعَدُها للمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ
قالَ عَبْدُ المَلِكِ: بَلَغَنِي أنَّ أُمَّ مَعْبَدٍ أَسْلَمتْ وهَاجَرتْ (١).
أَخْبَرنا أَحْمَدُ بنُ عَلِىٍّ الأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرنا إبْرَاهِيمُ بنُ عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرنا مُحمَّدُ بنُ إسْحَاقَ السَّراجُ، حدَّثنا يُوسُفُ بنُ مُوسَى، حدَّثنا وَكِيعٌ، عَنْ إسْرائِيلَ، عَنْ سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵁: ﴿كنتُمْ خَيرْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قالَ: هُم الذينَ هَاجَرُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ
_________________
(١) رواه ابن عساكر في تاريخه ٣/ ٣١٦ بإسناده إلى ابن منده عن شيخيه أحمد بن محمَّد بن زياد، ومحمد بن يعقوب به، وحديث أم معبد رواه أيضا: ابن سعد في الطبقات ١/ ٢٣٠، والبخاري في التاريخ الكبير ٢/ ٨٤، والحاكم في المستدرك ٣/ ١٢، والخطيب البغدادي في تاريخه ٧/ ٣٠٦، بإسنادهم أبى أحمد السكري به، وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٤/ ٤٧٢: وقصتها [يعني قصة أم معبد] مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضا. وينظر تفسير الألفاظ الغريبة في غريب الحديث لابن قتيبة ١/ ٤٦٢، وتهذيب الكمال للمزي ١/ ٢٢٣.
[ ١ / ٨٥ ]
مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ (١).
أَخْبَرنا مُحمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّزَاقِ، أَخْبَرنا جَدِّي، حدَّثنا أَحْمَدُ بنُ عَمْرو بنِ عَبْدِ الخَالِقِ، حدَّثنا بِشْرُ بنُ آدمَ، حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ مُحمَّد الزُّهْرِىُّ، حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عِمْرَانَ، حدَّثنا عَمِّي، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي سَلَمةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبيهِ ﵁ قالَ: نَزَلَ الإسْلَامُ بالكُرْهِ والشِدَّةِ، فَوَجَدْنا خَير الجَزَاءِ في الكُرْهِ، خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ مَكَّةَ فأَسْكَنَنا سَبْخَةً بينَ ظَهْرَانيْ حَرَّةٍ، فَجَعلَ اللهِ ﵎ لَنَا في ذَلِكَ العَلَا والظَّفَرِ (٢).