أَخْبَرَنا أَحْمَدُ بنُ عَلِيٍّ الأَصبَهَانِيُّ بِنَيْسَابُورَ، أَخْبَرنا إبْرَاهِيمُ بنُ عَبْدِ الله الأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرنا مُحمَّدُ بنُ إسْحَاقَ السَّراجُ، حدَّثنا سَعِيدُ بنُ يَحْيَى الأُمُويُّ، حدَّثني أَبي، حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ إسْحَاقَ، عَنْ مُحمَّدِ بنِ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُوَيْمِ بنِ سَاعِدَةَ قالَ: لمَّا سَمِعْنا بِمَخْرَجِ رَسُولِ الله - ﷺ - كُنَّا نَخْرُجُ في كُلِّ غَدَاةٍ إلى ظَهْرِ الحَرَّةِ حتَّى تَسْتَوِي الشَّمْسُ ويَقْلُصُ عَنَّا الظَّلَالَ، قالَ: حَتَّى إذا كانَ اليومَ الذي قَدِمَ فيهِ رَسُولُ الله - ﷺ - جَلَسْنَا كَمَا كُنَّا نجلِسُ حتَّى أَيِسْنَا منهُ ورَجَعْنَا إلى البِيُوتِ حِينَ اسْتَوتِ الشَّمْسُ إذ طَلَعَ رَسُولُ الله - ﷺ -، فكَانَ أَوَّلَ مَنْ رآه رَجُلٌ مِنْ يَهُودٍ، فَدَخَلَ القَرْيةَ وَهُو يَصِيحُ: يا بَنِي قِيلَةَ، قدْ
_________________
(١) تقدم تخريج الحديث، ص ٨٦.
[ ١ / ١٦٦ ]
جَاءَكُم جَدُّكْم، قالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ، وأَنَاخَ رَسُولُ الله - ﷺ - إلى عِذْقٍ، ومَعَهُ أَبو بَكْرٍ ﵁، حَتَّى أَصَابَت الشَّمْسُ رَسُولَ الله - ﷺ - قامَ أَبو بَكْرٍ ﵁ فأَظَلَّهُ بِرِدَائهِ، فَعَرفَ النَّاسُ رَسُولَ اللهِ، ونَزَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في بَنِي عَمْرو بنِ عَوْفٍ، فأَقَامَ بِهَا ثلَاثَ لَيَالٍ، وأَسَّسَ رَسُولُ الله - ﷺ - المَسْجِدَ، وبَنُو عَمْرو بنِ عَوْفٍ يَقُولُونَ: إنَّهُ قدْ أَقَامَ فِيهِم أكثَر مِنْ ذَلِكَ، وكانَ رَسُولُ الله - ﷺ - وأَصحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ في بيتِ سَعْدِ بنِ خَيْثَمَةَ، وكانَ مخْرَجُ رَسُولِ الله - ﷺ - بعدَ العَقَبةِ شَهْرَيْنِ ولَيَالٍ، وبُويِعَ في أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ في ذِي الحِجَّةِ، وخَرَجَ لإهْلَالِ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ فَقَدِمَ المدينةَ يَوْمَ الاثْنَين لِثِنْتَيْ عَشَرةَ مَضَتْ منهُ، فقالَ في ذَلِكَ صِرْمَةُ بنُ أَبي أَنَسِ بنِ مَالِكِ بنِ عَدِيِّ بنِ عَامِرِ بنِ غَنْمِ بنِ عَدِيِّ بنِ النَّجّارِ، وكَانَ يُكْنَى أَبا قَيْسٍ، وكانَ يَذْكُرُ شأْنَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ومَا لَقِيَ مِنْ قَوْمهِ بِمَكَّةَ:
ثَوَى بِمَكَّةَ بضْعَ عَشْرَةَ حَجَّةً يُذَكِّرُ لَو يَلْقَى خَلِيلًا مُوَاتِيا
ويَعْرِضُ في أَهل المَوَاسِمِ نَفْسَهُ فَلَمْ يَرَ مَنْ يُؤْوِي ولم يَرَ دَاعِيا
فَلَمَّا أَتَانا واسْتَقَرَّت به النَوَى وأَصبَحَ مَسْرُورًا بطَيْبَةَ رَاضِيا
وأَصْبَحِ لا يَخْشَىِ عَدَاوَةَ وَاحدٍ قَرِيب ولا يَخْشَى مِنَ النَّاس نَائِيا
بذَلْنَا لهُ الأَمْوَال مِنْ حِلِّ مَاَلِنَا وأَنْفسَنا عندَ الوَغَى والتَّآسِيا
أَقُولُ إذا صَلَّيْتَ فيِ كُلِ بَيْعَةٍ حَنَانَيْكَ لا تُظْهِرْ عليَّ الأعَادِيا
أَقُولُ إذا جَاوَزتُ أرْضًا مُخوفَةً نَهَارًا على اسْمِ الإلهِ وسَارِيا
فَطَأ مُعْرِضًا إنَّ الحُتُوفَ كَثِيرَةٌ وإنَّكَ لا تُبْقِيَ لِنَفْسِكَ بَاقِيا
قالَ: وصِرْمَةُ الذي نَزَلَ فيهِ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [سورة البقرة، الآية:١٨٧] وذَلِكَ أنَّهُ نَامَ ولمْ يُفْطِرْ، ولمْ
[ ١ / ١٦٧ ]
يَذُقْ إلى مِثْلِها مِنَ القَابِلَةِ (١).
أَخْبَرنا أَبي ﵀، أَخْبَرنا مُحمَّدُ بنُ عُمَرَ بنِ حَفْصٍ، حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ شَاذَانُ، حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ، حدَّثنا أَبِى، قالَ: سَمِعْتُ مُحمَّدَ بنَ إسْحَاقَ، قالَ: وبَلَغَنا أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لمَّا قَدِمَ المَدينَةَ قالَتْ لَهُ أَحْبَارُ يَهُودٍ: بَلَغَنا يا مُحمَّدُ أَنَّ فِيمَا تَلَوْتَ حِينَ سأَلَكَ قَوْمُكَ عَن الرُّوحِ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٨٥] فإيَّانا أَرَدْتَ بِها أَو قَوْمَكَ؟ قالَ: كُلَّا أُرِيدُ بِهَا، قَالُوا: أَو لَيْسَ فِيمَا تَتْلُوا إنَّا أُوتِينَا التَّوْرَاةَ فِيهَا بَيَانُ كُلِّ شَيءٍ؟ قالَ: بَلَى فَالْتَوْرَاةُ في عِلْمِ اللهِ ﵎ قَلِيلٌ وَهِي عِنْدَكُم كَثِيرٌ مجزِيٌّ فيهِ، فَيُذْكَرُ واللُّه أَعْلَمُ أنَّ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ نَزَلتْ عندَ ذَلِكَ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَاتِ [سورة لقمان، الآية:٢٧] (٢).
قالَ: حدَّثني يَزِيدُ بنُ أَبي حَبِيبٍ، عَنْ مَرْثَدِ بنِ عَبْدِ الله اليَزَنِّي، عَنْ أَبي أُمَامَةَ البَاهِليِّ، عَنْ أَبي أَيُّوَبَ ﵄ قالَ: لمَّا نَزَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَيَّ قُلْتُ: بأَبي وأُمِّي أَنْتَ، إنِّي أَكْرَهُ أنْ أَكُونَ فَوْقَكَ وتَكُونَ أَسْفَلَ مِنِّي، فقالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إنَّ أَرْفَقَ بِنا أنْ نَكُونَ في السُّفْلِ لِمَا يَغْشَانا مِنَ النَّاسِ، فَلَقَدْ رأَيْتُ جَرَّةً لَنا انْكَسرَتْ فأُهْرِيقَ مَاؤُهَا، فَقُمْتُ أَنا وأُمُّ أَيُّوبَ بِقَطِيفَةٍ لَنا مَا لَنا لحِافٌ غَيرهَا
_________________
(١) رواه ابن إسحاق بإسناده إلى عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة عن رجال من قومه الأنصار، كما نقله عنه ابن الأثير في أسد الغابة ٣/ ٥٠١، والأبيات جاءت في سيرة ابن هشام ص ٤٣٩، وكتاب الآحاد لابن أبي عاصم النبيل ٢/ ٧٦، ٢/ ٦٠٣، وأسد الغابة لابن الأثير ٣/ ١٩.
(٢) رواه ابن إسحاق ص ٢٠٤ بنحوه.
[ ١ / ١٦٨ ]
نُنَشِّفُ بِها الماءَ فَرَقًا مِنْ أَنْ [يَصِلَ] (١) إلى رَسُولِ الله - ﷺ - مِنْها شيءٌ يُؤْذِيهِ، وكُنَّا نَصْنَعُ لَهُ طَعَامًا فإذا رَدَّ مَا بَقِيَ فيهِ يمْمَنا مَوْضِعَ أَصَابِعِه فأَكَلْنَا مِنْهَا نُرِيدُ بِذَلِكَ البَركَةَ، فَرَدَّ عَلَيْنَا عَشَاءَهُ لَيْلَةً -وكُنَّا جَعَلْنَا فيهِ ثُومًا أَو بَصَلًا- فَلَمْ نَرَ فيهِ أَثَرَ أَصَابِعهِ، فذَكَرْتُ لَهُ الذي كُنَّا نَصنَعُ والذي رأَيْنَا مِنْ رَدِّه الطَّعَامَ لم يأْكُلْ منهُ، فقالَ: إنِّي وَجَدْتُ فيهِ رِيحَ هَذِه الشَّجَرةِ وأَنا رَجُلٌ أُنَاجَى فلَا أُحِبُّ أنْ يُوجَدَ مِنِّي رِيْحُهُ، وأَمَّا أَنْتُم فَكُلُوهُ (٢).
ثُمَّ [انْتَقَلَ] (٣) رَسُولُ الله - ﷺ - حِينَ فَرَغَ مِنْ مَسْجِدِه ومَسْكَنهِ.
قالَ: حدَّثني عَبْدُ الله بنُ أَبي بَكْرٍ، عَنْ يَحْيى بنِ عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَسْعَدَ بنِ زُرَارَةَ، عَنْ أُمِّ هِشَامِ بنتِ حَارِثةَ بنِ النُّعْمَانِ ﵂، أَنَّها قَالَتْ: كَانَتْ بُيُوتُ حَارِثةَ بنِ النُّعْمَانِ مَعَ بِيُوتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وكانَ بَيْتُ فَاطِمَةَ بنتِ رَسُولِ الله - ﷺ - لِحَارِثةَ بنِ النُّعْمَانِ، فَكُنَّا فِيهِ، فَلَقَدْ لَبِثْنَا سَنَتَينِ أَو بَعْضِ سَنةٍ وإنَّ تَنُّورَنا وتُنُّورَ رَسُولِ الله لَوَاحِدٌ، فَوَالله مَا أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ﴾ إلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ الله - ﷺ -، يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ علَى النَّاسِ إذا خَطَبَهُم (٤).
_________________
(١) جاء في الأصل: (يطل)، وما وضعته من معجم الطبراني، وفي بعض روايات الحديث: (يقطر).
(٢) رواه الطبراني في المعجم الكبير ٤/ ١١٩ بإسناده إلى محمَّد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب به. ورواه ابن إسحاق في السيرة كما في سيرة ابن هشام ص ٤٢٨ عن يزيد بن أبي حبيب عن مرثد عن أبى رهم السماعي عن أبي أيوب به.
(٣) جاء في الأصل: (انققل)، وهو خطأ، والتصويب من سيرة ابن هشام ص ٤٢٨.
(٤) رواه ابن سعد في الطبقات ٨/ ٤٤٢، وأحمد ٦/ ٤٣٥، ومسلم (٨٧٣)، والطبراني في المعجم الكبير ٢٥/ ١٤٢، والبيهقي في السنن ٣/ ٢١١ بإسنادهم إلى محمَّد بن إسحاق به.
[ ١ / ١٦٩ ]