أَخْبَرنا أَحْمَدُ بنُ مُوسَى بنِ مَرْدُوَيه، حدَّثنا أَبو بَكْرٍ مُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ بنِ مُحمَّدِ ابنِ زِيَادِ بنِ هَارُونَ النّقَّاشُ البَغْدَادِيُّ، حدَّثنا عِمْرَانُ بنُ مُوسَى، حدَّثنا عَمْرو ابنُ خَالِدِ، حدَّثنا ابنُ لَهَيْعَةَ، حدَّثنا أَبو الأَسْوَدِ مُحمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ نَوْفَلَ القُرَشِىُّ، عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ: ثُمَّ إنَّ المُشرِكِينَ اشْتَدُّوا على المُسْلِمِينَ كأَشَدِّ مَا كَانُوا، حتَّى بَلَغَ المُسْلِمِينَ الجُهْدُ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمُ البَلَاءُ، وعَمَدَ المُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ فأَجْمَعُوا أَمْرَهُم ومَكْرَهُم عَلَى أَنْ يَقْتُلُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَانِيَّةً، فَلَمَّا رأَى أَبو طَالِبٍ عَمَلَ القَوْمِ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فأَجْمَعَ لَهُم أَمْرَهُم عَلَى أَنْ يَدْخُلُوا بِرَسُولِ الله شِعْبِهِم ويَمنَعُوهُ مِمَّنْ أَرَادَ قَتْلَهُ، فاجْتَمَعُوا
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ٣٤٦ عن أبي أسامة عن أبي هلال -وهو الرَّاسبى- به.
[ ١ / ٦٨ ]
كُفَّارَهُمُ ومُسْلِمُهُم، مِنْهُم مَنْ فَعَلَهُ حَمِيًّة، ومِنْهُم مَنْ فَعَلَهُ إيمْانًا ويَقِينًا، فَلَمَّا عَرَفَتْ قُرَيْشُ أنَّ القَوْمَ قد اجْتَمَعُوا، ومَنَعُوا [الرُّسُولَ] (١) واجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ كُفَّارُهُم ومُسْلِمُهُم اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، فأجْمعُوا أَمْرَهُم عَلَى ألَّا يُجَالِسُوهُم، ولَا يُخَالِطُوهُم، ولَا يُبَايعُوهُم، ولا يَدْخُلُوا بِيُوتَهُم حتَّى يُسْلِمُوا رَسُولَ اللهِ للقَتْلِ، وكَتَبُوا بِمَكْرِهِم صَحيفَةً وعُهُودَا ومَوَاثيقَ ألَّا يَقْبَلُوا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَبَدًا صُلْحًا، ولا يأْخُذُوا بِهِم رأًفْةً، ولَا رَحْمَةً، ولَا هَوَادَةً حتَّى يَسْلِمُوا رَسُولَ الله للقَتْلِ، فَلَبِثَ بَنُو هَاشِمٍ في شِعْبهِم ثَلَاثَ سِنِينَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِم فِيهِنَّ البَلَاءُ والجُهْدُ، وقَطَعُوا عَلَيْهِم الأَسْوَاقَ، ولا يَتركُوا طَعَامًا يَدْنُو مِنْ مَكَّةَ، ولا بَيْعٌ إلَّا بَادَرُوا إليهِ لِيَقْتُلُهم الجُوعُ، يُرِيدُونَ أَنْ يَنَالُوا بِذَلِكَ سَفْكَ دَمِ رَسُولِ اللهِ، وكانَ أَبو طَالِبٍ إذا أَخَذَ النَّاسُ مَضْاجَعُهُم أَمَرَ رَسُولَ الله فأَتَى فِرَاشَهُ حتَّى يَرَاهُ مَنْ أَرَادَ بهِ مَكرًا أَو غَائِلَةً، فإذا نوَّمَ النَّاسُ أَخَذَ أَحَدَ بَنِيهِ، أَو إخْوَتهِ، أَو بَنِي عَمِّه فأَضْجَعَهُ علَى فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ، وأَمَرَ رَسُولَ اللهِ أنْ يأْتِي بَعْضَ فُرُشِهِم فَيرقُدُ عَلَيها، فَلَمَّا كانَ رأْسُ ثَلَاثِ سِنِينَ تَلَاوَمَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ورِجَالٌ مِنْ بَنِي قُصَيٍّ، ورِجَالٌ مِمَّن سِوَاهُم، وذَكَرُوا الذي وَقَعُوا فيهِ مِنَ القَطِيعَةِ، فأَجْمَعُوا أَمْرَهُم مِنْ لَيْلَتِهِم عَلَى نَقْضِ مَا تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ، والبَراءَةِ منهُ، وبَعَثَ الله ﵎ [عَلَى] (٢) صَحِيفَتِهِم التي فيها المَكْرُ بِرَسُولِ اللهِ الأَرَضَةَ، فَلَحَستْ كُلَّ شَيءٍ كانَ فِيهَا، وكَانَتْ مُعَلَّقَةً في سَقْفِ الكَعْبَةِ، وكانَ فِيهَا عَهْدُ اللهِ ﷿ وميثَاقُهُ، فَلَمْ تَترُكْ فِيهَا شَيْئًا إلَّا لحَسَتْهُ، وبَقِيَ فِيهَا مَا كَانَ
_________________
(١) جاء في الأصل: (الرسل) وهو خطأ.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
[ ١ / ٦٩ ]
مِنْ شِرْكٍ أَو ظُلْمٍ أَو بَغْي، فأَطْلَعَ الله ﷿ رَسُولَهُ على الذِي صُنِعَ بالصَّحِيفَةِ، [فَذَكَر ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم- لأَبي طَالِبٍ] (١)، فقالَ أَبو طَالِبٍ: لا، والثَّوَاقِبُ، مَا كَذَبَنِي، فانْطَلَقَ يَمشِي بِعِصَابةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ حتَّى أَتَى المَسْجِدَ وَهُو حَافِلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا رأَوْهُم أَتَوا بِجَمَاعةٍ أَنْكَرُوا ذَلِكَ، وظَنُّوا أَنَّهُم خَرَجُوا مِنْ شِدَّةِ البَلَاءِ، وأَتَوْهُم لِيُعْطُوُهم رَسُولَ اللهِ، فَتَكَلَّمَ أَبو طَالِبٍ فقالَ: قدْ حَدَثتْ أُمُورٌ بَيْنَكُم لم نَذْكُرْهَا لَكُم، فأْتُوا بِصَحِيفَتِكُم التِّي فِيهَا مَوَاثِيقُكُم، فَلَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ بَيْنَنا وبَيْنَكُم صُلْحٌ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَنْظُرُوا في الصَّحِيفَةِ قَبْلَ أنْ يأْتُوا بِهَا، [وبادَرَ اللَّعِينُ] (٢) أَنْ يأْتِيهِم بِحَدِيثِ رَسُولِ الله - ﷺ - الذي أَخْبَرهُ الله ﵎ به، فأَتَوْا بِصَحِيفَتِهِم مُعْجَبِينَ، لَا يَشُكُّونَ أنَّ الرَّسُولَ مَدْفُوعٌ إليهِم، فَوَضَعُوهَا بَيْنَهُم، وقَالُوا: قَدْ آنَ لَكُم أنْ تَقْبَلُوا وتَرْجِعُوا إلى أَمْرٍ يَجْمَعُ عَامَّتَكُم، ويَجْمَعُ قَوْمَكُم، لَا يَقْطَعُ ذَلِكَ بَيْنَنا وبَيْنَكُم إلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ جَعَلْتُمُوه [خَطَرًا] (٣) لِعَشِيرَتِكُم وفَسَادِكُم، فقالَ أَبو طَالِبِ: إنَّما أَتَيْتُكُم لِنُعْطِيكُم أَمْرَا فيه نَصَفٌ بَيْنِي وبَيْنَكُم، هَذه الصَّحِيفَةُ التي في أَيْدِيكُم، إنَّ ابنَ أَخِي أَخْبَرنيِ ولم يَكْذبْنِي، أنَّ الله ﵎ بَعَثَ عَلَيْهَا دَابَّةً فَلَمْ تَتركْ فِيهَا اسْمَا للهِ ﷿ إلَاَّ لحَسَتْهُ، وتَرَكَ فِيهَا غَدْرَكُم وتَظَاهَركُم عَلَيْنا بالظُّلْمِ، فإنْ كانَ الحَدِيثُ كَمَا يَقُولُ فأَفِيقُوا، فَوالله لا نُسْلِمُهُ حتَّى نمُوتَ مِنْ عِنْدِ آخِرِنا، وإنْ كانَ الذِي
_________________
(١) زيادة من كتب السيرة، ومنها: البداية والنهاية ٤/ ٢٠٩.
(٢) جاء في الأصل: (وبادروا العين) وهو خطأ، والصواب ما أثبته نقلا من كتاب دلائل النبوة لأبي نعيم.
(٣) زيادة من كتب السيرة، ومنها: دلائل النبوة لأبي نعيم.
[ ١ / ٧٠ ]
يَقُولُ بَاطِلًا دَفَعَنا إليكُم صَاحِبنَا، فَقَتَلْتُم أَو اسْتَحْيَيْتُم، فقَالُوا: قَدْ رَضِينَا بالذي تَقُولُ، فَفُتِحَتِ الصَّحِيفَةُ، فَوُجِدَ الصَّادِقُ المُصَدَّقُ قدْ أَخْبَر خَبَرها قَبْلَ أَنْ تَفْتُحَ، فَلَمَّا رأَتْهَا قُرَيْشٌ كالذي قالَ أَبو طَالبٍ، قَالُوا: والله، مَا كَانَ هَذا إلَّا سِحْرٌ مِنْ صَاحِبكُم، وانْتَكَسُوا وعَادُوا لِشَرِّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِم، والشِّدّةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وأَصْحَابه ورَهْطِهِ، والقِيَامِ عَلَى مَا تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ، فقالَ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ: إنَّ أَوْلىَ بالكَذِبِ والسِّحْرِ غَيرنَا، فكَيْفَ تَرَوْنَ فإنَّا نَعْلَمُ أنَّ الذي اجْتَمَعْتُم عَلَيْهِ مِنْ قَطِيعَتِنَا أَقْرَبَ للجِبْتِ والسِّحْرِ، ولَوْلَا الذي اجْتَمَعْتُم عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ لمْ تَفْسُد الصَّحِيفَةُ، وَهِي في أَيْدِيكُمْ، فَمَا كانَ لله ﷿ مِن اسْم هُو فِيهَا طَمَسهُ، ومَا كَانَ مِنْ بَغِيٍّ تَرَكَهُ في صَحِيفَتِكُم، أَفَنَحْنُ السَّحَرةُ أَم أنْتُم، فَنَدِمَ المُشركُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ ذَلِكَ، وقالَ رِجَالٌ: مِنْهُم أَبو البَخْتَرِيِّ، وَهُو العَاصُ بنُ هَاشِمِ بنِ الحَارِثِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبْدِ العُزَّى بنِ قُصَيٍّ، ومِنْهُم: المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ، و[هِشامُ] (١) بنُ عَمْرو أَخُو بَنِي عَامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، وكَانَت الصَّحيفَةُ عِنْدَهُ، وزُهَير بنُ أُمَيَّةَ، وزَمْعَةُ بنُ الأَسْوَدِ بنِ المُطَّلِبِ ابنِ أَسَدِ بنِ عَبْدِ العُزَّى بنِ قُصَيٍّ في رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، ولَدَتْهُم نِسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ كَانُوا قدْ نَدِمُوا على الذي صَنَعُوا، [فقالُوا] (٢): نَحْنُ بُرَآءُ مِنْ هَذِه الصَّحِيفَةِ، فَلَمَّا أَفْسَدَ الله ﷿ صَحِيفَةَ مَكْرِهِم خَرَجَ رَسُولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم- ورَهْطُهُ فَعَاشُوا وخَالَطُوا النَّاسَ (٣).
_________________
(١) جاء في الأصل: (هاشم) وهو خطأ.
(٢) جاء في الأصل: (فقال)، وهو خطأ مخالف للسياق.
(٣) رواه أبو نعيم في دلائل النبوة (٢٠٥) من طريق عمرو بن خالد به. وله طرق أخرى، ينظر: البداية والنهاية ٤/ ٢٠٧.
[ ١ / ٧١ ]