لقد رأيت كيف حفلت هذه الفترة الصغيرة، التي لا تزيد عن قرن إلا بقليل، بتلك الكثرة من العلماء على مختلف ألوانهم.
يعزو الدارسون ذلك إلى أن من ولى خلافة «بغداد» في تلك الفترة كانوا من الخلفاء العلماء، فرغبوا في العلم وأحسنوا وفادة أهله وشجعوهم عليه، فانتعشت بغداد بمن فيها وبمن وفد إليها، وأصبحت ميدانا لحركة علمية فكرية واسعة.
ويكتب لهذه الحركة: أن تبلغ أوجها على يدي المأمون، ويكون المأمون نفسه على رأس تلك الحركة عالما يشارك العلماء الرأى، ويأخذ معهم في الحديث.
ويسود العصر لون من التسامح الفكرى يشجع العلماء والمفكرون في ظله على القول، فكان لذلك أثره الكبير في ظهور الفرق الكلامية، واحتدام الجدل بينها.
ولقد كان أكثر الخلفاء تسامحا المأمون «١» . فظهر في هذا العصر نفر من جلة العلماء ورءوس المتكلمين أوغلوا في البحث معتمدين على العقل، مخالفين بما يقولون ما عليه علماء المسلمين.
ونشأ هذا الخلاف أوّل ما نشأ في البصرة، ثم عداها إلى بغداد، حمل لواءه واصل بن عطاء، ثم عمرو بن عبيد- الّذي قرّبه المنصور إليه- ثم أبو الهذيل العلاف، والنظام، والمريسي بشر بن غياث، والجاحظ، وثمامة بن أشرس، من شيوخ الاعتزال.
[ ٥١ ]
ومضى الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة يتسع، حتى توّج أخيرا بتلك المشكلة التي مال فيها المأمون إلى رأى المعتزلة- وهي مشكلة خلق القرآن- تلك المشكلة التي شغلت المأمون أكثر مما شغلت المتكلمين، وعنّي بها المأمون نفسه كما عنّي بها المسلمين، ووقف يناصب العداء كل من خالفه، ويسومه سوء العذاب «١» .
ومن بعد «المأمون» يجيء «المعتصم»، فيتورّط فيما تورط فيه أخوه «المأمون»، ويجيء «الواثق» فيمضى فيما مضى فيه أبوه «المعتصم» وعمه «المأمون» .
واستمرت هذه المحنة حتى ملها الواثق، وودّ لو وجد لنفسه منها مخرجا، حتى إذا ما جاء المتوكل (٢٤٧ هـ) أمر بأن يخلّى بين الناس وبين ما يرون.
وإلى جانب هاتين المدرستين الكلاميتين- مدرسة المعتزلة ومدرسة أهل السنة اللتين قسمتا الناس فئتين- كانت تقوم مدرستان أخريان، لا في علم الكلام، ولكن في شيء آخر أهون، لا يثير خلافا، لا يجر أذى في الأنفس ولا ضررا للأبدان، هما مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة، اللتان اشتغلتا بالنحو.
وكان لكل مدرسة من هاتين المدرستين رأيها في النحو، ولكل رأى أتباعه وأشياعه.
وكانت مدرسة البصرة هي المدرسة الأولى، وعلى رأسها: أبو الأسود، وابن أبى إسحاق الحضرميّ، وعيسى بن عمر الثقفي، وهارون بن موسى.
[ ٥٢ ]
ثم جاء الكوفيون من بعدهم فقلدوهم في شيء وخالفوهم في شيء، وقامت المناظرة بين البلدين، وصار لكل منهما مذهب.
وعلى الرغم من تقدم مدرسة البصرة وسبقها، فقد ظهرت عليها مدرسة الكوفة، وذلك لمناصرة خلفاء بغداد لهم، وتفضيل أساتذة هذه المدرسة الكوفية على أساتذة تلك المدرسة البصرية، فلقد اختار هؤلاء الخلفاء لأولادهم: الكسائي، والفراء، والمفضل الضبيّ، والشرقي بن القطامي وكلهم من المدرسة الكوفية.
ولقد رأينا المأمون يتحامل على سيبويه في المناظرة التي عقدها بينه وبين الكسائي «١» .
هذا إلى أنه لما عمرت «بغداد» توافد الناس إليها من كل حدب وصوب، فريق يطلب الكسب، وفريق تستهويه الحياة العلمية والفكرية، وفريق يطلب حياة الترف فإذا «بغداد» معترك يشارك فيه إلى جانب العربيّ: الفارسي، والرومي، والنّبطى، والتركي، والصيني، والهندي، والبربري، والزنجي. وفيهم:
المسلم، والنصراني، واليهودي، والصابئي، والسامري، والمجوسي، والبوذى، وغيرهم.
وهؤلاء لا شك قد حملوا إلى «بغداد» ألوانا من الفكر والثقافة، سرعان ما انتفعت بها «بغداد» وأثرت فيها.
[ ٥٣ ]
وصحبت هذا رغبة الخلفاء في نقل العلوم والفنون إلى اللغة العربية، فبدأ «المنصور» يعتنى بنقل كتب النجوم والطب، ويجيء «الرشيد» فينقل في أيامه كتاب المجسطي. ثم يظل عصر «المأمون» فتتسع حركة النقل في أيامه. وكان أكثر هؤلاء النقلة من السريان النساطرة، لأنهم كانوا أقدر على الترجمة من اليونانية، وكان أشهرهم: آل بختيشوع، وآل حنين، وقسطا بن لوقا، وغيرهم.
وكان أشهر النقلة من الفارسية إلى العربية: ابن المقفع، والفضل بن نوبخت، وموسى ويوسف: ابنا خالد، وكثير غيرهم «١» .
ومن الذين نقلوا عن اللغة السنسكريتية (الهندية): منكة الهندي، وابن دهن.
ومن الذين نقلوا عن اللغة النبطية (الكلدانية): ابن وحشية، نقل كتبا كثيرة.
أهمها: كتاب الفلاحة النبطية.
ولقد بلغ عدد الكتب التي نقلت في تلك الحقبة القصيرة بضع مئات.
هذا هو العصر الّذي أقبل عليه ابن قتيبة والّذي شارك فيه: عصر نزاع ديني.
وعصر نزاع نحوي، وعصر علوم مختلفة وثقافات متعددة. وكان بعيدا أن يعيش رجل مثل «ابن قتيبة» بمعزل عن هذا وذاك، بل كان لا بدّ أن يتأثر به وينغمس فيه.
ولكنّا قبل أن نصل الحديث بابن قتيبة نحب أن نمهد له بشيء عنه.
[ ٥٤ ]