وقد جهدت في أن أجمع لهذا الكتاب أصوله الخطية ما وسعني الجهد، لا أستثنى تلك المخطوطات التي اعتمد عليها وستنفيلد، فإذا بين يدي منها:
١: ب- خطية كتبها يوحنا بن يوسف بمدينة مرسيليا نقلا عن أصل آخر لم يذكره إلا أنه قال: «المتضرع إلى من يقرأ هذا الكتاب، وإلى من يطلع على ما يحويه من الخطأ ألا ينسب إليه ما يجده من الغلط والتحريف، لأن جميع ذلك موجود في الأصل المنقول. والظاهر أن كاتبه جاهل قليل العلم فالتزم محرر الأحرف أن ينقل مما وجد ويثبت مما عاين، لأنه ما وقع على نسخة ثانية» «١» .
فهو قد كفانا بكلمته هذه أن يدل على ما في النسخة من خطأ وتحريف. غير أنه فاته أن يشير إلى شيء آخر له خطره، دخل على النسخة فأضعف الثقة بها.
ففي النسخة نقول من كتب أخرى مختلفة متأخرة، كانت لا شك أولا أشبه شيء بالتّحشية والتعليق، فإذا هي على مر الأيام تكون في متن الكتاب.
ففي الكتاب نقول عن ابن الجوزي، والنووي، والبلوى، وابن سيد الناس، ونقول عن غيره من المتأخرين أشرنا إليها في أماكنها من الكتاب. دست على الكتاب على أنها منه.
ولهذا كانت جناية هذه النسخة على كتاب «المعارف» كبيرة، فقد دست عليه هذا وغيره من عناوين مصطنعة، وأدعية، واستطرادات تحتاج إلى رويّة وبصر لتمييزها.
والمخطوطة متأخرة النسخ فقد كتبت في سنة ١٢٦٥ هـ بخط بين النسخ والرقعة، وهو واضح في جملته، وهي من مخطوطات المكتبة الأهلية بباريس، ورقمها ١٤٦٥ «٢»
[ ١٠١ ]
٢: ط- وهي من مخطوطات المكتبة الأهلية بباريس، رقمها (٤٨٣٣) .
وهي نسخة رديئة الخط، مليئة بالحواشي والتعليقات، مهملة التاريخ، مجهولة الكاتب.
وهي من غير شك الأصل الّذي نقل منه «يوحنا بن يوسف» كاتب النسخة الأولى التي رمزنا إليها بالحرف «ب» .
فهذه أصل والنسخة الأولى فرع. ليس بينهما من فروق جوهرية، ولكنا نجد هنا كلمات غمضت على الناسخ، فلم يستطع قراءتها ووجهها كما رأى.
ومن هنا جاءت الخلافات بين النسختين «١» .
٣: ق- وهي إحدى مخطوطتى دار الكتب المصرية، ورقمها ٣ تاريخ، من وقف المرحوم محمد بن محمود بن التلاميذ الشنقيطى.
مكتوبة بالخط النسخ القريب من التجويد، واضحة الحروف، ناطقة الكلمات، تكاد تكون أصح أصل وأسلمه. على هامشها بعض التصحيحات، ولعلها من تصحيحات الواقف، وبأوّلها هذه العبارة: «وقد حرر هذه النسخة المباركة من خط ابن المصنف رحمهما الله تعالى» «٢» .
وبآخرها ما يفيد أن نسخها تم سنة (١١٦٠) على يد كاتبها أحمد بن يونس «٣» .
٤: ل- وهي من مخطوطات المتحف البريطاني بلندن. وهي النسخة التي عرفناها من قبل، على أنها تحمل عنوانا مخالفا لإجماع النسخ.
وقد أشرنا إلى أنها قديمة خطها لا بأس به. وهي تحمل في حواشيها كثيرا من الحواشي التي جاءت في: ب، ط «٤» .
[ ١٠٢ ]
وهي في يقيني عن أصل مخالف، يقرب من الأصل الّذي أخذت عنه «ب»، «ط» في شيء، كما يقرب من الأصل الّذي أخذت عنه «ق»، «م» في شيء آخر.
[ ١٠٣ ]
فهي مع الأولى تتفق مع الأصلين في بعض الحواشي المنقولة ومع الثانية تتفق في الكلمات وتوجيهها.
[ ١٠٤ ]
٥: م- وهي النسخة الثانية لدار الكتب المصرية، ورقمها ٤٢٩ تاريخ.
وكانت في الأصل من وقف المدرسة الصديقية بحلب، وهي نسخة سقيمة الخط، بها طمس كثير، غير منتظمة الورق، كتبت في غير اتساق ولا عناية.
وهي على الرغم من هذا سليمة خالية من الحشو.
وأكاد أعد هذه النسخة فرع من نسخة الشنقيطى، فالاتفاق بينهما واضح، ولا فرق بينهما إلا فيما تخالف فيه نسخة نسخة وهي تنقل عنها.
وهذه النسخة تحمل في صفحتها الأولى عبارة منقولة عن كتاب «جلاء العينين في محاكمة الأحمدين» يعنى: ابن تيمية وابن حجر. لمؤلفه الآلوسي نعمان بن محمود بن عبد الله (١٣١٧ هـ) مما يدل على تأخر كتابتها عن سابقتها «١» .
٦: هـ- وهي نسخة ليدن، وهي واحدة من النسخ التي اعتمد عليها وستنفيلد، كتبت في أوائل القرن الحادي عشر الهجريّ، بقلم عبد القادر بن عبد الرحمن، وكان الفراغ منها في آخر شهر صفر من شهور سنة ١١٠٧ هـ «٢» .
٧: ونسخة فينا، وهي واحدة من النسخ التي اعتمد عليها وستنفيلد أيضا. وهذه النسخة والسابقة تقربان كثيرا من النسختين القاهريتين مما يدل على أنهما جميعا من أصل واحد «٣» .
وإليك شجرة تقريبية تبين صلة هذه النسخ بعضها ببعض «٤» .
..
[ ١٠٥ ]
وبعد:
فلقد كان الخلاف بين هذه النسخ بعيدا يحتاج إلى الرجوع إليها جملة مع كل كلمة- ولقد كانت النسخة المصرية الشنقيطية (ق) هي أقربها دائما إلى الصواب- كما قدمنا- تجد ذلك في إشارات كثيرة، كما كانت أبعدها من الحشو، وتخففا من الزيادات والعناوين الدخيلة المضطربة.
وما نشك أن الكتاب تعرّض لكثير من الفساد، نسخه الخطية ونسخه المطبوعة، وكان استخلاص هذا منه واستصفاؤه وتحريره شيئا يحتاج إلى الرجوع إلى الأصول، ثم إلى مراجع كثيرة.
وكان لا بد من شرح وتعليق يجلو كثيرا من مبهمات الكتاب ومشكلاته، كما كان أن لا بد من تعريف برجال السند لنستوثق من اتصال السند وأنه غير منقطع، وأنه لا تدليس فيه.
كما كان التعريف بغير رجال السند واجبا للتثبت منهم، ولتخليص أسمائهم من تحريف وقع فيها.
[ ١٠٦ ]
وقد خلّصت الكتاب من تلك الزيادات، التي قطعت بأنها دخيلة، وجعلتها في هامشه. وأما غيرها التي لم أقطع فيها برأي، وكانت تحتمل رأيين، فتركتها كما هي، مع الإشارة إلى ذلك.
ولم أهمل جهد «وستنفيلد» كما لم أهمل جهد الأستاذين: الصاوى وعثمان خليل. فلم يفتنى الاستئناس بالكتابين المطبوعين.
وقد جعلت نسخة وستنفيلد أصلا من الأصول رمزت إلى صفحاتها، وأغفلت الإشارة إلى الخلافات التي فيها، إذ كانت بين يدي الخطيات التي اعتمد عليها.
حتى إذا ما انتهيت من الكتاب معارضة ومراجعة وتحقيقا وتصويبا، توّجت هذا كله بفهرست جامع شامل ينتظم:
١- فهرس الموضوعات ٢- فهرس رجال السند ٣- فهرس الشعراء ٤- فهرس الأعلام ٥- فهرس القبائل ٦- فهرس الأماكن ٧- فهرس الأيام ٨- فهرس القوافي ٩- فهرس أنصاف الأبيات ١٠- فهرس الأمثال ١١- فهرس الآيات القرآنية ١٢- فهرس الكتب وإني لأرجو بعد هذا كله أن أكون قد وفقت إلى ما أرجو من إخراج كتاب المعارف في صورة سليمة صحيحة.
دكتور ثروت عكاشة
[ ١٠٧ ]
بسم الله الرّحمن الرّحيم