وبعد، فقد كانت لي ثمّة كلمة تتصل بالكتاب وصاحبه، جاء في المقدّمة منها شيء، وجاء فيها شيء لم تضمه المقدّمة، وهي بهذا الّذي جاء وذاك الّذي لم يجئ سيقت مساقا آخر يخالف هذا المساق الّذي قدّمت به للكتاب فلقد كانت تلك دراسة تاريخية عامة، وهذه دراسة تاريخية موضوعية تتناول الأولى البيئة في كل مظاهرها الثقافية، وتتناول هذه البيئة في مظهر واحد من تلك المظاهر، وهو الّذي يتصل بنهج كتاب «المعارف» وأمثاله.
وعلى حين لم تتناول الأولى جهد «ابن قتيبة» في مؤلفه هذا «المعارف» في شيء من التفصيل الناقد، تناولت هذه عمل «ابن قتيبة» في هذا التفصيل الناقد ثم لقد خلت الأولى من التعريف بمخطوطات حصلت عليها متأخرا، وضمّت هذه التعريف بتلك المخطوطات.
وهي بعد هذا كلمة قدّمت بها لعملي كله بين يدي اللجنة التي ناقشتنى رسالة الدكتوراه، أجملت وأضافت، ولخصت وأسهبت.
وقد رأيتها تتم عملا فلم أشأ أن أحرم هذا العمل من ضمها إليه، ورأيتها تضيف شيئا، فلم أشأ أن أحبسه عن القارئ ليشاركنى الرأى فيه.
وأنا على هذا لم أثبت ما كان منها تكرارا صريحا، واجتزأت بما كان منها جديدا أو يمهّد لجديد.
[ ١٠٨ ]
ومن الوفاء للعمل أن نطالع به الناس كاملا يستوعب كل ما كان حوله ما سبقه وما عاصره، وما جاء في إثر هذا وذاك، فكل عمل قطعة من التاريخ، وما أحوج التاريخ أن تجتمع له تلك القطع كاملة غير منقوصة.
وإليك هذه الكلمة مع هذا الإيجاز وتلك الإضافة.
(١) إن حاجة المكتبة العربية إلى الكتب الجامعة لألوان المعرفة، أشبه شيء بدوائر المعارف الميسّرة، لا تزال حاجة قائمة.
وقد أحسّ السلف هذا فكان لهم في هذا الميدان جهد موزّع جاء في الأكثر على صور جزئية، وفي القليل على صور دوائر معارف.
فكان لهم من تلك الصور الخاصة كتبهم التي أفردوها للرجالات:
أ- كان لهم في الشعر:
(١) طبقات الشعراء لمحمد بن سلام (٢٣٢ هـ) .
(٢) الشعر والشعراء لابن قتيبة. صاحب كتابنا هذا (٢٧٦ هـ) .
(٣) طبقات الشعراء لابن المعتز (٢٩٦ هـ) .
(٤) معجم الشعراء للمرزباني (٣٨٤ هـ) .
ب- وكان لهم كتب جمعوا فيها الأدباء عامة مثل:
(١) يتيمة الدهر للثعالبي (٤٢٩ هـ) .
(٢) دمية القصر للباخرزى (٤٦٧ هـ) .
(٣) نزهة الألباء بطبقات الأدبا (٥٥٧ هـ) .
[ ١٠٩ ]
(٤) خريدة القصر للعماد الأصفهاني (٥٩٧ هـ) .
(٥) إرشاد الأريب لياقوت (٦٢٦ هـ) .
ح- وكتبهم التي خصوها بالأعيان يجمعون فيها الأدباء والشعراء وغيرهم ممن كان لهم شهرة وصيت، مثل:
(١) وفيات الأعيان لابن خلكان (٦٨١ هـ) .
(٢) فوات الوفيات لابن شاكر (٧٢٤ هـ) .
(٣) أعيان العصر للصفدى (٧٦٤ هـ) .
د- وكتبهم التي أفردوها لطبقات الصحابة مثل:
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد (٢٣٠ هـ) .
(٢) الاستيعاب لابن عبد البر (٤٦٣ هـ) .
(٣) أسد الغابة لابن الأثير (٦٣٠ هـ) .
(٤) الإصابة لابن حجر (٨٥٢ هـ) .
هـ- وكتبهم التي ضمنوها تراجم القرّاء والفقهاء مثل:
(١) طبقات الفقهاء للشيرازى (٤٧٦ هـ) .
(٢) طبقات القرّاء المشهورين للذهبى (٧٤٨ هـ) .
(٣) طبقات القرّاء لابن الجزري (٨٣٣ هـ) .
ووكتبهم التي خصوها بطبقات المفسرين مثل:
(١) طبقات المفسرين للسيوطي (٩١١ هـ) .
(٢) طبقات المفسرين للداوديّ (حوالي ٩٤٥ هـ) .
[ ١١٠ ]
ز- وكتبهم التي خصوها بطبقات الأولياء، مثل:
(١) حلية الأولياء لأبى نعيم الأصبهاني (٤٣٠ هـ) .
(٢) الأنوار القدسية للشرنوبى (٩٩٤ هـ) .
ح- وكتبهم التي خصوها بالنحاة، مثل:
(١) إنباه الرواة للقفطى (٦٤٦ هـ) .
(٢) بغية الوعاة للسيوطي (٩١١ هـ) .
ط- وكتبهم التي أفردوها للحكماء والأطباء، مثل:
(١) إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطى (٦٤٦ هـ) .
(٢) عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبى أصيبعة (٦٦٨ هـ) .
ى- ثم كتبهم في طبقات رجال المذاهب، مثل:
(١) طبقات المالكية للقاضي عياض (٥٤٤ هـ) .
(٢) طبقات الشافعية الكبرى لعبد الوهاب السبكى (٧٧١ هـ) .
(٣) الجواهر المضية في طبقات الحنفية لابن أبى ألوفا القرشي (٧٧٥ هـ) .
(٤) طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ) .
وعلى هذا النحو في تلك الصور الخاصة ألفوا ما تكاد تتميز عندهم طبقة ويجمعها طابع واحد أو قريب من أن يكون طابعا واحدا، حتى يخصوها بكتاب أو أكثر.
ولكنهم أحسوا وهم يصدرون في تلك الناحية التي وفّوها الوفاء كله أن عليهم واجبا آخر لا يقل عن هذا شأنا، أحسوه في أنفسهم وأحسوه في أنفس الناس
[ ١١١ ]
من حولهم، وأنهم لا بدّ لهم وللناس من كتب جامعة تجمع تلك المعارف المتفرقة المبعثرة، فجدّوا يجمعون ما يستطيعون جمعه في كتيبات تمليها عليهم حاجاتهم التي أحسوها، وموضوعاتهم التي تعنيهم وتعنى البيئة من حولهم.
فكان لهم في هذا الميدان العام:
(١) المحبر لابن حبيب (٢٤٥ هـ) .
(٢) - المعارف- وهو كتابنا هذا.
(٣) لطائف المعارف للثعالبي (٣٨٣ هـ) .
(٤) مفاتيح العلوم للخوارزمي (٣٨٣ هـ) .
(٥) ألف باء للبلوى (٦٠٥ هـ) .
(٦) التعريفات للجرجانى (٨١٦ هـ) .
ولكن جهدهم في هذا الميدان العام كان لا شك جهدا مقصورا، لم يجمع ألوان المعرفة كلها، ولم يستقم ليكون أشبه بدوائر المعارف بمعناها الصحيح إلا أنه على الرغم من هذا كان جهدا سدّ فراغا وأفاد شيئا ما.
وقد أحس الخلف بنقص هذا المجهود، وحاولوا أن يستدركوا ما فات السلف، فتهيئوا لهذا العمل يحاولون أن يكملوا النقص على قدر ما يستطيعون، فكان لهم في ذلك كتب، مثل:
(١) المفردات لابن البيطار (٦٤٦ هـ) .
(٢) كشاف اصطلاح الفنون للتهانوي (القرن الثاني عشر الهجريّ) .
[ ١١٢ ]
وجاء في إثر هؤلاء رجال من المدرسة الحديثة يريدون أن يسدّوا الفراغ كله، فجدّوا في إخراج دوائر معارف جامعة، ولكنه كان مجهودا فرديا وكان العبء عليهم كثيرا، فوفقوا بعض الشيء، وكان لنا من هذه الدوائر:
(١) دائرة المعارف للبستانى (القرن الثاني عشر) .
(٢) دائرة المعارف لوجدى (القرن الثالث عشر) .
وهكذا نرى أن المكتبة العربية كانت غنية بتلك الكتب الخاصة، فقيرة من تلك الكتب العامة، على الرغم من قيمة تلك الكتب العامة ونفعها لأبناء الأجيال المتعاقبة التي عاشت عليها.
ومن سوء حظ المكتبة العربية أن هذه الكتب العامة لم يكتب لبعضها الظهور إلا في وقت متأخر.
فقد طبع كتاب «المحبر» لابن حبيب سنة ١٩٤٢ م بعناية مستشرقة ألمانية هي الآنسة «الزالشتن اشتيتر» .
ومن قبله طبع كتاب «المعارف» بعناية المستشرق وستنفلد سنة ١٨٥٠ م، كذلك طبع الكتاب «التعريفات» للجرجانى في باريس سنة ١٨٤٥ م، كما طبع كتاب «مفاتيح العلوم» للخوارزمي في ليدن سنة ١٨٩٥ م.
وكانت هذه الطبعات الأوربية من الندرة بمكان في الأسواق الشرقية، مما لفت بعض الناشرين إلى إعادة طبع بعضها، فطبع كتاب «المعارف» في مصر كما طبع كتاب «التعريفات» «وكتاب مفاتيح العلوم»، ولكنها طبعات للأسف لا تعين قارئا على القراءة فيها.
[ ١١٣ ]
وكان كتابا المحبر والمعارف عندي هما أغنى هذه الكتب بالمواد. وكان أوّلهما حديث عهد بالطبع، وكان ثانيهما قد مضى على إخراجه ما يربى على قرن. وكان أن توفّرت لدى منه نسخ خطية أخرى فاتت الزميل الكريم الراحل «وستنفلد» الّذي عنّي نفسه بإخراجه. وكانت هذه النسخ تستدرك كثيرا، وتشير إلى خلاف كثير.
من أجل هذا كله خصصت هذا الكتاب- أعنى كتاب «المعارف» - بجهدي، وفرغت أجمع له أصوله الخطية ما وسعني الجهد، لأخرجه في صورة جلية واضحة.
(٢) وفي ظل ذلك الإحساس العام الّذي أشرت إليه اتجه «ابن قتيبة» لتأليف هذا الكتاب يريد أن يجمع للناس تلك المعارف المختلفة التي يعنيهم أن يعرفوها، ويعنيهم أن يجدوها مجموعة في كتاب واحد.
وما نأخذ على «ابن قتيبة» أنه جمع شيئا وأهمل شيئا، بل علينا أن نناقشه ناظرين إلى حاجة العصر الّذي كان يعيش فيه.
فحاجة العصر الّذي كان يعيش فيه «ابن قتيبة» كانت تملى عليه أن يكون بين الناس مثل هذا الكتاب الجامع، الّذي يمكّن الكاتب من أن تتوفر له حصيلة علمية تاريخية أدبية، مجموعة مبوّبة.
وإن الشعور الّذي أملى على «ابن قتيبة» أن يؤلف كتابه «أدب الكاتب» ليبصّر الكاتب بما هو في حاجة إليه وما يجب عليه، هو الشعور الّذي أملى على «ابن قتيبة» أن يؤلف كتابه «المعارف» ليجمع بين يدي الكاتب ما يحتاجه من معرفة، بعد ما جمع له ما يحتاج إليه من تقويم اللسان، وبعد أن بصّره بشئون الكتابة.
[ ١١٤ ]
(١) فلا بدّ للكاتب من أن يلمّ بالتأريخ إلمامة سريعة.
(٢) ولا بدّ للكاتب من أن يلم بالأنساب العامة مختصرة، حتى لا يفوته من ذلك شيء، وحتى لا يخلط بين قبيلة وقبيلة.
(٣) ولا بدّ للكاتب من أن يعرف جملة من مشهوري الأدباء والعلماء.
(٤) ولا بدّ للكاتب من أن يعرف أخبارا منسقة يجتمع أصحابها تحت نسق، تكون أشبه شيء بالطّرف بين يديه.
(٥) ولا بدّ للكاتب من أن يعرف أخبار الأمم التي اتصلت بالعرب حتى لا يجهل شيئا من ذلك.
وفي هذه العجالة المختصرة قدم «ابن قتيبة» كتابه «المعارف» يريد أن يبصّر الناس بشيء لا يسعهم جهله.
(٣) ولكنا لا نشك في أن «ابن قتيبة» كان في كتابه هذا عجلا كل العجلة لهذا جاء هذا الكتاب مختصرا. كما أعجلته هذه العجلة عن أن يتلبث قليلا مع ما يروى، إلا حين يشرح كلمة لغوية أو يضيف شيئا بهذا الشرح اللغوي.
أ- فهو حين عرض للذبيح مثلا (ص ٣٧):
(١) لم يكلف نفسه عناء الاستقصاء في مسألة كهذه، حولها كلام كثير ومعها رأى لجمهرة المسلمين مدلل عليه مقرّب بالبراهين، وهي مسألة لا يكتفى فيها بسوق النتيجة على هذا الوجه من الاقتصار الّذي انتهجه «ابن قتيبة» .
لم يناقش الخلاف بين التوراة والقرآن ولم يرجح أحد الرأيين على الآخر، وإنما عرض الرأى مع الخلاف فيه، دون أن يقول شيئا!
[ ١١٥ ]
(٢) ثم هو قد أورد ما أورده غيره، نقلا عن تلك الإسرائيليات بما فيها من تخليط.
(٣) وعذر «ابن قتيبة» عذر غيره من المؤرخين الذين اعتمدوا النسخة العربية من التوراة دون الرجوع إلى النسخ الأخرى منها المترجمة إلى العبرية واليونانية مثلا «١» .
ب- ثم هو حين عرض لآدم (ص ١٤- ١٨):
(١) تورط في ذكر المكان الّذي نزل عليه.
(٢) ووصفه بأنه كان أمرد وإنما نبتت اللحى لأبنائه من بعده.
ح- ثم هو حين عرض للحديث عن الأنبياء:
(١) لم يتخلص من تلك الصفات الجسمية التي وصفهم بها من غير مستند.
(٢) وأورد الكلام عن أعمارهم، والأدلة العقلية كلها تردّ ما أورد.
ولكنا إن عذرنا «ابن قتيبة» وعذرنا معه المؤرخين على هذا، فلا نعذرهم على استماعهم للرواة ينقلون عنهم كل شيء من غير تحرّ همّهم أن يجمعوا، وهمّهم أن يشوّقوا، وهمّهم ألا يقال عنهم إنهم جهلوا شيئا أو سكتوا عن شيء.
غير أنا نعتقد أن هذا الّذي كتبه «ابن قتيبة» نقلا عن غيره كان شيئا لا بدّ منه، فلقد كان هذا غاية ما وصل إليه العلم حينئذاك، حين لم يصل إلى ما وصل إليه اليوم.
[ ١١٦ ]
وكان من الخير للناس أن يعيشوا على شيء فيه الحق والباطل من أن يعيشوا على لا شيء.
وإذا جاوزنا هذا القدر الغامض، الّذي كان من الصعب على «ابن قتيبة» أن يسوق فيه غير ما ساق، نجد «ابن قتيبة» قد عرض لأشياء أخرى كانت كل وسائلها بين يديه ولا عذر له فيها إن قصر.
وإنا إن وقفنا مع «ابن قتيبة» في هذا الّذي أورده من ذلك، ومعه مراجعة، لا نأخذ عليه إلا أنه كان مختصرا اختصارا يكاد يكون معيبا:
(١) فنجده حين أورد بابه في الأنساب لم يورد من ذلك إلا ما يعد رءوسا لموضوعات.
(٢) ونجده لم يذكر تحت رءوس الموضوعات هذه إلا القليل المشهور.
وكان هذا نهجه بعد ذلك فيما أورد من أبواب أخرى، يلجأ إلى هذا الاختصار الشديد الّذي لا يفيد كثيرا.
ولعل «ابن قتيبة» قصد إلى هذا قصدا، وألزم نفسه بأن يضع معجما- إن صح هذا التعبير- في «المعارف» . فهو يقول في مقدّمته:
«وقلّ مجلس عقد على خبرة، أو أسس لرشد، أو سلك في سبيل المروءة، إلا وقد يجرى فيه سبب من أسباب المعارف..: إما ذكر نبي أو ذكر ملك أو عالم أو نسب أو سلف أو زمان أو يوم من أيام العرب، فيحتاج من حضر إلى أن يعرف عين القصد» .
[ ١١٧ ]
وهكذا يكشف عما قصد إليه «ابن قتيبة»، فلقد قصد إلى أن يسوق رءوس الموضوعات ولا يعنيه التفصيل.
ولئن صح هذا فلا تثريب على «ابن قتيبة» في اختصاره، ولا تثريب عليه في أنه لم يطل.
(٤) لقد كان «ابن قتيبة» - شأنه شأن الرواة والمؤلفين القدامى- ينقل ما ينقل راويا عن الرواة.
وكان هذا نهجه في سائر الكتاب غير بابه الأوّل «مبتدأ الخلق» .
(١) فهو في هذا الباب الأوّل اعتمد على الإسرائيليات كثيرا، يصرح بنقله عن التوراة حينا ولا ينقل عنها بنصها، ويصرح بنقله عن «وهب بن منبه» حينا آخر.
(٢) وما عاصر «ابن قتيبة» «وهب بن منبه» ولا أخذ عنه. ف «وهب» كانت وفاته سنة ١١٠ هجرية، أي قبل ميلاد «ابن قتيبة» بنحو من قرن تقريبا.
(٣) ولقد نقل غير «ابن قتيبة» عن «وهب» كالطبرى بمثل هذا السند المنقطع، كثيرا من الأخبار التي نقلها «ابن قتيبة» من هذه الإسرائيليات، فإلى «وهب» يعزى الكثير منها، كما عزى إلى «كعب الأحبار» .
(٤) وكما لم يعن المؤرّخون القدامى بتحليل هذه الإسرائيليات، وإنما اكتفوا بروايتها، فحسب، كذلك فعل «ابن قتيبة» هو الآخر، وكان في استطاعتهم أن يجرّدوا هذه الإسرائيليات مما ينافي العقل ويأباه المنطق. ولقد كان بين يدي المؤرّخين المسلمين- ومنهم «ابن قتيبة» - القرآن الكريم يريحهم من كثير مما أوردوا، لو التزموا ما أورد القرآن من سيرة الأنبياء، ولم يكلفوا أنفسهم العناء في رواية غيره.
[ ١١٨ ]
وإذا جاوزنا هذا الباب الأول إلى غيره من الأبواب الأخرى رأينا «ابن قتيبة» لا يذكر مرجعا، فهو لم يقل: من أين أخذ حديثه عن أنساب العرب! لا يذكر هناك شيخا أخذ عنه ولا مرجعا رجع إليه.
حتى إذا ما جاوز ذلك إلى الحديث عن النبي ﷺ استقامت لنا خطة «ابن قتيبة» .
(١) فهو يصرح باسم «ابن إسحاق» أول من ألف في السيرة، المتوفى سنة ١٥٢ هـ.
(٢) كما يصرح باسم «الواقدي» صاحب المغازي المتوفى سنة ٢٠٧ هـ.
وبذلك نستطيع أن نجزم بأن «ابن قتيبة» اعتمد في هذا الباب على كتابين، الأول لابن إسحاق في السيرة، والثاني للواقدي في المغازي.
وإذا ما جاوزنا ما نقله عن التوراة وما نقله عن ابن إسحاق والواقدي رأينا «ابن قتيبة»:
(١) يقف أحيانا موقف الراويّ بالسند متصلا، وهو الراويّ الأخير فيه.
(٢) وأحيانا يسوق السند متصلا دون أن يكون هو موصولا به.
وهو على تلك الحال الثانية يفيدنا أحد شيئين:
(١) إما أنه عثر على هذا الخبر بسنده في مرجع ما فنقل الخبر بسنده ولم يشر إلى المرجع.
(٢) وإما أن هذه الأخبار- وهي في عهدها الأول عهد الرواية- كانت ملكا لأن يستغلها كل مؤرخ، فاستغلها «ابن قتيبة»، وهو واحد من هؤلاء المؤرخين القدامى، لا يعنيه أن يسبقه واحد بتدوينه.
[ ١١٩ ]
وإنا إذا ذكرنا أننا بين يدي كتاب قديم، فنحن لا نطمع في أكثر مما فعله «ابن قتيبة» .
(٥) وقد جهدت أن أجمع لهذا الكتاب أصوله الخطية ما وسعني الجهد، لا أستثنى تلك المخطوطات التي اعتمد عليها «وستنفلد»، فإذا بين يدي منها سبع مخطوطات.
وقد عرّفت بها.
ثم لم ألبث بعد أن فرغت من الكتاب أن وقع لي منها ثلاث، وهي:
(١) نسخة رضا رامبور، برقم ٣٥٢٨ (الهند) .
وهي ١٨٢ ورقة ٢٥ سطرا ١٧٥ × ٢٦ سم.
وتاريخ نسخها سنة ٥٠٠ هـ.
والأوراق الأخيرة بخط نسخ قريب من التجويد. والنسخة كاملة النقط، بها ضبط قليل يكاد يكون كله على ما غمض من الحروف.
وبها طمس كثير ذهب ببعض الأسطر وطغى على جزء من الصفحات، كما طغى على معظم صفحات أخرى.
وهي ناقصة من أوّلها.
وسائر النسخة بخط بين المشرقي والمغربي غير مجوّد مع عناوين بالخط الكوفي القريب إلى التجويد.
وهي قريبة الشبه بالمخطوطة (ق) التي عثرنا عليها في دار الكتب المصرية.
[ ١٢٠ ]
(٢) نسخة الأحمدية- جامع الزيتونة برقم ٥٠١٧ (تونس) .
وهي في ١٣٥ ورقة ١٧ × ٢٣ سم. ٢٤ سطرا.
وتاريخ نسخها سنة ٦٠٠ هـ.
والنسخة بخط أقرب إلى الكوفي، وإن لم يجر على قواعده كلها، مشكولة شكلا يكاد يكون تاما.
وعلى هامشها بعض تعليقات تشير إلى مراجعتها على نسخة أخرى. ويضطرب العنوان في صفحتها الأولى فيكتب مرة باسم «عوارف المعارف» ثم يضرب عليه ويكتب بدله بخط آخر «كتاب المعارف» .
وهذا العنوان الجديد يبدو أنه هو خط مراجع النسخة ومعارضها.
وتكاد تنفق هذه النسخة مع نسخة (ل) التي عثرنا عليها في المتحف البريطاني، فهما تحملان عنوانا واحدا، وتكاد تكون الأخطاء هي الأخطاء.
(٣) نسخة مكتبة الفاتح باستانبول رقم ٤٤٤.
وهي في ١١٧ ورقة ١٣ × ١٨ سم. ٢٠ سطرا.
وهي مكتوبة بخط نسخ قديم، ناقصة من أولها. وأوّل ما فيها الكلام على معاوية بن يزيد بن معاوية.
ويبدو أن هذا المخطوط يرجع أصله إلى مصدر آخر، إذ لا تشابه بين نهجه وبين نهج المخطوطات التي بين أيدينا.
وبهذا المخطوط كثير من الأخطاء التي نظن أن المرجع فيها إلى الناسخ.
[ ١٢١ ]
وأرانى وإن فاتنى الرجوع إلى هذه الأصول الثلاثة أولا، قد رجعت إليها آخرا، ولم آسف على هذا الّذي فاتنى كثيرا لأني لم أجد خلافا يغير شيئا، وإن كنت قد أسفت حين فاتنى أن أضم إلى وجوه الخلاف التي بالهامش نسخا أخرى تحمله.
ولكنى قد حرصت أن أعرّف بتلك النسخ الثلاث، وأن أكبّر منها بعض اللوحات لأضمها هنا إلى المقدّمة قبل إصدار الكتاب.
(٦) وبعد. فها هو ذا أثر من آثار «ابن قتيبة» الأديب العالم المؤرخ.
(أ) أما عن أدبه فحسبنا جميعا كتابه «أدب الكاتب» وخطبته الطويلة التي صدّر بها الكتاب. وحسبنا تلك الشهادة التي شهد بها عالم جليل، هو ابن خلدون حيث يقول:
«وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن- يعنى الأدب- وأركانه أربعة دواوين، وهي:
(١) أدب الكاتب لابن قتيبة.
(٢) الكامل للمبرد (٢٨٥ هـ) .
(٣) البيان والتبيين للجاحظ (٢٤٥ هـ) .
(٤) النوادر لأبى على القالي (٣٥٦ هـ)» .
وحسبنا ما جمعه «ابن قتيبة» من كتب في الأدب مثل «عيون الأخبار» و«الشعر والشعراء» . واختيار المرء قطعة من عقله وذوقه، كما يقولون.
[ ١٢٢ ]
(ب) وأما عن علمه فحسبه كتبه في الحديث والقرآن وغيرها من كتب في الأشربة والميسر والقداح.
(ج) وأما عنه مؤرخا، فحسبه هذا الكتاب «المعارف» .
[ ١٢٣ ]
[مقدمة المؤلف]
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد للَّه رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم [١] .
قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: [٢] هذا كتاب جمعت فيه من المعارف ما يحق على من أنعم عليه بشرف المنزلة، وأخرج بالتأدّب عن طبقة الحشوة [٣] «١»، وفضّل بالعلم والبيان على العامة، أن يأخذ نفسه بتعلمه [٤]، ويروضها على تحفّظه إذ كان لا يستغنى عنه في مجالس الملوك إن جالسهم، ومحافل الأشراف إن عاشرهم، وحلق أهل العلم إن ذاكرهم فإنه قلّ مجلس عقد على خبرة، أو أسس لرشد، أو سلك فيه سبيل المروءة، إلا وقد يجرى فيه سبب من أسباب المعارف: إمّا في ذكر نبيّ، أو ذكر ملك أو عالم، أو نسب أو سلف أو زمان، أو يوم من أيام العرب فيحتاج من حضر [٥] إلى أن يعرف عين القصة [٦]، ومحل القبيلة، وزمان الملك، وحال الرّجل المذكور، وسبب المثل المشهور.
_________________
(١) ب، ط: «وصلّى الله على محمد وآله وسلم» - م: «الحمد للَّه وسلام على عباده الذين اصطفى» - ل: «رب أعنى ويسر، والحمد للَّه أولا وآخرا، وصلى الله على رسوله محمد النبيّ وآله وسلم تسليما كثيرا طيبا» - ق: «بسم الله الرحمن الرحيم. قال أبو محمد» .
(٢) ب، ط: «قال الشيخ الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة القتيبي الدينَوَريّ الكاتب» . وهي كذلك في «ل» تسقط منها كلمة «القتيبي» - و: «قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكاتب» .
(٣) ب، ل: «الحشو» - ق: «الحشوية» .
(٤) ط، ل: «بتعلمها» .
(٥) ب: «على من حضر» .
(٦) ب، ط، ل: «الفصيلة» .
[ ١ ]
فإنّي رأيت كثيرا من الأشراف من يجهل نسبه، ومن ذوى الأحساب من لم [١] يعرف سلفه، ومن قريش من لا يعلم من أين تمسّه [٢] القربى من رسول الله ﷺ [وأهله] [٣]، أو الرّحم [٤] بالأعلام من صحابته. ورأيت من أبناء ملوك [٥] العجم من لا يعرف حال أبيه وزمانه، ورأيت من ينتمى إلى الفصيلة وهو لا يدرى من أي العمائر «١» هي، وإلى البطن وهو لا يدرى من أي القبائل هو ورأيت من رغب [٦] بنفسه عن نسب دقّ فانتمى [٧] إلى رجل لم يعقب، كرجل رأيته [٨] ينتمى [٩] إلى أبى ذرّ الغفاريّ، ولا عقب لأبى ذرّ وآخر ينتمى إلى حسّان بن ثابت، وقد انقرض عقب حسّان، وكآخر دخل على المأمون فكلّمه بكلام أعجبه [١٠]، فسأله عن نسبه [١١]، فقال:
من طيِّئ، من ولد عدىّ بن حاتم «٢» . فقال له المأمون [١٢]: ألصلبه [١٣]؟ قال: نعم./ ٤/ فقال:
هيهات! أضللت! إنّ أبا طريف [١٤] لم يعقب. فكان سقوطه بجهله حال الرجل الّذي اختاره لدعوته أقبح من سقوطه بالنسب الّذي رغب عنه [١٥] .
_________________
(١) ط، ل: «من لا يعرف» .
(٢) ب: «لا يعلم أين تمسه» .
(٣) تكملة من ب.
(٤) ل: «والرحم» .
(٥) ل: «الملوك» .
(٦) ب، ط، ل: «يرغب» .
(٧) ط، و: «فانتهى» .
(٨) ب: «آخر» .
(٩) ل، و: «ينتسب» .
(١٠) ل: «وأعجبه كلامه» .
(١١) ب: «نفسه» .
(١٢) ب: «فقال المأمون» .
(١٣) و: «لصلبه» .
(١٤) ب، ط: «أبا عدي» .
(١٥) ب: «فصار الرّجل بجهله بالنسب الّذي رغب عنه مسقوط في عين الخليفة» - ط: «فصار سقوطه بالنسب الّذي رغب عنه» .
[ ٢ ]
وقد يكون الرّجل متبوعا في الأدب قد سمق [١] فيه، وأخذ بالحظ الأوفى [٢] منه، إلا أنه أغفل شيئا من الحليل [٣] كان أولى به [٤] من بعض ما حفظ [٥]، فلحقته [٦] فيه النّقيصة، وترجع عليه منه [٧] الهجنة، كطالب غوامض الفقه، وقد أغفل أبواب الصلوات [٨] والفرائض، وكطالب [٩] طرق [١٠] الحديث «١»، وقد أغفل متونها ومعانيها، وكطالب علل النّحو وتصاريفه، وهو يلحن في رقعة إن كتبها، [١١] أو بيت [١٢] شعر ينشده.
وكتابي هذا يشتمل على فنون كثيرة من المعارف:
أوّلها: مبتدأ الخلق، وقصص الأنبياء [عليهم الصلاة والسلام]، [١٣] وأزمانهم وحلّاهم «٢» وأعمارهم وأعقابهم وافتراق ذراريهم، ونزولهم في مشارق الأرض ومغاربها، وأسياف البحار والفلوات والرّمال، إلى أن بلغت زمن المسيح [عيسى ﵇] [١٤] والفترة «٣» بعده.
_________________
(١) ب، ط، ل: «سبق» .
(٢) ب، ط، ل: «الأوفر» .
(٣) ب، ط، ل: «الحلال» .
(٤) ساقطة من ب.
(٥) ب، ط، ل: «حفظه» .
(٦) ب، ط: «فلحقه» - و: «فيلحقه» .
(٧) ب، ط، ل: «فنه» .
(٨) ب، ط، ل: «الصلاة» .
(٩) و: «وطالب» .
(١٠) ل: «طريق» .
(١١) ب، ط: «رقعة كتبها» .
(١٢) و: «وبيت» .
(١٣) تكملة من ب، ل.
(١٤) التكملة من ل. وفي ب، ط: «المسيح ﵊» .
[ ٣ ]
ووصلت ذلك بذكر أنساب العرب مختصرا لذلك، [١] ومقتصرا على العمائر ومشهور البطون.
ثم أتبعته أخبار رسول الله ﷺ في نسبه. [٢] وذكر عمومته وعمّاته وخالاته وجدّاته لأبيه وأمه، وأظآره «١» [٣] وأزواجه وأولاده ومواليه، وأحواله في مبعثه ومغازيه، إلى أن قبض ﷺ.
وأخبار العشرة «٢» [٤] من المهاجرين﵏، [٥] ثم الصحابة المشهورين، ثم الخلفاء من لدن معاوية بن أبى سفيان إلى أحمد بن محمد بن المعتصم المستعين باللَّه، «٣» [٦] والمشهورين [٧] من صحابة السلطان والخارجين عليهم من الخوارج، ثم التابعين، ومن [٨] بعدهم من حملة الحديث وأصحاب الرأى، ومن عرف منهم بالرّفض [٩] والتشيّع والإرجاء والقدر، وأصحاب القراءات من أهل الحجاز ومكة والعراقين [١٠] والشام، والنسّابين وأصحاب الأخبار، ورواة الشعر والغريب والنحو، والمعلّمين، والمتهاجرين «٤» من الصحابة والتابعين، وأوّل من أحدث شيئا بقي على مرور الأيام.
_________________
(١) و: «ذلك» .
(٢) ب، ط، ل: «وسلم وآله» .
(٣) ب، ط، ل: «وأصهاره» .
(٤) ب، ط، د: «والمهاجرين» .
(٥) ب، ط، ل: «﵃» .
(٦) ب، ط، ل: «أحمد المستعين باللَّه» .
(٧) و: «المشهور» .
(٨) ب، ط، ل: «من» بدون واو.
(٩) و: «الترفض» .
(١٠) و: «العراق» .
[ ٤ ]
وذكرت المساجد المشهورة، كالكعبة وبيت المقدس ومسجد المدينة ومسجد البصرة ومسجد الكوفة ومسجد دمشق، ومتى ابتنيت، وعلى/ ٥/ يدي [١] من أسّست.
ودللت [٢] على جزيرة العرب وحدود السواد والجزيرة بين دجلة والفرات، وحدود نجد والحجاز وتهامة [٣] .
وأخبرت عن الفتوح، ما كان منها عنوة وما كان منها عن صلح، ومن جمع له العراقان.
وعن فرق ما بين المهاجرين الأوّلين والمهاجرين الآخرين.
وعن المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام.
وعن سبب إضعاف الصدقة [٤] على نصارى بنى تغلب.
وعن أديان العرب في الجاهلية.
وعن صناعات الأشراف في الجاهلية.
وعن أهل العاهات الذين كثرت فيهم، كالبرص والعرج والصّم والجدع والجذمى والحصر «١» والزّرق والفقم «٢» والكواسج والصّلع والبخر والعور والمكافيف.
وعن أشياء تتابعت في نسق واحد ليس لها مثيل [٥] .
وعن الطّوال المفرطى الطّول، وعن القصار المفرطى القصر.
_________________
(١) و: «بد» .
(٢) ب: «وذلك» .
(٣) ب: «والتهامة» .
(٤) ب: «الصدق» .
(٥) و: «مثل» .
[ ٥ ]
[ومن حملت به أمّه فوق وقت الحمل، ومن قصرت به أمّه عن وقت الحمل] [١] وعن المنسوبين إلى غير عشائرهم وآبائهم.
وعن المسمّين بكناهم.
وعن ذكر الطّواعين وأوقاتها.
وعن الأيام المشهورة، مثل: يوم ذي قار، والفجارين، وحلف الفضول، وحلف المطيبين، وحرب بكر وتغلب، وحرب داحس والغبراء [٢] .
وعن قصص قوم جرى المثل بأسمائهم، مثل: قوس حاجب، [وحمق] [٣] باقل، وقرطي مارية، وخريم الناعم، وحجّام ساباط، وشقائق النعمان بن المنذر، وحديث خرافة، وبرجان اللص، وسحبان وائل، وطفيل الّذي ينسب إليه الطّفيليون، وكنز النّطف [٤]، وندامة الكسعيّ، ومواعيد عرقوب، وخفّى حنين، وعطر منشم، وأشباه ذلك.
وأخبرت عن ملوك الحيرة، والرّدافة «١»، وملوك اليمن، وعن ملوك فارس وغيرهم، ملكا ملكا، وعددهم ومددهم، وجملة من سيرهم.
وكان غرضي في جميع ما اقتصصت الإيجاز والتّخفيف، والقصد للمشهور [٥] من الأنباء دون المغمور، [٦] ولما يجرى له سبب على ألسنة الناس دون ما لا يجرى له سبب. ولو قصدت الاستقصاء لطال الكتاب حتى يعجز عن نسخه فضلا عن
_________________
(١) التكملة من ب، ط.
(٢) ب: «وحرب الغبراء» .
(٣) تكملة من ل. وهي في ب، ط: «حمزة» .
(٤) ب: «النفط» .
(٥) و: «المشهور» .
(٦) و: «الغمور» .
[ ٦ ]
حفظه، ولاختلط الخفىّ بالجليّ، فمجّته الآذان وملّته النفوس. والنفس إلى ما تعلم منه سببا أكثر تطلّعا [١] . وأشدّ استشرافا، وهو بها ألصق ولها ألزم.
وقد شرطت عليك تعلّم ما في هذا الكتاب وتعرّفه، ولو أطلته وذكرت ما بك عنه الغناء [٢] أكثر دهرك أتعبتك/ ٦/ وكددتك، وأحوجتك إلى أن تلتقط منه شيئا للمعرفة والحفظ وتترك شيئا، فكفيتك ذلك، واحتطت لك فيه بأبلغ الاحتياط، وعايرت [٣] على نظري بنظر الحفّاظ من إخواننا والنّساب.
وأرجو أن أكون قد بلغت لك منه منية [٤] النفس، وثلج الفؤاد، ولنفسي ما أمّلت في تبصيرك وإرشادك من توفيق الله وحسن الثواب [٥] .
_________________
(١) ب: «تكلفا» .
(٢) ب، ط، ل: «الغنى» .
(٣) ب، ط، ل: «وغايرت» .
(٤) و: «همة» .
(٥) ب، ط، ل: «ثوابه» .
[ ٧ ]
مبتدأ الخلق
قال أبو محمد: [١] قرأت في التوراة في أوّل سفر من أسفارها أنّ أوّل ما خلق الله تعالى [٢] من خليقته [٣] السماء والأرض. كانت الأرض خربة خاوية، وكانت الظّلمة على الغمر [٤]، وكانت ريح الله [٥] [﵎] [٦] ترفّ على وجه الماء. فقال الله: ليكن النّور، فكان النور [٧] . فرآه الله حسنا، فميّزه من الظّلمة وسمّاه نهارا، وسمّى الظّلمة ليلا. فكان مساء وكان صباح [٨] يوم الأحد.
وقال الله ﷿: ليكن سقف وسط الماء، فليحل بين الماء والماء.
فكان سقف. وميّز بين الماء الّذي هو أسفل وبين الماء الّذي هو أعلى، فسمّى الله ذلك السقف الأعلى سماء. فكان مساء وكان صباح يوم الاثنين. «١» وحدّثنا أبو الخطّاب زياد بن يحيى، قال: حدّثنا مالك بن سعير [٩]، قال: حدّثنا إسماعيل بن أبى خالد، عن أبى صالح: «٢»
_________________
(١) م: «قال» والعبارة كلها ساقطة من: ق.
(٢) ساقطة من: ق.
(٣) ل: «خلقه» .
(٤) ط، م، و: «الغمرة» .
(٥) ب، ل: «ريح» .
(٦) التكملة من و.
(٧) م، و: «نور» - ب، ن، ط: «نورا» .
(٨) ق، م، و: «إصباح» .
(٩) ب: «سوير» - ط: «سعيد» .
[ ٩ ]
في قول الله ﷿: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ٥٢: ٦ «١» قال: كان عليّ ﵁ يقول: هو بحر تحت العرش.
وهذا شبيه بما ذكر في التّوراة من أن السماء بين ماءين.
وعاد الخبر إلى التوراة:
وقال الله ﷿: ليجتمع الماء كلّه الّذي تحت السماء إلى مكان واحد فلير اليبس. فكان ذلك كذلك. فدعا الله اليبس الأرض، وسمّى ما اجتمع من المياه البحور.
ثم قال الله ﷿: لتخرج الأرض زهرة العشب والشجر بالحمل كلّا [١] ليبوسته، [٢] وأخرجت الأرض ذلك فرآه الله حسنا. فكان مساء وكان صباح [٣] يوم الثلاثاء.
وقال الله ﷿: ليكن نوران في سقف السماء ليميّزا بين الليل والنهار، وليكونا آيات [٤] للأيام والسنين. فكان نوران: الأكبر لسلطان [٥] النهار، والأصغر لسلطان [٦] الليل. فرآه الله حسنا. فكان مساء وكان صباح يوم الأربعاء.
وقال الله ﷿: ليحرّك الماء كلّ نفس حية، وليطر الطير على الأرض في جوّ السقف. وخلق الله ﷿/ ٧/ تنانين عظاما، [٧] وحرّك الماء كلّ نفس حية لجنسها، وكلّ طائر لجنسه. فرأى الله ذلك حسنا فبرّكهنّ [٨] وقال: أثمروا وأكثروا.
وكان مساء وكان صاح يوم الخميس [٣] .
_________________
(١) ق، م،: «ذات الحل» - و: «ذا الحمل» .
(٢) ط، و: «لسوسه» .
(٣) ق، م، و: «إصباح» .
(٤) ط: «آية» .
(٥) ب: «الأكبر شمس لسلطان» - ط، ل: «الأكبر الشمس لسلطان» .
(٦) م، و: «والأصغر والنجوم لسلطان» - ب، ط، ل: «والقمر والنجوم لسلطان» .
(٧) ب: «ولتخرجن المياه دبابا وأنفس حية وكل طائر على الأرض في جو السماء» .
(٨) ل: «فتركهن» .
[ ١٠ ]
ثم قال الله ﷿: نخلق بشرا بصورتنا. فخلق آدم من أدمة الأرض ونفخ في وجهه نسمة الحياة. وقال: إن آدم لا يصلح أن يكون وحده، ولكن أصنع له عونا مثله، فألقى عليه السّبات، فأخذ أحد أضلاعه ولأمها «١»، [١] وسمى الضّلع التي أخذ:
امرأة، لأنها من المرء أخذت. فقرّبها إلى آدم. فقال آدم: عظم من عظامي، ولحم من لحمى! ومن أجل ذلك يترك الرّجل أباه وأمّه ويتبع زوجته، ويكونان كلاهما جسما واحدا. وتركهما الله ﷿ وقال: أثمروا وأكثروا واملئوا الأرض، وتسلّطوا على أنوان [٢] البحار وطير السماء والأنعام والدواب وعشب الأرض وشجرها وثمرها. ورأى كلّ ما خلق فإذا هو حسن جدا. وكان مساء وكان صباح [٣] يوم الجمعة.
وكمل كل أعمال الله ﷿ [٤] التي عمل. ثمّ استراح في اليوم السابع من خليقته، وبرّكه [٥] وطهّره وقدّسه.
[قال أبو محمد]:
الاستراحة: الإتمام والفراغ من الأمر، وهو قوله: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ٥٥: ٣١ «٢» معناه: سنقصد لكم، لأنه ﷿ لا يشغله شأن عن شأن] [٦] .
_________________
(١) ب: «وملأ موضعها لحما» . والّذي في التوراة. سفر التكوين، الإصحاح الثاني الآية ١١: «وملأ مكانها لحما» .
(٢) و: «أبواب» .
(٣) ق، م، و،: «إصباح» .
(٤) ق: «﵎» .
(٥) ب: «وبارك هذا اليوم» .
(٦) تكملة من ب، ط، ل.
[ ١١ ]
ونصب ربّنا [١] الفردوس في عدن، وبها نهر يسقى الفردوس. فانقسم على أربعة رءوس: فيشون، [٢] وهو محيط بأرض حويلا [٣] كلها، وثمّ يكون أجود الذهب وحجارة البلّور [٤] والفيروزج. واسم النهر الثاني: جيحون، [٥] وهو محيط بأرض كوش والحبش. [٦] واسم النهر الثالث: دجلة، وهو الّذي يذهب قبل أثور. «١» [٧] قال:
وهي الموصل. والنهر الرابع: الفرات.
ونصب شجرة الحياة وسط الفردوس، وشجرة علم الخير والشر، [٨] وقال لآدم:
كل ما شئت من شجرة الفردوس، ولا تأكل من شجرة علم الخير والشر، فإنك يوم تأكل منها تموت.
[قال أبو محمد]: [٩] يريد أنك تتحوّل إلى حال من يموت.
وكانت الحيّة أعرم [١٠] دواب الأرض، فقالت للمرأة: إنكما لا تموتان إن أكلتما منها، ولكن أعينكما تنفتح، وتكونان كالآلهة تعلمان الخير والشر. فأخذت المرأة
_________________
(١) ب، ط، ل: «ونصب ﷿ بناء» .
(٢) كذا في التوراة- سفر التكوين- الإصحاح الثاني- الآية: ١١- ق، م: «فيسون» - و: «فجيحون» - ب، ط، ل: «اسم أحدهم سيحون» .
(٣) و: «خويلا» - ب: «حويلاط» . وفي التوراة: «الحويلة» .
(٤) ق، م: «سيحون» . والّذي في التوراة يتفق وما أثبتنا.
(٥) ب: «وهناك يوجد المقل وحجر الجزع والبلور» .
(٦) ق: «كوش الحبشة» - م: «كوش- كوش أرض الحبشة» - ب، ط، ل: «كوش إلى الحبشة» . والّذي في التوراة: «كوش. واسم» .
(٧) ل: «أتود» . والّذي في التوراة: «أشور» .
(٨) ب: «شجرة الحياة وهي شجرة علم الخير والشر» .
(٩) التكملة من «و» .
(١٠) ب: «أخبث» - ط: «أمكر» . والّذي في التوراة- سفر التكوين- الاصحاح الثالث- الآية ١: «أحبل» .
[ ١٢ ]
من ثمرها فأكلت وأطعمت بعلها، فانفتحت أبصارهما وعلما أنهما عريانان، فوصلا من ورق التّين واصطنعاه أزرا. ثمّ سمعا صوت الله ﷿ في الجنة حين نور [١] النهار. فاختبأ آدم وامرأته في شجر الجنة. فدعاهما الله تعالى. فقال آدم: سمعت صوتك في/ ٨/ الفردوس ورأيتني عريانا فاختبأت منك. فقال:
ومن أراك أنك عريان؟ ها، [٢] لقد أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها. فقال:
إنّ المرأة أطعمتني. وقالت المرأة: إنّ الحية أطعمتني. فقال الله ﷿ للحية:
من أجل فعلك هذا أنت ملعونة، وعلى بطنك تمشين، وتأكلين التراب، وسأغرى بينك [٣] وبين المرأة وولدها، فيكون يطأ رأسك، وتكونين أنت تلدغينه بعقبه. [٤] وقال للمرأة: وأنت فأكثر أوجاعك وأحبالك. [٥] وتلدين الأولاد بالألم، وتردّين إلى بعلك فيكون مسلّطا عليك. وقال لآدم: ملعونة الأرض من أجلك، وتنبت الحسك «١» [٦] والشوك، وتأكل منها بالشقاء ورشح وجهك وجبينك. حتى تعود إلى التّراب من أجل أنك تراب.
وسمّى الله ﷿ امرأته حوّاء، لأنها أمّ كل حىّ، وألبسها وإياه سرابيل من جلود.
_________________
(١) ط، م: «بورك» - ب، ل، «تورك» . والّذي في التوراة: «عند هبوب ريح النهار» .
(٢) ب، ط، ل: «بها» .
(٣) ب: «ولأجعلنّ عداوة بينك» .
(٤) ب، ط، ل: «يطئون رأسك وتكونين أنت تلدغينهم بعقبة نفسك بفيك» . والّذي في التوراة- الإصحاح الثالث- الآية: ١٠: «هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه» .
(٥) ب، ط: «وأعلالك» . والّذي في التوراة: «وقال للمرأة: تكثير، أكثر أتعاب حبلك» .
(٦) كذا في ب. وهي رواية التوراة- م: «الجاج» بجيمين- سائر الأصول: «الحاج» بمهملة ثم معجمة.
[ ١٣ ]
وقال: إنّ آدم قد علم الخير والشر، فلعلّه يقدّم [١] يده ويأخذ من شجرة الحياة فيأكل منها فيعيش الدّهر. فأخرجه الله ﷿ من مشرق جنّة عدن إلى الأرض التي منها أخذ.
فهذا ما في التوراة. «١» وأمّا وهب بن منبّه «٢» فقد ذكر:
أنّ الجن كانوا سكان الأرض قبل آدم، فكفرت طائفة منهم فسفكوا الدماء، فأمر الله ﷿ جندا من الملائكة من أهل السماء الدّنيا- منهم إبليس، وكان رئيسهم- فهبطوا إلى الأرض فأجلوا عنها الجان، واستشهد على ذلك بقوله تعالى:
وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ من قَبْلُ من نارِ السَّمُومِ ١٥: ٢٧ «٣» أي من قبل أن نخلق آدم. فألحقوهم بأطراف التّخوم وجزائر البحور [٢] . وسكن إبليس والجند الذين معه عمران الأرض وأريافها. وكان اسم إبليس: عزازيل. «٤» [٣] ثم ذكر خلق الله تعالى آدم، وقال: ثم كساه لباسا من ظفر. «٥» [٤] ويزداد اللباس جدة في كل يوم وحسنا. فلمّا أكلا من الشجرة انكشط عنهما اللباس، وكان
_________________
(١) ب، ل: «يقوم» . والّذي في التوراة: «يمد» .
(٢) و: «البحر» .
(٣) ب: «عزازير» .
(٤) كذا في م. والّذي في سائر الأصول: «ظفره» .
[ ١٤ ]
له مثل شعاع الشمس، حتى صار في أطراف أصابعهما من أيديهما وأرجلهما.
قال: وخلقه الله ﷿ يوم الجمعة، ومكثا [١] في الجنة ستة أيام، فكان أوّل شيء أكلاه في الجنة العنب. وكانت الشجرة التي نهيا عنها شجرة البر. وكان الله ﷿ أخدم آدم في الجنة/ ٩/ الحية. وكانت أحسن خلق الله تعالى، لها قوائم كفوائم البعير. فعرض إبليس نفسه على دوابّ الأرض كلّها أنها تدخله الجنة، فكلها أبى ذلك عليه إلا الحيّة. فإنّها حملته بين نابين من أنيابها ثمّ أدخلته الجنة.
قال: ولما تاب الله ﷿ على آدم أمره أن يسير إلى مكة، فطوى له الأرض. [٢] وقبض عنه المفاوز، فلم يضع قدمه في شيء من الأرض إلا صار عمرانا، حتى انتهى إلى مكة. وكان مهبطه من جنة عدن في شرقىّ أرض الهند. وأهبط الله ﷿ حوّاء بحدّة، والحيّة بالبرّية، وإبليس على ساحل بحر الأبلّة. «١» [٣] وقال ابن إسحاق:
يذكر أهل العلم أن مهبط آدم وحوّاء كان على جبل يقال له: واسم، من أرض الهند، وهو جبل بين قرى الهند اليوم، بين [٤] الدّهنج والمندل.
_________________
(١) و: «ومكثه» .
(٢) ب: «الأرض البعيد» .
(٣) ط، ل: «أيلة» .
(٤) كذا في م. والّذي في: ب، ل، و: «به» - ط: «يسمى» - ق: «ينبت» .
[ ١٥ ]
[قال أبو محمد]: [١] والعرب تنسب الطّيب واليلنجوج إلى المندل، قال الشاعر يذكر امرأة:
إذا برزت نادى بما في ثيابها ذكيّ الشّذا والمندلىّ المطيّر
المندلىّ: العود، والمطيّر: المشقّق «١» .
_________________
(١) التكملة من و.
[ ١٦ ]
حلية آدم [١] ﵇
قال: وكان آدم أمرد، وإنما نبتت اللّحى [٢] لولده من بعده، وكان طوالا، كثير الشعر، جعدا آدم، أجمل البريّة.
ولمّا هبط إلى الأرض حرث، وعزلت حوّاء الشّعر وحاكته بيدها.
قال ابو محمد:
وقرأت في التوراة أنّ آدم جامع امرأته حوّاء، فولدت له قابيل. فقالت:
استقدت للَّه رجلا. ثم ولدت هابيل أخاه. فكان قابيل حرّاثا، وكان هابيل راعى غنم، فقرّبا قربانا، فتقبّل من هابيل ولم يتقبل من قابيل، فقتل أخاه هابيل.
وقال وهب:
إنّ آدم كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، وكان الرّجل منهم يتزوّج أيّ أخواته شاء، إلا توأمته. فأبى قابيل أن يزوّج [٣] أخته- التي هي توأمته- أخاه هابيل، وقال: أنا أحقّ بأختي التي هي توأمتى. فغضب آدم وقال: اذهبا فتحاكما إلى الله بالقربان، فأيّكما قبل قربانه فهو أحقّ بها. فقرّبا القربان بمنى، «١» فمن ثمّ صار مذبح الناس إلى اليوم. [٤] فنزلت نار فقبلت قربان هابيل. فقتل قابيل أخاه هابيل، رضخ «٢» رأسه بحجر، واحتمل أخته حتى أتى [٥] واديا من أودية اليمن
_________________
(١) ق: «صفة آدم» . وهي ساقطة من م، ووجاء في «ب» بعد العنوان: «اللَّهمّ صل على آدم وحوّاء صلوات ملائكتك، وأعطهما من الرّضوان حتى ترضيهما، واجزهما عنا أفضل ما جازيت أبا وأما عن ولديهما. آمين» .
(٢) ب، ط، و: «اللحية» .
(٣) ب، ل: «يتزوّج» .
(٤) ب، ط، ل: «الآن» .
(٥) ب، ل: «والى» . ل: «لجأ» .
[ ١٧ ]
في شرقىّ عدن/ ١٠/ [١] فكمن فيه. وبلغ آدم ما صنع، فوجد هابيل قتيلا، وقد نشفت «١» [٢] الأرض دمه، فلعن آدم الأرض. فمن أجل لعنة آدم صارت الأرض لا تنشف الدّم وأنبتت الشّوك.
وقال أبو محمد:
وفي التوراة «٢»: إنّ آدم طاف على امرأته [٣] حوّاء، فولدت له غلاما، فسمّاه: شيئا، من أجل أنه خلف من عند الله مكان هابيل.
وولد لآدم أربعون ولدا في عشرين بطنا. فأنزل عليهم تحريم الميتة والدّم ولحم الخنزير، وحروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة. وهو أوّل كتاب كان في الدّنيا حدّ [٤] الله عليه الألسنة كلّها.
قال أبو محمد: وحدّثنى زيد بن أخزم، قال: حدّثنى يحيى بن كثير، قال:
حدّثنى عثمان بن سعد [٥] الكاتب، عن الحسن، عن عتىّ، [٦] عن أبىّ: «٣»
_________________
(١) ب، ط، ل: «فمكث» .
(٢) ب، ل: «نسفت» .
(٣) ساقطة من ل.
(٤) ب، ل،: «أخذ» .
(٥) ق، م: «سعيد» . ب، ط، ل: «صور» .
(٦) ب، ط، ل: «عمى» .
[ ١٨ ]
أنّ آدم ﵇ لما احتضر اشتهى قطفا من قطوف [١] الجنة، فانطلق بنوه ليطلبوه له، فلقيتهم الملائكة فقالوا: إلى أين تريدون يا بنى آدم؟ فقالوا: إنّ أبانا اشتهى قطفا من قطوف [١] الجنة. فقالوا: ارجعوا فقد كفيتموه. فانتهوا إليه فقبضوا روحه وغسّلوه وحنّطوه وكفنوه، وصلى عليه جبريل، والملائكة خلف جبريل، وبنوه خلف الملائكة، ودفنوه. وقالوا: هذه سنتكم في موتاكم يا بنى آدم.
قال وهب بن منبّه:
وحفر له في جبل أبى قبيس «١»، في موضع يقال له: غار الكنز. فلم يزل آدم في ذلك الغار حتى كان زمن الغرق، فاستخرجه نوح وجعله معه في تابوت في السّفينة. فلما نضب الماء، وبدت الأرض لأهل السفينة، ردّه نوح إلى مكانه.
قال أبو محمد:
ووجدت في التوراة «٢» أنّ جميع ما عاش آدم تسعمائة وثلاثون سنة.
وقال وهب:
عاش آدم ألف سنة.
_________________
(١) كذا في م. والّذي في سائر الأصول: «قطف» .
[ ١٩ ]
شيث بن آدم
قال وهب:
وكان شيث بن آدم أجمل [١] ولد آدم وأفضلهم، وأشبههم به، وأحبّهم إليه.
وكان وصيّ أبيه [٢] وولىّ عهده، وهو الّذي ولد البشر كلّهم، وإليه انتهت أنساب الناس. وهو الّذي بنى الكعبة بالطين والحجارة، وكانت هناك خيمة لآدم، [٣] وضعها الله له من الجنة. وأنزل الله على شيث بن آدم خمسين صحيفة. وعاش شيث تسعمائة [٤] سنة واثنتي عشرة سنة.
/ ١١/ وولد لشيث: أنوش، وبنون وبنات. وولد لأنوش: قينان.
وولد لقينان: مهلاييل. وولد لمهلائيل: اليارد. وولد لليارد: أخنوخ، وهو إدريس﵇.
إدريس ﷺ
قال وهب بن منبه:
إنّ إدريس النبيّ﵇- كان رجلا طويلا، ضخم البطن، عريض الصدر، قليل شعر الجسد، كثير شعر الرّأس، وكانت إحدى أذنيه أعظم من الأخرى، وكانت في جسده نكتة بيضاء من غير برص، وكان رقيق الصوت رقيق المنطق، قريب الخطى إذا مشى. وإنما سمى إدريس لكثرة ما كان يدرس من كتاب الله تعالى وسنن [٥] الإسلام. وأنزل الله تعالى عليه ثلاثين
_________________
(١) و: «أجل» .
(٢) ب، ط. و: «الله» .
(٣) ب، ط، ل: «آدم» .
(٤) زادت «ب» بين هذه الكلمة وقوله «وأنزل» هذه العبارة: «ولتذكاره لأمر الله ونهيه ولئلا ينساه كان الله مكلمه به وهو يكلم ويسمع» .
(٥) ب، ط، ل: «سبعمائة» . وما أثبتنا يتفق وما في التوراة» الآية الثامنة، من الإصحاح الخامس، من سفر التكوين.
[ ٢٠ ]
صحيفة. وهو أوّل من خط بالقلم، وأوّل من حاك الثّياب ولبسها. وكانوا من قبله يلبسون الجلود. واستجاب له ألف إنسان ممن كان يدعوهم. فلما رفعه الله اختلفوا بعده وأحدثوا الأحداث إلى زمن نوح. وهو أبو جدّ نوح. ورفع وهو ابن ثلاثمائة وخمس وستين سنة.
وفي التوراة:
إنّ أخنوخ أحسن خدّام [١] الله، فرفعه الله إليه.
وولد لإدريس النبي ﵇: متّوشلخ، على ثلاثمائة سنة من عمره. وولد لمتّوشلخ «١»: لمك. وولد للمك غلام، فسماه نوحا.
نوح ﷺ
قال وهب:
إنّ نوحا أوّل نبيّ نبّأه [٢] الله بعد إدريس. وكان نجّارا، إلى الأدمة ما هو، دقيق الوجه في رأسه طول، عظيم العينين، غليظ العضدين، دقيق الساقين، كثير لحم الفخذين، دقيق الساعدين، ضخم السّرة، طويل اللّحية عريضها، طويلا جسيما. وكان في غضبه وانتهاره شدّة. فبعثه الله إلى قومه وهو ابن خمسين سنة، فلبث فيهم ألف عام إلا خمسين سنة: ثلاثة قرون في قومه عايشهم وعمّر فيهم، فلا يحيبونه، ولم يتبعه إلا القليل، كما قال الله ﷿. «٢»
_________________
(١) ق، و: «أحسن قدام» . ب، ط، ل: «احتبس قدام» . والعبارة في التوراة (الآية ٢٤- الإصحاح الخامس): «ويمار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه» .
(٢) ب، ط: «أنبأه» .
[ ٢١ ]
وفي التوراة: «١» إنّ الله ﷿ أوحى إليه أن اصنع الفلك، وليكن طولها ثلاثمائة ذراع.
وعرضها خمسين ذراعا، وارتفاعها في السماء ثلاثين ذراعا، وليكن بابها في عرضها، وادخل الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك، ومن كل شيء من اللحم اثنين اثنين ذكورا وإناثا، فإنّي منزل المطر على الأرض أربعين يوما وأربعين ليلة، فأتلف كل شيء خلقته على الأرض./ ١٢/ وأن تعمل تابوتا تجعل [١] فيه جسد آدم، وتصنع التابوت من خشب الشمشار «٢»، وتجعل [١] معك زاد سنة.
ففعل نوح.
فأرسل الله الطوفان على الأرض في سنة ستمائة [٢] من عمر نوح، في سبعة عشر يوما من الشهر الثاني. ولبث [٣] الفلك «٣» في الماء مائة وخمسين يوما. ثم أرسل الله ريحا فغشيت الأرض، فنشفت الأرض الماء، وانسدّت [٤] ينابيع الأرض وميازيب السماء، واستقرت في الشهر السادس على جبل قردى، «٤» [٥] وفي الشهر العاشر بانت رءوس الجبال. فلما كان في سنة ستمائة سنة وسنة [٦]، في أوّل يوم من الشهر الأوّل،
_________________
(١) ط، ق، م، و: «تحمل» .
(٢) ب: «في ستمائة سنة من» - ط، ل: «سنة ستمائة من» . التوراة: «ولما كان نوح ابن ستمائة سنة صار طوفان» .
(٣) ق، م، و: «ولبثت» .
(٤) ب، ط، ل: «واستدت» .
(٥) ب، ط، ل: «الجودىّ» .
(٦) ب، ط، ل: «فلما كان السنة الإحدى والستمائة» .
[ ٢٢ ]
نضب الماء عن الأرض، فكشف نوح غطاء الفلك فرأى وجه الأرض.
وفي سبعة وعشرين يوما [١] من الشهر الثاني جفّت الأرض.
فهذا ما في التوراة.
قال وهب بن منبه:
ذكر لنا أن السفينة استقلّت في عشر خلون من رجب، وكانت في الماء مائة وخمسين يوما، ثم استقرّت على الجودىّ- وهو جبل بأرض الجزيرة- شهرا.
وخرج نوح إلى الأرض في عشر خلون من المحرّم.
وفي التوراة: «١» إن الله أمر نوحا أن يخرج من الفلك هو ومن معه. فخرجوا: وابتنى [٢] نوح مذبحا للَّه. وقرّب قربانا على المذبح. فأنشأ الله على القربان ريح الراحة، وبرك [٣] نوحا وبنيه، وقال لهم: أثمروا وأكثروا واملئوا الأرض. لتكن هيبتكم على دواب الأرض وكل طير السماء، وحيتان البحار، ولكن لا تأكلوا لحما فيه نفسه، [٤] ومن يهريق دم البشر ففي البشر [٥] يهراق دمه، من أجل أن آدم خلق على صورة الله ﷿. [٦] وقال لنوح: إن آية ميثاقي، الّذي أوثقكم به، ألّا أفسد الأرض بالطوفان، قوسى الّذي جعلت في الغمام، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا ميثاقي.
وذكر وهب بن منبه:
أن نوحا دخل الفلك وولده [٧] الثلاثة: سام، وحام، ويافث، ونساؤهم، وأربعون رجلا، وأربعون امرأة من المسلمين. فلما خرجوا بنوا قرية سمّوها:
_________________
(١) و: «وفي سبعة عشر يوما» .
(٢) ل: «وأنشأ» .
(٣) ب، ل: «ونزل نوح وبنوه» .
(٤) ب: «دنسه» .
(٥) ب، ل: «ومنه» .
(٦) ق، م: «﵎» .
(٧) ب، ط، ل: «وأولاده» .
[ ٢٣ ]