(١) عصر المؤلف:
بغداد:
لم تكن «بغداد» - قبل أن أخذ أبو جعفر المنصور في تأسيسها- مدينة ملحوظة. بل كل ما نعرفه عنها أنها كانت أيام الأكاسرة والأعاجم قرية من قرى «بادُورَيا» «١» . وعلى حين كانت «المدائن» - وهي قصبة الملك إذ ذاك- تزهى بإيوان كسرى، وتفيض أُبهة وجلالا، لم تنضم «بغداد» إلا على دير كان على مصب «الصّراة» «٢» عرف باسم: الدّير العتيق.
ولم يكن حظ «بغداد» في الأيام الأولى للعرب خيرا منها أيام الأعاجم.
فلقد اتجه العرب إلى غير «بغداد» من مدن «العراق، يختطونها ويعمرونها، فاختط سعد بن أبى وقاص «الكوفة» سنة سبع عشرة من الهجرة، وكان عندها عامل «عمر بن الخطاب» «٣» .
واختط عتبة بن غزوان المازني «البصرة» في السنة نفسها. وكان هو الآخر عاملا لعمر بن الخطاب «٤» .
[ ٢٧ ]
وجاءت الدولة الأموية وعلى رأسها «معاوية بن أبى سفيان» . وكان «معاوية» قبل أن يكتب له هذا النصر عاملا لعمر بن الخطاب على الشام، ثم لعثمان بن عفان عشرين عاما، وكان ينزل هو وأهله دمشق.
فما إن غلب على الأمر وأصبح السلطان إليه حتى جعل «دمشق» مقرّ سلطانه، يلتفّ حوله آله وأنصاره وأشياعه.
ونهضت «دمشق» وأصبحت محطّ رحال العلماء، ومعترك الرأى، ومقصد ذوى الجاه، وأخذ شأنها يعلو والحضارة فيها تزدهر.
وعاشت على ذلك حقبة، اتصلت أعوامها باتصال أعوام الدولة الأموية.
ولما أفضت الخلافة إلى بنى العباس مالوا عن الشام إلى العراق، يميل بهم عن الأولى أنها معقل الأمويين ومجتمع أنصارهم، ويميل بهم إلى الثانية أنها مهد دعوتهم ومكان شيعتهم.
وما يكاد «أبو العباس السفّاح عبد الله بن محمد بن على» يلي خلافة الهاشميين سنة ١٣٢ هـ حتى يقصد قصد «العراق» وينزل «الكوفة» ثم يتحول عن «الكوفة» إلى «الأنبار» ويأخذ في بناء مدينة على شاطئ الفرات يسميها: الهاشمية «١» .
ويموت أبو العباس السفاح، ويجيء في إثره أبو جعفر المنصور، يلي من أمر الهاشميين ما وليه أبو العبّاس من قبله، فيختار موضعا بين «الكوفة» «والحيرة» يبنى فيه مدينة، يُسميها هو الآخر: الهاشمية.
[ ٢٨ ]
وتثور الرّاونديّة «١» بأبي جعفر المنصور في مدينته «الهاشمية» فيكره سُكناها- وإلى جانب «الهاشمية»: «الكوفة» - وهو لا يأمن أهلها على نفسه، فيخرج يرتاد له موضعا يتخذه مقاما له ولجنده، فينحدر إلى «جرجرايا»، ثم يصير إلى «بغداد» ويتركها ويمضى إلى «الموصل» ثم يعود إليها ثانية «٢» .
ويسأل «أبو جعفر» عن اسمها فيخبر به، فيقول: هذه والله المدينة التي أعلمنى بها أبى «محمد بن عليّ» أنّى أبنيها وأنزلها وينزلها ولدى من بعدي «٣» .
وقيل إن متطببا نصرانيّا «بالمدائن» هو الّذي أنهى إلى «المنصور» - وقد علم السبب في خروجه- أن رجلا يدعى مقلاصا، «٤» يبنى مدينة بين «دجلة» و«الصّراة»، فيقول المنصور: إني والله كنت أدعى مقلاصا وأنا صبىّ، ثم زال عنى «٥» .
ويقال: إن أبا جعفر لما عاد إليها من الموصل قال: هذا موضع معسكر صالح، هذه «دجلة»، ليس بيننا وبين «الصين» شيء، يأتينا فيها كل ما في البحر، تأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية وما حول ذلك. وهذا «الفرات»، يجيء فيه كل شيء من الشام والرّقة وما حول ذلك. فنزل وضرب عسكره على الصراة واختط المدينة «٦» .
وفرغ أبو جعفر المنصور من بنائها سنة ١٤٦ من الهجرة، ونزلها مع جنده وسماها: مدينة السلام «٧» .
[ ٢٩ ]
والحديث طويل عن بناء أبى جعفر لبغداد، وما أعدّ لذلك، وما أنفق فيه، والحال التي أنشأها عليها، ورسمها لها، ساقه ياقوت في: معجم البلدان، واليعقوبي في كتابه: البلدان، والطبري في تاريخه، وابن الأثير في كتابه: الكامل، وابن الخطيب في كتابه: تاريخ بغداد، والاصطخرى، وابن حوقل، والمقدسي، والبلاذري، وابن جبير، وابن بطوطة، ثم عليّ ظريف الأعظمي في كتابه: «مختصر تاريخ بغداد القديم والحديث» «١»، وكارل بروكلمان في كتابه: تاريخ الشعوب الإسلامية «٢»، والخضرى في كتابه: تاريخ الأمم الإسلامية «٣» .
وتبقى «بغداد» مقام الخلفاء العبّاسيين حتى أيام المعتصم باللَّه محمد بن هارون الرشيد (٢١٨ هـ- ٢٢٧ هـ) ويكثر المعتصم من الجند الأتراك حين يسوء ظنّه بالعرب من حوله، وتضيق «بغداد» ذرعا بهؤلاء الجند، ويرى «المعتصم» أن لا غنى له عنهم، ولا مقام له ببغداد بهم، فيخرج بهم من «بغداد» إلى «سرّ من رأى» التي ابتناها وجعلها دارا للخلافة، وكان ذلك سنة ٢٢١ هـ «٤» .
ويثور الجند الأتراك بالخليفة المهتدي باللَّه ويقتلونه، ويلتفون حول «المعتمد على الله العباس بن أحمد» ويقيمونه خليفة (٢٥٦ هـ- ٢٧٩ هـ) .
وقبل وفاة «المعتمد» بعام- أي سنة ٢٧٨ هـ- يعود إلى «بغداد» ويجعلها دارا للخلافة كما كانت من قبل.
[ ٣٠ ]