ولا خلاف بين الذين ترجموا لأبى محمد في السنة التي ولد فيها- وهي سنة ٢١٣ هـ- وإن كان منهم نفر قد سكتوا عنها، كالبغدادى، لا يذكرون معها شهرا- كما يفعلون في الكثير، وكما فعلوا حين أرّخوا وفاته.
علة ذلك أنهم التقوا به حين ذاع اسمه، فحرصوا على جمع ماله، ولم يلتفتوا إليه حين دخل عليهم الدنيا، لأنه لم يكن مقدورا.
[ ٥٦ ]
ولكنا لا ندري: لم فات المؤرخين أن يأخذوا ذلك عن لسان «أبى محمد» حين فاتهم أن يأخذوه عن لسان غيره، ولقد كان بينهم ملء العين والسمع.
والمؤرخون حين لا يذكرون الشهر الّذي ولد فيه، ويسكتون عنه، يختلفون على أنفسهم حين يذكرون البلد الّذي ولد فيه.
فيذهب ابن النديم، وابن الأثير، وابن الأنباري: إلى أنه ولد في الكوفة.
لا ندري هل تابع ابن الأنباري (٥٧٧ هـ) ابن النديم (٣٢٨ هـ) فيها، حين سبقه بها، ثم قفّى على أثرهما ابن الأثير (٦٠٦ هـ)، أو انفرد كل بطريقة؟.
وهناك غير هؤلاء من المؤرخين الذين ذكرناهم من يذكرون أن مولده كان ببغداد، وأسبقهم بهذه الرواية البغدادي (٤٦٢ هـ) ثم السمعاني (٥٦٢ هـ)، ومن بعدهما القفطي (٦٠٦ هـ) لا يناقشون رواية غيرهم ممن سبقوهم، بل لا تحس أنهم كانوا على علم بها، وأنهم كان لهم طريقهم الخاص.
وجلّ أن هذه الإقامة في «بغداد» قد تكون هي التي أوحت إلى من قالوا بأن مولده بها أن يقولوه، وجلىّ أن من قالوا بأن مولده الكوفة، وهم يعلمون إقامته ببغداد، كانوا بمعزل عن هذا الإيحاء، وملكوا شيئا خرجوا به عما يكاد يكون متفقا عليه، يساندهم على ذلك أن أباه ليس بغداديا، وأن الأسرة كانت غريبة على بغداد.
وكما كان الاختلاف في البلد الّذي ولد فيه ابن قتيبة، كان الاختلاف في السنة التي مات فيها.
يروى ابن الأنباري (٣٢٨ هـ) عن ابن المنادي، عن أبى القاسم إبراهيم بن محمد ابن أيوب بن بشير الصائغ: أن ابن قتيبة أكل هريسة، فأصاب حرارة، فصاح
[ ٥٧ ]
صيحة شديدة، ثم أغمى عليه إلى وقت صلاة الظهر، ثم اضطرب ساعة ثم هدأ.
فما زال يتشهد إلى وقت السحر ثم مات. وذلك أول ليلة من رجب سنة ست وسبعين ومائتين.
ويتابع ابن الأنباري على هذا جملة من المؤرخين.
ويروى الخطيب البغدادي (٤٦٣ هـ) يقول: قرأت على الحسن بن أبى بكر، عن أحمد بن كامل القاضي، قال:
ومات عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينَوَريّ في ذي القعدة سنة سبعين ومائتين.
والخطيب البغدادي الّذي ذكر هذا الخبر بسنده، يذكر بعده الخبر الأول الّذي ساقه ابن الأنباري بسنده، ولكنه لا يرجح خبرا على خبر.
ويجيء ابن خلكان (٦٨١ هـ) فيزيد على هاتين الروايتين رواية فيقول:
توفى في ذي القعدة سنة سبعين، وقيل: سنة إحدى وسبعين. وقيل: أول ليلة من رجب سنة ست وسبعين ومائتين. ثم يزيد حاكما: والأخيرة أصح الأقوال.
ولكنّا نملك دليلا يزكى ابن خلكان في ترجيحه:
وهو أن قاسم بن أصبغ الأندلسى (٢٤٧- ٣٤٠ هـ) وهو ممن أخذ عن ابن قتيبة ببغداد، كانت رحلته إلى المشرق سنة ٢٧٤ هـ.
ولكن مؤرخا متأخرا، وهو: الألوسي نعمان بن محمود بن عبد الله (١٣١٧ هـ) يقول في كتابه: جلاء العينين في محاكمة الأحمدين (ص ٢٣٦): «وقال أبو محمد عبد الله بن قتيبة المتوفى سنة ٢٦١ هـ» .
ولا ندري دليل الألوسي على ما قال، وأغلب الظن أنها زلة طباعة.
[ ٥٨ ]