هذا كتاب من كتب ابن قتيبة المعروفة، ذكرته له جمهرة كبيرة من المؤرخين الذين ترجموا له، وما في نهج المترجمين أن يذكروا الكتب كلها، وإنما هم يقفون عند ما يصلهم علمه، أو يقفون له على أثر. وفي إجماع جملة منهم على شيء دليل على ذيوعه، ثم دليل على قدر هذا الشيء، إن صح هذا الظن.
وكتاب «المعارف» هذا: ذكره له ابن النديم (٣٨٥ هـ) في «الفهرست» والخطيب البغدادي (٤٦٣ هـ) في كتابه «تاريخ بغداد»، والسمعاني (٥٦٢ هـ) في كتابه «الأنساب»، وابن الأنباري (٥٧٧ هـ) في كتابه «نزهة الألباء»، والقفطي (٦٤٦ هـ) في كتابه «إنباه الرواة»، وابن خلكان (٦٨١ هـ) في كتابه «وفيات الأعيان»، وابن كثير (٧٧٤ هـ) في كتابه «البداية والنهاية»، وصاحب طبقات فقهاء السادة الحنفية، والطيب (٥٩٢ هـ) في كتابه «قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر»، وابن العماد (١٠٣٢ هـ) في كتابه «شذرات الذهب»، وحاجي خليفة في كتابه «كشف الظنون» .
كلهم مجمع على أن اسمه «المعارف» . يزيد عليهم حاجي خليفة فيقول:
«المعارف في التاريخ» ولهذه الزيادة صدى، فقديما نسب بعض الناس إلى ابن قتيبة كتابا في التاريخ.
يقول المسعودي «١»، وينقل عنه هذا حاجي خليفة وهو يتحدث عن تاريخ لأبى حنيفة الدينَوَريّ ٢٨٢ هـ «٢» . «قال المسعودي: هو كبير، أخذ ابن قتيبة ما ذكر وجعله عن نفسه» .
[ ٨٦ ]
وجاء فهرست الخزانة الظاهرية بدمشق يؤكد هذا، فقد ذكر (برقم ٨٠ تاريخ) كتابا باسم: تاريخ ابن قتيبة.
وظل الناس في شك من هذا حتى أتيحت فرصة للأستاذ إسحاق الحسيني، وهو يضع بحثه، أن يرى النسخة ويدرسها، فيتضح له أنها كتاب المعارف نفسه «١» .
ولعل سابقا قرأها فعرف أنها شيء في التاريخ، وأنها لابن قتيبة، فعنونها بهذا الاسم.
ولعل ابن قتيبة أوّل من سمى كتابا بهذا الاسم- أعنى: المعارف- فما بعلمه لمتقدم سبق ابن قتيبة، ولكنا نعلمه لمتأخرين جاءوا بعده، فأبو الفتح ناصر بن محمد (٤٤٤ هـ) له كتاب بهذا الاسم، وللغزالى أبى حامد محمد بن محمد (٥٠٥ هـ) كتاب: المعارف الفعلية، ولمحمد بن عبد الملك الهمدانيّ (٥٢١ هـ) أيضا كتاب:
المعارف في التاريخ «٢»، ولأبى الغنائم سعيد بن سليمان الكوفي (٦١٦ هـ) كتاب اسمه:
معارف القلوب بذكر كشف الغيوب. وللإمام النقشبندى أحمد بن عبد الأحد (١٠٣٤ هـ) كتاب اسمه: المعارف الدينية.
والقصد من هذه التسمية ألوان مختلفة من المعرفة، وضمها بعضها إلى بعض، قد تتسق ويصل بعضها ببعض رابط ما، وقد تختلف وحسبها أن اسم المعارف يجمعها.
غير أن ابن قتيبة، وإن كان السابق في ابتداع هذا الاسم وجعله عنوانا للكتاب، فقد كان مسبوقا في هذا اللون من التأليف، فلوكيع القاضي محمد بن خلف كتاب
[ ٨٧ ]
الشريف، يجرى «المعارف» لابن قتيبة مجراه «١» . ووكيع من شيوخ ابن قتيبة، حدث عنه وروى في كتابه «عيون الأخبار» في أكثر من موضع: «٢» ولمحمد بن حبيب البغدادي (٢٤٥ هـ) كتاب اسمه: المحبّر، يكاد تتفق كثرة من أبوابه مع أبواب كتاب «المعارف» وإن اختلفا في السرد. حتى لقد قيل:
إن ابن قتيبة نقل كتابه «المعارف» منه. ففي مقدمة «الفاخر» للمفضل ابن سلمة: «عن أحمد بن عبيد الله بن أحمد قال: أملى علينا أبو بكر محمد بن يحيى الصولي ﵀ هذا الكتاب. وكان سبب إملائه إياه علينا أن رجلا ممن كان يحضر مجلسه، يحضر مجلس أبى بكر محمد بن القاسم الأنباري. ﵀. فرأى يوما في يده كتابا، فأخذه يقرؤه، فوجده مجلدا من كتاب الزاهر «٣»، فقال: هذا منقول من كتاب الفاخر للمفضل بن سلمة، كما نقل أبو محمد بن قتيبة كتابه المعارف من كتاب المحبر لابن حبيب» .
ونجد مؤلفا معاصرا- هو ابن رسته أبو على أحمد بن عمر- قد ضمن كتابه «الأعلاق النفيسة» جملة من الأبواب التي انتظمها كتاب «المعارف»، فتحدّث عن:
الأوائل، والأشراف، وأهل العاهات، وأسماء المعلمين، ومن توالوا في نسق واحد.
يكاد يكون المكتوب هنا هو المكتوب هناك، مع اتفاق في المنقول عنهم.
وكما حاكى ابن قتيبة غيره ونقل عنه- إن صح هذا- حوكى ابن قتيبة في كتابه «المعارف» واحتذى حذوه. فابن الجوزي (٥٩٧ هـ) كان في كتابه «تلقيح فهوم الأثرة في التاريخ والسيرة» مصطنعا نهج ابن قتيبة في كتابه «المعارف» وجاريا فيه على أسلوبه.
[ ٨٨ ]
يقول حاجي خليفة «١»، وهو يعرّف بهذا الكتاب- أعنى كتاب تلقيح فهوم الأثرة- وهو كتاب على أسلوب المعارف لابن قتيبة.