حياته وتنقلاته:
هو أبو محمد، عبد الواحد بن علي التميمي، المَرَّاكُشِيّ١، المالكي: مؤرخ، بحَّاثة، ولد بمَرَّاكُش في ربيع الآخر سنة ٥٨١هـ/١١٨٥م، في أول أيام أبي يوسف، يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي المُوَحِّدِيّ٢، المنصور، صاحب بلاد المغرب. ثم انتقل إلى مدينة فاس، وهو ابن تسعة أعوام، فقرأ فيها القرآن وجوده ورواه عن جماعة من الأفاضل المُبرّزين في علوم القرآن والحديث والنحو واللغة.
وحين تم للمراكشي ما رغب فيه من تحصيل بفاس، عاد إلى مراكش، وظل يتردد بعد ذلك بين المدينتين، ينهل ما يتاح له من علوم ومعارف وفنون.
ثم رغب في السفر إلى الأندلس، فعبر إليها في أوائل سنة ٦٠٣هـ/١٢٠٧م، وأدرك جماعة من علمائها وفضلائها، لكنه لم يحصل منهم -كما يقول- إلا معرفة أسمائهم ومواليدهم ووفياتهم وعلومهم٣.
ومن الذين لقيهم المراكشي، وتوثقت صلاته بهم من أدباء عصره: أبو بكر بن زُهْر٤، وأديب آخر هو أحد أنجال ابن الطفيل الفيلسوف الأندلسي المشهور.
وعندما نزل إِشْبيليَّة، قدمه صديق له يدعى محمد بن الفضل إلى واليها إبراهيم بن أبي يعقوب يوسف، أخي الخليفة الموحدي الناصر، فحظي عنده، وأصبح من أصحابه وجلاسه٥.
وعن رأفة هذا الأمير به، وتقريبه إياه، يقول المراكشي: كان لي -﵀- محبًّا، وبي حفيًّا؛ وصلت إليَّ منه أموال وخِلَع جمة غير مرة. وعن بدء علاقته به
_________________
(١) معجم المؤلفين، عمر كحالة: ٢١٠/٦، الأعلام، خير الدين الزركلي: ١٧٦/٤.
(٢) توفي سنة ٥٩٥هـ/١١٩٩م. وستأتي ترجمته وافية في هذا الكتاب.
(٣) المعجب في تلخيص أخبار المغرب، المراكشي: ٣٦٠.
(٤) هو أبو بكر، محمد بن عبد الملك بن زهر الإيادي: من نوابغ الطب والأدب في الأندلس. ولد بإشبيلية، وتوفي سنة ٥٩٥هـ/١١٩٩م. "الأعلام، الزركلي: ٢٥٠/٦".
(٥) تاريخ الفكر الأندلسي، آنخل بلانثيا: ٢٤٨.
[ ٩ ]
وما تلاها من محبة وتلازم، يقول: لم أعرفه أيام وزارته، وإنما كانت معرفتي إياه حين ولوه إشبيلية سنة ٦٠٥هـ، ثم علت حالي عنده بعد ذلك، إلى أن يقول لي في أكثر الأوقات: والله، إني لأشتاقك إذا غبت عني أشد الشوق وأصدقه١.
ومن الذين أخلصوا له الود من أهل القضاء: أبو عمران، موسى بن عيسى بن عمران القاضي، وفيه يقول: وأبو عمران هذا صديق لي، لم أر صديقًا لم تغيره الولاية غيره. ولم يزل يعاملني بما كان يعاملني به قبل ذلك، لم ينقصني شيئًا من بره. ما لقيته قط في مركبه إلا سلم عليَّ مبتدئًا، وجدد لي برًّا٢.
وطمحت نفس المراكشي إلى مصر، فسافر إليها سنة ٦١٣هـ/١٢٢٧م، والتقى ببعض علمائها، ثم انتقل إلى مكة المكرمة، فأدى فريضة الحج سنة ٦٢٠هـ/١٢٢٤م. ثم تجول بعد ذلك في بعض بلدان المشرق٣.
آثاره:
لم يذكر الذين ترجموا لأبي محمد غير كتاب واحد هو: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، الذي ألفه استجابة لطلب واحد من أعيان عصره.
وقد فرغ المراكشي من تأليف هذا الكتاب سنة ٦٢٠هـ/١٢٢٤م. ونشره دوزي سنة ١٢٤٠هـ/١٨٤٧م، وأعاد طبعه سنة ١٢٩٨هـ/١٨٨١م، وترجمه فانيان إلى الفرنسية، ثم نشر الترجمة في الجزائر سنة ١٣١٠هـ/١٨٩٣م.
_________________
(١) المعجب في تلخيص أخبار المغرب: ٣٠٨-٣٠٩.
(٢) المعجب نفسه: ٣١٣.
(٣) معجم المؤلفين، كحالة: ٢١٠/٦؛ الأعلام، الزركلي: ١٧٦/٤.
[ ١٠ ]
بسم الله الرحمن الرحيم