أبو عبد الله هذا هو محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي، أمه أم ولد اسمها: زهر، رومية. بويع له بعهد أبيه إليه في سنة ٥٩٥ بعد وفاة أبيه. وقد كان أبوه أمر ببيعته في سنة ٨٦ وسنه إذ ذاك عشر سنين إلا أشهرًا. وكان مولده في آخر سنة ٥٧٦، ولم يزل مرشحًا للخلافة معروفًا بها إلى أن مات أبوه واستقل بالأمر في التاريخ المذكور، وسنه يوم بويع له البيعة الكبرى العامة، سبع عشرة سنة وأشهر. وكانت وفاته لعشر خلون من شعبان سنة ٦١٠؛ فكانت مدة ولايته ست عشرة سنة إلا أشهرًا.
صفاته
أبيض، أشقر شعر اللحية، أشهل العينين١، أسيل الخدين٢، حسن القامة، كثير الإطراق٣، شديد الصمت، بعيد الغَوْر٤ -كان أكبر أسباب صمته لثغًا٥ كان بلسانه- حليمًا، شجاعًا، عفيفًا عن الدماء، قليل الخوض فيما لا يعنيه جدًّا، إلا أنه كان يُبخِّل أولاده.
أولاده
كان قليل الولد جدًّا، لا أعلم له من الولد سوى يوسف ولي عهده، ويحيى، وإسحاق. توفي يحيى في حياته بإشبيلية سنة ٦٠٨. وبلغني عن جماعة من الحشم أنه كان رشح يحيى هذا لولاية العهد؛ وله بنات.
_________________
(١) أشهل العينين: في عينيه شُهْلَة، وهي أن يشوب إنسان العين حمرةً.
(٢) أسيل الخدين: ناعمهما.
(٣) الإطراق: السكوت، أو غض البصر.
(٤) بعيد الغور: داهية، محنَّك.
(٥) اللثغ: أن يتحول اللسان من حرف إلى حرف غيره، كأن يجعل السين ثاء، والراء غينًا.
[ ٢٢٦ ]
وزراؤه
أبو زيد عبد الرحمن بن موسى بن يُوجَّان، وزير أبيه.
ثم عزله بعد مدة يسيرة، وولى بعده أخاه إبراهيم ابن أمير المؤمنين أبي يوسف
صلة المؤلف بإبراهيم بن أبي يوسف
وهو خير ولده وأجدرهم بالأمر لو كانت الأمور جارية على إيثار الحق واطِّراح الهوى؛ لا أعلم فيهم أنجب منه. كان لي -﵀- محبًّا وبي حفيًّا١؛ وصلت إلي منه أموال وخلع جمة غير مرة. لم أعرفه أيام وزارته؛ لأني كنت إذ ذاك حديث السن جدًّا ما ناهزت٢ الاحتلام، وإنما كانت معرفتي إياه حين ولوه إشبيلية في سنة ٦٠٥، من جهة رجل من أصحابنا من الكتاب اسمه محمد بن الفضل -جازاه الله عني خيرًا- هو الذي أوصلني إليه؛ أنشدته أول يوم لقيتُه قصيدة مدحته بها، أولها: من الكامل
لكمو على هذا الورى التقديم وعليهمو التفويض والتسليمُ٣
الله أعلاكم وأعلى أمره بكمو وأنف الحاسدين رَغِيمُ٤
أحييتمو المنصور فهو كأنه لم تفتقده معالِمٌ وعلومُ٥
ومحابرٌ ومنابرٌ ومحاربٌ وحِمًى يحاط وأرملٌ ويتيمُ٦
إلى أن أقول فيها في ذكر ولايته إشبيلية:
فكأنما حمص جمالًا سارَةٌ وكأن إبراهيمَ إبراهيمُ٧
وأرى طليطلة كهاجرَ إثرها سيزفها الأدفنش وهو ذميمُ٨
_________________
(١) الحفي: اللطيف الرقيق. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] .
(٢) ناهز الأمر: داناه وقاربه.
(٣) فوض الأمر إليه تفويضًا: جعل له التصرف فيه.
(٤) الرغيم: الذليل، المُكرَه.
(٥) المعالم: جمع المعلم، من كل شيء: مظنته، والمعلم أيضًا: العلامة: ما يستدل به على الطريق من أثر.
(٦) المحابر: جمع المحبرة: وعاء الحبر. المحارب: مواضع الحرب. يُحاط: يُذاد عنه، يُحمى.
(٧) حمص: هي إشبيلية على التشبيه. سارة: هي زوجة إبراهيم الخليل -﵇-. إبراهيم "الأول": ممدوحه. وإبراهيم "الثاني": النبي إبراهيم الخليل -﵇-.
(٨) هاجر: هي زوجة إبراهيم الخليل -﵇- الثانية.
[ ٢٢٧ ]
أقول فيها:
يذر الصليب صغيره وكبيره فيها جُذاذًا والعلوج جثومُ١
ويحرق الأعداء فيما أضرمتْ ويجوب نار الحرب وهي جحيمُ٢
لم يبق على خاطري منها لتقادم عهدها وقلة اعتنائي بها سوى هذه الأبيات التي أوردتها؛ فاستحسنها -﵀- وبالغ في الثناء عليها، تفضلًا منه وسؤددًا، وجريًا على سنن الأجواد؛ هذا مع ركاكتها وقلة انطباعها وظهور تكلفها.
ثم علت حالي عنده بعد ذلك -نضر الله وجهه- إلى أن كان يقول لي في أكثر الأوقات: والله إني لأشتاقك إذا غبت عني أشد الشوق وأصدقه! ثم لم تزل حالي معه على هذا إلى أن فارقته -رحمة الله عليه- وهو والٍ على إشبيلية ولايته الثانية.
وكان توديعي إياه -قدس الله روحه- آخر يوم من ذي الحجة سنة ٦١٣، ثم اتصلت بي وفاته وأنا بصعيد مصر سنة ٦١٧.
لم أر في العلماء بعلم الأثر المتفرغين لذلك أنقل منه للأثر؛ كان يذهب مذهب أبيه في الظاهرية.
ثم عزله أبو عبد الله وولى بعده أبا عبد الله محمد بن علي بن أبي عمران الضرير، جد يوسف بن عبد المؤمن لأمه؛ وكناه أبا يحيى؛ فكان أبو عبد الله الوزير هذا من أحسن الوزراء سيرة وسريرة، وكان يحضه على فعل الخير بجهده، ونشر العدل حسب طاقته، والإحسان إلى الرعية والأجناد. رأى الناس في أيام وزارته من الخصب وسعة الأرزاق وكثرة العطاء مثل الذي رأوا في أيام أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن أو قريبًا منه.
ثم عزل وولى بعده أبا سعيد عثمان بن عبد الله بن إبراهيم بن جامع
أولية الوزير أبي سعيد بن جامع
كان إبراهيم بن جامع جد هذا الوزير من جملة أصحاب ابن تومرت، صحبه من مراكش؛ وكان أصله من الأندلس؛ آباؤه من أهل مدينة طليطلة، ونشأ هو -أعني إبراهيم- بساحل مدينة شريش على البحر الأعظم، بضيعة تسمى رُوطَة، وبها مسجد مشهور بالفضل يزوره أهل الأندلس قاطبة في كل سنة. ثم انتقل إبراهيم هذا
_________________
(١) يذر الصليب: يتركه. الجُذاذ: المقطع المكسر. جثوم: من جثم فلان: لصق بالأرض.
(٢) أضرمت: أشعلت. جحيم: شديدة الاشتعال والتأجج.
[ ٢٢٨ ]
إلى العدوة، وكان يحاول صنعة النحاس؛ فتعرف بابن تومرت، فكان من أصحابه، فهو معدود فيهم. وولد له أولاد نالوا في الدولة حظوة وجاهًا متسعًا؛ فمن أولاده: أبو العلاء إدريس وزير أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، وقد تقدم ذكره. وأبو هذا الوزير المتقدم الذكر، اسمه عبد الله، كان يتولى في إمارة أبي يعقوب مدينة سبتة وجهاتها، وزيادة على ذلك ولاية الأسطول في جميع بلادهم. فلم يزل كذلك إلى أن مات -أظن أمير المؤمنين أبا يعقوب قتله! - وترك من الولد: يوسف، والحسين، وعثمان الوزير هذا المذكور، ويحيى، وبنات.
فاستمرت وزارة أبي سعيد هذا إلى أن توفي أمير المؤمنين أبو عبد الله؛ ووزر بعده لابنه أبي يعقوب إلى حين ارتحلتُ من البلاد -وهو سنة ٦١٤-. ثم اتصل بي في شهور سنة ٦١٧ أن أبا يعقوب عزله وولى من سيأتي ذكره بعد هذا -إن شاء الله ﷿-.
حجابه
ريحان الخصي، ويدعى ريحان بِيَنْك، حجبه ريحان هذا إلى أن مات.
ثم حجبه بعده مبشر الخصي، يدعى مبشر ولدي. فلم يزل مبشر هذا حاجبًا له إلى أن توفي أمير المؤمنين أبو عبد الله، ﵀.
كتابه
أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عياش، المتقدم الذكر في كتاب أبيه.
وأبو الحسن علي بن عياش بن عبد الملك بن عياش، المتقدم ذكر أبيه في كتاب عبد المؤمن وأبي يعقوب.
وأبو عبد الله محمد بن يَخْلُفْتَن بن أحمد الفازازي؛ ذكره الله فيمن عنده، وقرب مطالعتي تلك الغرة الميمونة، وسماعي تلك الألفاظ الحلوة، واستمتاعي بتلك الشمائل الشريفة؛ فما أشد شوقي إلى تقبيل يديه!.
هؤلاء كتبة الإنشاء. وكتاب الجيش: أبو الحجاج يوسف المُرَاني "بتخفيف الراء وضم الميم" من أهل مدينة شريش من جزيرة الأندلس.
ثم بعده أبو جعفر أحمد بن منيع إلى وقتنا هذا، وهو سنة ٦٢١.
قضاته
أبو القاسم أحمد بن محمد بن بقي قاضي أبيه.
[ ٢٢٩ ]
ثم عزله وولى أبا عبد الله محمد بن مروان الذي كان أبوه قد عزله؛ فلم يزل قاضيًا إلى أن مات.
وولى بعده رجلًا من أهل مدينة فاس، اسمه محمد بن عبد الله بن طاهر، يدعي أنه من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب١. كان قبل اتصاله بهم ينتحل طريقة الوعظ ويتصوف، لم يزل هذا دأبه ولا برح معروفًا به. وكان له مع هذا حظ جيد من معرفة أصول الفقه وأصول الدين وشيء من الخلاف. اتصل بأمير المؤمنين أبي يوسف شهور سنة ٥٨٧، فحظي عنده وكانت له منه منزلة. سمعت أبا عبد الله الحسيني هذا يقول وأنا عنده في بيته: جملة ما وصل إلي من أمير المؤمنين أبي يوسف منذ عرفته إلى أن مات، تسعة عشر ألف دينار، خارجًا عن الخلع والمراكب والأقطاع.
لم يزل أبو عبد الله هذا قاضيًا إلى أن مات بالأندلس في شهور سنة ٦٠٨، وكانت ولايته في شهور سنة ٦٠١.
ثم ولى بعده أبا عمران موسى بن عيسى بن عمران؛ كان أبوه من قضاة أبي يعقوب؛ فاستمرت ولاية أبي عمران هذا إلى هذا الوقت -وهو سنة ٦٢١- لم يبلغني عزله ولا وفاته. وأبو عمران هذا لي صديق، لم أر صديقًا لم تغيره الولاية غيره، ولم يزل يعاملني بما كان يعاملني به قبل ذلك، لم ينقصني شيئًا من بره. ما لقيته قط في مركبه إلا سلم علي مبتدئًا وجدد لي برًّا؛ جزاه الله عني أفضل الجزاء، وعم بذلك سائر إخواني!.
أعمال أبي عبد الله بن أبي يوسف
ولما تمت بيعة أبي عبد الله العامة كما ذكرنا -وكان الذي تولاها وقام بأمرها من القرابة: أبو زيد عبد الرحمن بن عمر بن عبد المؤمن، وهو الذي قام ببيعة أبيه؛ ومن الموحدين: أبو زيد عبد الرحمن بن موسى وزير أبيه، وأبو محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص -وهو الذي ولاه محمد بعد هذا أمر إفريقية- كان أول شيء شرع فيه تجهيز الجيوش إلى إفريقية؛ وذلك أن يحيى بن إسحاق بن غانية المتقدم الذكر، كان استولى على أكثر بلادها أيام اشتغل الموحدون عنه بغزو الروم؛ فأول جيش جهز أبو عبد الله من الموحدين، الجيش الذي استعمل عليه السيد أبا الحسن علي بن عمر بن عبد المؤمن؛ لم أر لهم جيشًا أضخم منه ولا أكثر منه سلاحًا ولا
_________________
(١) هو أبو عبد الله، السبط، الشهيد، ابن فاطمة الزهراء، الهاشمي، العدناني، القرشي، المتوفى سنة ٦١هـ/ ٦٨٠م.
[ ٢٣٠ ]
أحسن عدة. وكان فيه من أعيان الموحدين وأشياخهم جملة وافرة. فسار أبو الحسن هذا بجيشه المذكور حتى التقى هو والميورقيون فيما بين بجاية وقسطنطينة، وبالقرب من قسطنطينة؛ فانهزم الموحدون أصحاب أبي الحسن المذكور، ورجع أبو الحسن إلى بجاية على حالة سيئة.
وجهز بعد هذا الجيش جيشًا على مثاله، وأمر عليهم من الموحدين أبا زيد عبد الرحمن بن موسى الوزير؛ فسار بالجيش حتى بلغ قسطنطينة المغرب.
دخول الموحدين جزيرة ميورقة
ثم استعمل أمير المؤمنين أبو عبد الله على إفريقية وأعمالها، السيد الأجل أبا زيد عبد الرحمن بن عبد المؤمن، وخرج هو في سنة ٥٩٧ إلى تينمل لزيارة قبر أبيه أبي يوسف، وزيارة ضريح آبائه وابن تومرت. ثم رجع إلى مراكش، وأقام إلى أول سنة ٦٠٩، فتجهز بجيوش ضخمة حتى أتى مدينة فاس ونزل بها، وأشاع أنه يقصد إفريقية -هذا بعد أن بلغه أن الميورقي استولى على مدينة تونس، وقبض على الوالي عليها عبد الرحمن- فأقام بفاس ثلاثة أشهر وأيامًا، وبدا له أن يبعث بعثًا إلى جزيرة ميورقة، ليستأصل شأفة١ بني غانية ويقطع دابرهم٢؛ فعمر الأسطول والطرائد فيها الخيل والرجال، واستعمل على الأسطول عمه أبا العلاء إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن، وعلى الجيش أبا سعيد عثمان بن أبي حفص من أشياخ الموحدين؛ فقصد الجزيرة هذان الرجلان ففتحاها عنوة، وقتلا عبد الله بن إسحاق بن غانية الأمير عليها؛ وكان الذي قتله رجل من الأكراد يقال له: عمر المقدم؛ وذلك أنه حين نازله القوم خرج على باب من أبواب المدينة سكران، فكبَتْ به فرسه، فضربه هذا المذكور بسيفه حتى مات؛ وقيل: إنه قتله بسيف نفسه.
وكان دخولهما ميورقة وقتلهما أميرها المذكور في شهر ذي الحجة من سنة ٥٩٩، فانتهبا أمواله، وسبيا حرمه، ودخلا بهم مدينة مراكش على الجمال في هيئة الأسارى. فأما النساء فدخل بهن ليلًا فجعلن في بعض الخانات إلى أن نفذ الأمر بالمن عليهن وإطلاقهن، وتزويج من تحتاج إلى التزويج منهن وتجهيزها بمال. وأما الرجال فلم يزالوا في الحبس إلى أن من عليهم بعد أن ضمنهم أكابرهم واتُّخذوا أجنادًا فهم، كذلك إلى اليوم.
وبلغني أن المتولين لفتحها انتهبوا منها أموالًا عظيمة وذخائر نفيسة.
_________________
(١) يستأصل شأفتهم: يزيلهم من أصلهم.
(٢) يقطع دابرهم: يفنيهم عن آخرهم.
[ ٢٣١ ]
ثم رجع أمير المؤمنين أبو عبد الله إلى مراكش، وبها اتصل به خبر فتح ميورقة؛ وكان رجوعه إلى مراكش في ذي القعدة من السنة المذكورة.
عبد الرحمن الجزوليّ الثائر
وقد كان قبل هذا في سنة ٩٧، قام بسوس رجل من جَزُولة اسمه عبد الرحمن، يعرف عندهم بما معناه بلسانهم ابن الجزارة، فدعا إلى نفسه؛ واجتمع إليه خلق كثير. واشتد خوف الموحدين منه، فلم يزالوا يجهزون إليه العساكر بعد العساكر، وفي كل ذلك يهزمهم؛ إلى أن بعثوا بعثًا من الموحدين والغز وأصناف الجند، بعد أن تقدموا إلى المصامدة والمجاورين للبلاد التي كان فيها؛ وقالوا: إنما يقوى هذا الرجل بتغافلكم عنه، ومسامحتكم إياه، ولو شئتم لم يبق بالبلاد يومًا واحدًا! فتحركوا عند ذلك وأظهروا الحمِيَّة، والتقوا هم وأصحاب عبد الرحمن المذكور -وكان يدعى أبا قصبة- فأسلمته جموعه، وقُتل وسِير برأسه إلى مراكش؛ فكتب إلي بعض إخواني، وهو إذ ذاك صبي صغير كان مع أبيه بسوس -وكان أبوه من العمال، من أهل جزيرة الأندلس من ناحية بلنسية- يخبرني بهذا الفتح قبل وصوله إلي من جهة كتاب الموحدين المتولين له، رسالة أولها:
كُتب من منزل سوس وقد تبلَّج١ فجر الفتح فأسفر، وقال فريق الضلال وشيعته: أين المفر؟ وقد ألقى النصر جِرَانه٢، وأعز الله حزبه المؤيد وأعوانه؛ وشرح الحال على غاية الإيجاز؛ لأجل الاستعجال في إنهاء هذه البشائر والانحفاز٣، أن الناكثين النابذين للعروة الوثقى، المتمسكين بالسبب الأشقى، حاصرهم الموحدون -أنجدهم الله- أشد الحصار، وقطعوا عنهم مواد المعايش وزَرَافات٤ الأنصار؛ ولسان التأييد يتلو علينا بالعشي والإشراق. ما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فَوَاق٥. ولحين ما أخذ الموحدون -أنجدهم الله- في حسم دائهم العضال، وجردوا لهم من عزماتهم الصادقة ما هو أمضى من النصال، طاحوا مُجدَّلين بالحضيض٦، وملأ جثمانُهم الفضاءَ العريض، وخيب الله ظنونهم الكاذبة وآمالهم،
_________________
(١) تبلج الفجر: أسفر وأنار ووضح.
(٢) الجران: باطن العنق من البعير، وغيره.
(٣) الانحفاز: التهيؤ والإسراع في إمضاء الأمر.
(٤) الزرافات: جمع الزرافة: الجماعة من الناس.
(٥) الفواق: "بفتح الفاء": الوقت بين الحلبتين، والفواق "بضم الفاء": اسم من أفاق العليل أو السكران، أو ما يأخذ المحتضر عند النزع.
(٦) طاحوا: هلكوا. مجدلون: صرعى. الحضيض: ما سفُل من الأرض.
[ ٢٣٢ ]
وصيرهم إلى أمهم الهاوية فكانت أولى بهم؛ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط١ أعمالهم؛ وأمكن الله من رأس ضَلَالهم المدعو بأبي قَصَبة، فقهره الحزب المنصور وغلبه، وحز الحسام منه قُنَّةً٢ ورقبة
إنما أوردت هذه الرسالة هاهنا لغرابة شأن من وردت علي منه؛ وذلك أنه كان حين كتب بها إلي لم يحتلم بعد!.
فتح جزرة مُنرقة
ومع اتصال هذا الفتح بهم، اتصل معه فتح جزيرة منرقة؛ كان فيها من أصحاب ابن غانية رجل اسمه الزبير بن نَجَاح؛ دخلوها عليه فقتلوه ووجهوا برأسه إلى مراكش، فهو معلق بها مع رأس أبي قصبة المذكور.
محاربة يحيى بن غانية بإفريقية
ولما كانت سنة ٦٠١، تجهز أمير المؤمنين أبو عبد الله في جيوش عظيمة، وقصد بلاد إفريقية؛ وقد كان الميورقي يحيى بن غانية قد استولى عليها، خلا قسطنطينة وبجاية؛ هيأ له ذلك غفلة الموحدين عنه، واشتغال أمير المؤمنين أبي يوسف بغزو الروم بالأندلس على ما قدمناه.
فسار أبو عبد الله حتى نزل بلاد إفريقية؛ فما استعصى عليه بلد من بلادها خلا المهدية، مهدية بني عبيد؛ فإنه أقام عليها أربعة أشهر قبل أن دخلها؛ أوجب ذلك ما قدمنا من شدة منعتها -وكان يحيى بن غانية قد ولى فيها ابن عمه لَحًّا، أبا الحسن علي بن محمد بن غانية -فلما طال عليه الحصار سلم البلد وخرج بنفسه يقصد ابن عمه. ثم بدا له أن يرجع إلى الموحدين، فأرسل إليهم فتلقوه أحسن لقاء، ووصلوه من الصلات النفيسة بما لا قيمة له٣، ولا يصل بمثله إلا الخلفاء، وبعد هذا نزع إليهم أخو يحيى بن غانية، سير بن إسحاق بن محمد؛ فأكرموا نزله وأقطعوه الأقطاع الواسعة بعد أن ملئوا يديه أموالًا.
ولم يزل أبو عبد الله أمير المؤمنين مقيمًا بإفريقية يصلح ما أفسده ابن غانية،
_________________
(١) أحبط أعمالهم: أبطلها.
(٢) القنة: قنة كل شيء: أعلاه.
(٣) أي: لا يساويه شيء؛ لنفاسته أو كثرته.
[ ٢٣٣ ]
إلى أن تم له ما أراد من ذلك. وبلغني أن جملة ما أنفق في هذه السفرة مائة وعشرون حملًا ذهبًا.
ثم رجع إلى مراكش دار الملك، بعد أن ترك بإفريقية من الموحدين وأصناف الجند من يقوم بحمايتها ويذود عنها من رامها. واستعمل عليها من أشياخ الموحدين أبا محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص عمر إينتي، فأقام بمراكش.
انتقاض الهدنة بين الموحدين والفرنجة
وكان رجوعه إليها في شهور سنة ٦٠٤، فأقام بها -كما ذكر- إلى أول سنة ٦٠٧، فانتقض ما بينه وبين الأدفنش -لعنه الله- من المهادنة، وبدا له أن يقصد بلاد الروم للغزو؛ فخرج بالجيوش حتى عبر البحر؛ وكان عبوره في شهر ذي القعدة من سنة ٧ المذكورة، فسار حتى نزل إشبيلية على عادة من سلف قبله؛ فأقام بها بقية السنة المذكورة.
فتح شَلْبَتِرَّة
وتحرك في أول سنة ٨ فقصد بلاد الروم؛ فنزل على قلعة عظيمة لهم في غاية المنعة تدعى شلبترة -معناه بلسان العرب: الأرض البيضاء، إلا أن فيه تقديمًا وتأخيرًا كما جرت العادة في لسان العجم- ففتحها بعد حصار وتضييق عليها شديد. وكان أبوه قد نزل عليها قبل ذلك فحاصرها أيامًا يسيرة ثم تركها شفقة على المسلمين وخوفًا عليهم. فراع فتح هذه القلعة الروم، وخامرهم الرعب١؛ وخرج الأدفنش -لعنه الله- إلى قاصية بلاد الروم مستنفرًا من أجابه من عظماء الروم وفرسانهم وذوي النجدة٢ منهم؛ فاجتمعت له جموع عظيمة من الجزيرة نفسها ومن السام، حتى بلغ نفيره٣ إلى القسطنطينية، وجاء معه صاحب بلاد أرغن المعروف بـ البرشنوني -لعنه الله-!.
أشهر الإمارات الإسبانية في ذلك العهد
وذلك أن جزيرة الأندلس يملك جهاتها الأربع أربعة ملوك من الروم:
إحدى الجهات تسمى أرغون -وهي التي ذكرنا- وهي شرقي الجزيرة مما يقابل الجنوب منها.
_________________
(١) خامرهم الرعب: خالطهم، ومازجهم.
(٢) النجدة: الشجاعة في القتال، أو سرعة الإغاثة.
(٣) النفير: القوم ينفرون للقتال.
[ ٢٣٤ ]
والجهة الأخرى -وهي المملكة الكبرى- بلاد تسمى بلاد قَشتال، يملكها الأدفنش -لعنه الله-؛ وحد هذه الجهة فيما بين الجنوب والشمال، أميل إلى الجنوب قليلًا.
والجهة الأخرى تسمى ليون، فهو أول الحد الشمالي المغربي، يملكها رجل يدعى بالبَبُوج؛ ومعنى هذا الاسم بالعربية: الكثير اللعاب.
والجهة الأخرى في الشمال مما يلي البحر الأعظم -بحر أقيانس- يملكها رجل يعرف بابن الريق، وقد تقدم ذكره في مواضع من هذا الكتاب.
والجزيرة بأسرها، أعني جزيرة الأندلس، تسمى في قديم الدهر عند الروم جزيرة أشبانية.
وبعد رجوع أمير المؤمنين أبي عبد الله من هذا الفتح المتقدم الذكر إلى إشبيلية، استنفر الناس من أقاصي البلاد، فاجتمعت له جموع كثيفة، وخرج من إشبيلية في أول سنة ٦٠٩، فسار حتى نزل مدينة جيان؛ فأقام بها ينظر في أمره ويعبئ عساكره. وخرج الأدفنش -لعنه الله- من مدينة طليطلة في جموع ضخمة، حتى نزل على قلعة رباح -وهي كانت للمسلمين، افتتحها المنصور أبو يوسف في الوقعة الكبرى- فسلمها إليه المسلمون الذين بها، بعد أن أمنهم على أنفسهم؛ فرجع عن الأدفنش -لعنه الله- بهذا السبب من الروم جموع كثيرة، حين منعهم من قتل المسلمين الذين كانوا بالقلعة المذكورة، وقالوا: إنما جئت بنا لتفتتح بنا البلاد وتمنعنا من الغزو وقتل المسلمين! ما لنا في صحبتك من حاجة على هذا الوجه!.
وقعة العقاب وهزيمة المسلمين
وخرج أمير المؤمنين من مدينة جيان، فالتقى هو والأدفنش بموضع يعرف بـ العقاب، بالقرب من حصن يدعى حصن سالم؛ فعبأ الأدفنش جيوشه ورتب أصحابه، ودهم المسلمين وهم على غير أهبة؛ فانهزموا، وقُتل من الموحدين خلق كثير.
وأكبر أسباب هذه الهزيمة اختلاف قلوب الموحدين؛ وذلك أنهم كانوا على عهد أبي يوسف يعقوب يأخذون العطاء في كل أربعة أشهر، لا يخل ذلك من أمرهم؛ فأبطأ في مدة أبي عبد الله هذا عنهم العطاء، وخصوصًا في هذه السفرة، فنسبوا ذلك إلى الوزراء؛ وخرجوا وهم كارهون؛ فبلغني عن جماعة منهم أنهم لم يَسُلُّوا سيفًا ولا شرعوا رمحًا ولا أخذوا في شيء من أهبة القتال؛ بل انهزموا لأول حملة الإفرنج
[ ٢٣٥ ]
عليهم قاصدين لذلك. وثبت أبو عبد الله هذا في ذلك اليوم ثباتًا لم ير لملك قبله، ولولا ثباته هذا لاستؤصلت تلك الجموع كلها قتلًا وأسرًا!.
ثم رجع من هذا الوجه إلى إشبيلية، وأقام بها إلى شهر رمضان من هذه السنة، ثم عبر البحر قاصدًا مدينة مراكش..
وكانت هذه الهزيمة الكبرى على المسلمين، يوم الاثنين منتصف صفر، الكائن في سنة ٦٠٩.
وفصل الأدفنش -لعنه الله- عن هذا الموضع بعد أن امتلأت يداه وأيدي أصحابه أموالًا وأمتعة من متاع المسلمين؛ فقصد مدينتي بياسة وأبذة؛ فأما بياسة فوجدها أو أكثرها خالية، فحرق أدورها وخرب مسجدها الأعظم؛ ونزل على أبذة وقد اجتمع فيها من المسلمين عدد كثير من المنهزمة وأهل بياسة وأهل البلد نفسه؛ فأقام عليها ثلاثة عشر يومًا، ثم دخلها عنوة فقتل وسبى وغنم؛ وفصل هو وأصحابه من السبي من النساء والصبيان بما ملئوا به بلاد الروم قاطبة؛ فكانت هذه أشد على المسلمين من الهزيمة!.
وفاة الناصر محمد
ولم يزل أمير المؤمنين أبو عبد الله مقيمًا بمراكش بقية سنة ٩ وأشهرًا من سنة ١٠ إلى أن توفي في شهر شعبان كما قدمنا؛ واختلف علينا في سبب وفاته١؛ فأصح ما بلغني أنه أصابته سكتة من ورم في دماغه؛ وذلك يوم الجمعة لخمس خلون من شعبان؛ فأقام ساكتًا لا يتكلم يوم السبت والأحد والاثنين والثلاثاء؛ وأشار عليه الأطباء بالفَصْد فأبى ذلك؛ وتوفي يوم الأربعاء لعشر خلون من شهر شعبان من سنة ٦١٠، ودفن يوم الخميس؛ صلى عليه خاصة الحشم!.
_________________
(١) في وفيات الأعيان نقلًا عن بعض المغاربة: أن الناصر أبا عبد الله أوصى عبيده الذين يحرسون بستانه في مراكش بقتل من ظهر لهم بالليل فيه، ثم أراد أن يختبر طاعتهم، فتنكر وجعل يمشي في البستان ليلًا. وعندما رأوه طعنوه برماحهم، فجعل يقول: أنا الخليفة! أنا الخليفة، فلم يتأكدوا من ذلك حتى هلك.
[ ٢٣٦ ]