ان اهمية كتاب المعرفة والتاريخ كبيرة، لانه من أقدم المصادر التي تناولت تاريخ القرون الثلاثة الاولى الهجرية، حيث لم يصل إلينا من كتب التأريخ المتقدمة الا عدد محدود جدا، لذلك فاضافة هذا المصدر اليها مهم في تكثير مصادر تلك الفترة.
وكذلك فأن اهميته تتصل بمكانة مؤلفه العلمية وتضلعه في الحديث والرجال والتاريخ.
وقد فقد المجلد الأول من الكتاب وهو يحتوي على مادة تأريخية مرتبة على السنين. ولا يمكن الحكم على قيمة القسم المفقود بصورة دقيقة، لكن المقتطفات المقتبسة منه تدل على اهميته حيث ينفرد أحيانا بمعلومات غنية كرواياته عن موقعة طلخ التي اعتمدتها المصادر العربية الأخرى ونقلتها عنه. وما بقي من القسم المرتب على الحوليات يتعلق بالعصر العباسي الأول وينتهي الى سنة ٢٤٢ هـ، ويلاحظ فيه الاقتضاب الشديد، وهي ظاهرة بارزة عند اسلافه ومعاصريه من المؤرخين مثل خليفة بن خياط (ت ٢٤٠ هـ) وابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) حيث أسهبا عند تناول الفترة المتقدمة واقتضبا عند تناول الفترة التي عاصراها.
ومع الاقتضاب الّذي يطبع هذا القسم من كتاب المعرفة والتاريخ فأن فيه إضافات على المصادر الأخرى وخاصة فيما يتعلق باحداث مكة مثل انفراده بذكر النزاع بين أهل مكة والجلودي، والاضطرابات التي وقعت بمكة اثر اعلان المأمون البيعة لعلي الرضا، وتمرد الاعراب على عامل
[ ١ / ٥١ ]
صدقات محمد بن داود بن عيسى والي مكة. وقد اهتم كثيرا بذكر أمراء مواسم الحج بانتظام وتتابع، كذلك يلاحظ انه لم يسند معظم الروايات في هذا القسم من كتابه سوى ما يتعلق بالعلماء والمحدثين، ويختفي الاسناد في السنوات الاخيرة التي تناولها.
ويلاحظ أنه اهتم في السنوات الاخيرة التي عاصرها بتسجيل بعض مشاهداته الخاصة مثل زيارته قبر ابن شهاب الزهري وتحديده موقعه، ومثل ذكر اخبار رحلاته الى الأقطار المختلفة. وقد سجل في نص أورده ابن عساكر ما قرأه على صفائح في قبلة مسجد دمشق من كتابات فيها تاريخ بناء المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك وبعض الآيات القرآنية الكريمة [١] .
اما التراجم التي أوردها بعد الحوليات فهي تمثل كتابا مستقلا عن الحوليات ولكن المؤلف أراد الجمع بين الحوليات والتراجم وسمى كتابه (كتاب المعرفة والتاريخ) أي معرفة الرجال، والتاريخ على السنين.
وفي قسم التراجم راعى في الترتيب العام لكتابه نظام الطبقات فقدم تراجم الصحابة ثم التابعين، وقسّم التابعين من أهل المدينة الى طبقات لكنه قدم فقهاء التابعين من أهل المدينة على سواهم من الحفاظ وصرح بأنه قدمهم لفقههم. ولكن التزامه بالترتيب على الطبقات لا يستمر بعد طبقات التابعين من أهل المدينة لأنه بدأ بتقديم تراجم مفصلة لمشاهير العلماء فقط. كذلك راعى الفسوي ترتيب التراجم على أساس الأسماء ضمن الطبقة فذكر من يسمى «عبد الله» في مكان واحد، ثم من يسمى «سلمان»، ثم من يسمى «كعب» وهكذا، ولم يرتب الأسماء على حروف المعجم.
وعند المقارنة بين «كتاب المعرفة والتاريخ» و«طبقات ابن سعد» يتبين:
_________________
(١) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق مجلد ٢ قسم ١/ ٣٧.
[ ١ / ٥٢ ]
ان بعض التراجم عند ابن سعد أطول: مثل ترجمة أبي بكر وعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز. لكن هناك تراجم اخرى عند الفسوي أطول مثل تراجم قبيصة بْنُ ذُؤَيْبٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن عتبة بن مسعود.
ويلاحظ من مقارنة تراجم التابعين من أهل المدينة ان معظم الروايات التي أوردها الفسوي لم يذكرها ابن سعد بل ذكر روايات اخرى أهملها الفسوي [١] . وهكذا فأن الكتابين يتكاملان ولا يسد أحدهما مكان الآخر.
ويهتم ابن سعد كثيرا بملابس أصحاب التراجم واستعمالهم الخضاب الى جانب مكانتهم العلمية في حين لا يهتم الفسوي بذلك بل يركز على مكانتهم في العلم واخبارهم وأحيانا علاقتهم بالسلطة.
ويختلف الفسوي عن ابن سعد من حيث اهتمامه بإيراد متون الحديث كاملة، وذكره أحيانا تعدد طرق الحديث. في حين يركز ابن سعد على الأخبار. كما أن كثيرا من الأحاديث التي أوردها الفسوي خلال التراجم ترقى الى درجة الحديث الصحيح والحسن، وقد خرجت الكتب الستة أو أحدها معظمها، مما يدل على انتقاء الفسوي لهذه الأحاديث، وأعانه على ذلك قدم سماعه وسعة مروياته عن شيوخه الكثيرين وتمكنه من الحديث رواية ودراية، وقد تعقب أسانيد بعض الأحاديث وحكم لها بالصحة، ومع ذلك فلا يخلو كتابه من أحاديث ضعيفة وبعض الأحاديث الموضوعة، لكن ذلك قليل إذا قورن بما في «تاريخ بغداد» للخطيب أو بما في «حلية الأولياء» لابي نعيم.
_________________
(١) قارن مثلا تراجم القاسم بن محمد وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله بن عمر وقبيصة بن ذؤيب.
[ ١ / ٥٣ ]
ومما يزيد من أهمية كتاب الفسوي إيراده لتراجم بعض التابعين من أهل المدينة ممن سقطت تراجمهم في النسخة المطبوعة من طبقات ابن سعد مثل ترجمة ابن شهاب الزهري [١] .