من المسهب أَن أَبَاهُ كَانَ يَبِيع الْحِنْطَة بقرطبة وَنَشَأ هَذَا الْأَعْمَى نشأة أعانته على أَن بلغ غَايَة من الْعلم الحَدِيث وَالْعلم الْقَدِيم وَكَانَ بَنو ذكْوَان هم الَّذين كفوه مؤونة الدَّهْر وفرغوه للاشتغال بِالْعلمِ وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ الْمنطق حَتَّى اتهمَ فِي دينه وَنفي عَن قرطبة وَله فِي فراره واستقراره بالجزيرة الخضراء تَحت كنف أميرها مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن حمود قصيدة مِنْهَا
[ ١ / ١٢١ ]
.. تفرغت من شغل الْعَدَاوَة والظعن وصرت إِلَى دَار الْإِقَامَة والأمن
أمقتولة الأجفان من دمع حزنها افيقي فَإِنِّي قد أَفَقْت من الْحزن
وَمَا عَن قلى فَارَقت تربة ارضكم وَلَكِنِّي أشفقت فِيهَا من الدّفن
قَالَ وَكَفاك من شعره قَوْله من قصيدة فِي عَليّ بن حمود الْعلوِي راحت تذكر بالنسيم الراحا وطفاء تكسر للجنوح جنَاحا
مرت على التلعات فاكتست الربى حللًا أَقَامَ لَهَا الرّبيع وشاحا
فَانْظُر إِلَى الرَّوْض الأريض وَقد غَدا يبكي الغوادي ضَاحِكا مرتاحا
والنور يبسط نَحْو ديمتها يدا أهدي لَهَا ساقي الندى أقداحا
وتخاله حييّ الحيا من عرفه بدكيه فَإِذا سقَاهُ فاحا
روض يحاكي الفاطمي شمائلًا طيبا ومزن قد حَكَاهُ سماحا
وَمن نثره زففتها إِلَيْك بنت لَيْلَتهَا عذراء وجلوتها عَلَيْك كَرِيمَة فكرها حسناء تتلفع بحبرة حبرها وتتبجتر فِي شعار شعرهَا مؤتلف بَين رقها ومدادها ومجتمع فِي بياضها وسوادها اللَّيْل إِذا عسعس وَالصُّبْح إِذا تنفس
وَذكر أَن الْوَزير بكر بن ذكْوَان مرض لَهُ ولد جميل طبه ابْن الحناط فَلَمَّا خلا بِهِ يَوْمًا سَأَلَهُ عَن حَاله فضجر الْغُلَام من طول الْعلَّة فَقَالَ أعرف وَالله دَوَاء يريحك قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ تقبلني وآتيك بِهِ فاغتاظ الْغُلَام ثمَّ سهل عَلَيْهِ ذَلِك التمَاس الرَّاحَة فَقبله وَقَامَ ليَأْتِيه بالدواء فَقَالَ عمدته خِيَار شنبر وَهَا هُوَ حَاضر وكشف عَن وَقد قَامَ فاغتاط الْغُلَام وضربه بزبدية كَانَت أَمَامه فَخرج هَارِبا وَبَلغت الْحِكَايَة أَبَاهُ فَضَحِك مِنْهَا وتمثل كَيفَ يَرْجُو الْحيَاء مِنْهُ جليس وَمَكَان الْحيَاء مِنْهُ خراب
[ ١ / ١٢٢ ]
وَقيل لَهُ كَيفَ كَانَ هِشَام المعتد فَقَالَ يَكْفِي من الدّلَالَة على اخْتِيَاره أَنه استكتبني وَاتخذ ابْن شَهِيد جَلِيسا وَكَانَ ابْن الحناط أعمى وَابْن شَهِيد أَصمّ
وَمن المتين لِابْنِ حَيَّان وَفِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة نعى إِلَيْنَا أَبُو عبد الله بن الحناط الشَّاعِر الأديب الْقُرْطُبِيّ بَقِيَّة الأدباء النحارير فِي الشّعْر هلك بالجزيرة الخضراء فِي كنف الْأَمِير مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن حمود وَكَانَ من أوسع النَّاس علما بعلوم الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَسَائِر التعاليم وَوَصفه بِفساد الدّين وَأَنه ولد أعشى الحملاق ثمَّ طفى نور عَيْنَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ بعد الْقِرَاءَة الْكَثِيرَة فازداد براعة وَكَانَ يتطبب عِنْده الْمُلُوك والخاصة وَقَالَ فِي وَصفه ابْن بسام زعيم من زعماء الْعَصْر وَرَئِيس رُؤَسَاء النّظم والنثر وَبَينه وَبَين أبي عَامر بن شَهِيد مناقضات نظمًا ونثرًا أشرقت أَبَا عَامر بِالْمَاءِ وَأخذت عَلَيْهِ بفروج الْهَوَاء وَمِمَّا أنْشدهُ لَهُ قَوْله فِي مُخَاطبَة المظفر بن الْأَفْطَس ملك بطليوس كتبت على الْبعد مستجديًا لعلمي بأنك لَا تبخل
فجَاء الرَّسُول كَمَا اشتهي وَقد سَاق فَوق الَّذِي آمل
وَمَا كَانَ وَجهك ذَاك الْجَمِيل ليفعل غير الَّذِي يجمل
وَقَوله من قصيدة فِي عَليّ بن حمود لوينا بأعناق الْمطِي إِلَى اللوى وَقد علمتنا البث تِلْكَ المعالم
سقى منبت اللَّذَّات مِنْهَا ابْن هَاشم إِذا انهملت من راحتيه الغمائم
إِمَام أَمَام الدّين حد حسامه طرير وَمِنْه فِي يَد الله قَائِم
[ ١ / ١٢٣ ]
ويزهر فِي يمناه زهر من الظبا لَهُ من رُءُوس الدارعين كمائم
بِكُل خَمِيس طبق الأَرْض مقعه وضيق مسراه الجلاد الصلادم
كَأَن مثار النَّقْع إثمد عينه وأشفار جفنيه الشفار الصوارم
وَقَوله من قصيدة فِي الْقَاسِم بن حمود يذكر فِيهَا خيران الصقلى وَقتل النرتضى المرواني لما هزمهما صنهاجة على غرناطة لَك الْخَيْر خيران مضى لسبيله وَأصْبح ملك الله فِي ابْن رَسُوله
وَفرق جمع الْكفْر وَاجْتمعَ الورى على ابْن حبيب الله بعد خَلِيله
وَقَامَ لِوَاء النَّصْر فَوق ممنع من الْعِزّ جِبْرِيل إِمَام رعيله
وأشرقت الدُّنْيَا بِنور خَليفَة بِهِ لَاحَ بدر الْحق بعد أفوله
فَلَا تسْأَل الايام عَمَّا انت بِهِ فَمَا زَالَت الْأَيَّام تَأتي بسوله
عُلَمَاء التنجيم