من المقتبس أَنه كَانَ نَسِيج وَحده مجموعًا لَهُ من الْخِصَال النبيلة مَا فرق فِي عمر من جَمِيع التعاليم وَالْأَدب وَالشعر والنثر وَكَانَ لطيفًا حلوًا
[ ١ / ١٢٤ ]
يغلب على قلب من شَاهده وَصَحب عبد الرَّحْمَن قبل السلطنة أَيَّام وَالِد الحكم وَلما صَار الْأَمر إِلَيْهِ وفى لَهُ ونادمه
وَذكر عبَادَة أَنه كَانَ قد بشر عبد الرَّحْمَن بِأَن الْأَمر سيصير إِلَيْهِ من جِهَة التنجيم فَلَمَّا كَانَ ذَلِك أحسن جزاءه وأجرى عَلَيْهِ رزقا للشعر وَرِزْقًا للتنجيم وَكَانَ أَيَّام تمكن نصر الخصى من عيد الرَّحْمَن يقل زِيَارَة مُحَمَّد ابْن عبد الرَّحْمَن فَلَمَّا هلك نصر قَالَ شعرًا مِنْهُ لَئِن غَابَ وَجْهي عَنْك إِن مودتي لشاهدة فِي كل يَوْم تسلم
وَمَا عاقني إِلَّا عَدو مسلط يذل ويشجي من يَشَاء ويرغم
وَلم يستطل إِلَّا بكم وبعزكم وَمَا بنبغي أَن يمنح الْعِزّ مجرم
فنحمد رَبًّا سونا بهلاكه فَمَا زَالَ بِالْإِحْسَانِ والطول ينعم
وَذكر عبد الله النَّاصِر فِي كتاب العليل والقتيل أَن الْأَمِير عبد الرَّحْمَن قَالَ يَوْمًا لِابْنِ الشمر على الشَّرَاب مَا فعلت غفيرتك الَّتِي كَانَت جرداء قد صَارَت أخياطها كالعروق فَقَالَ عملت مِنْهَا لفائف لبغيلك الْأَشْهب وَكَانَ حِينَئِذٍ الْأَمِير عبد الرَّحْمَن لَيْسَ لَهُ مَا يركب إِلَّا البغيل الْمَذْكُور لِأَنَّهُ كَانَ مضيقًا عَلَيْهِ فِي زمَان وَالِده وَكَانَ لَهُ أَخ مرشح للسلطنة وَلم تتسع حَاله حَتَّى هلك أَخُوهُ
وَذكر الرَّازِيّ أَن عبد الرَّحْمَن خرج مرّة لصيد الغرانيق الَّتِي كَانَ مُولَعا بهَا فأبعد وَكَانَ الشتَاء فَقَالَ ابْن الشمر شعرًا مِنْهُ لَيْت شعري امن حَدِيد خلقنَا ام نحتنا من ضخرة صماء
كل عَام فِي الصَّيف نَحن غزَاة والغرانيق غزونا فِي الشتَاء
إِذْ نرى الأَرْض والجليد عَلَيْهَا وَاقع مثل شقة بَيْضَاء
وَكَأن الأنوف تجدع منا بالمواسى لزعزع ورخاء ٠
[ ١ / ١٢٥ ]
.. نطلب الْمَوْت والهلاك بإلحا
ح كأنا نشتاق وَقت الفناء
وَبدر مِنْهُ مَا أوجب سجنه فَكتب إِلَيْهِ شعرًا مِنْهُ قل لمن أَمْسَى بِأَرْض ال غرب لِلْخلقِ ربيعا
لَا يضيق لي مِنْك مَا قد وسع النَّاس جَمِيعًا
وَذكر ابْن حَيَّان أَن الْأَمِير عبد الرَّحْمَن كَانَ مصغيًا لأحكام التنجيم وَلم يكن عِنْده فِي المنجمين مثل ابْن الشمر وغض يَوْمًا من علم المنجمين وَقَالَ إِنَّه مخرقة ورجم بِالْغَيْبِ فَأَرَادَ ابْن الشمر أَن يُقيم لَهُ برهانا على صِحَّته بَان قَالَ الامير اختبر فِي مقامك بِمَا شتئت فَقَالَ إِن أنبأتني على أَي بَاب من أَبْوَاب هَذَا الْمجْلس أخرج فِي قيامي صدقت بعلمك فَكتب ابْن الشمر فِي ورقة مختومة مَا اقْتضى لَهُ الطالع ودعا الْأَمِير من فتح لَهُ بَابا مُحدثا فِي غارب الْمجْلس الَّذِي يَلِي مَقْعَده ثمَّ خرج مِنْهُ وَترك الْخُرُوج من أَبْوَاب الْمجْلس الْأَرْبَعَة وَفتح الورقة فَوجدَ فِيهَا مَا فعله الْأَمِير فتعجب وَوَصله وَنزل بفحص السرادق أَعلَى قرطبة وَقد قفل من غزَاة مزعما على الدُّخُول إِلَى قرطبة صَبِيحَة غده فِي تعبئة كَامِلَة فَقَالَ لَهُ ابْن الشمر لتعلم أَنَّك مغلوب على ذَلِك وَلَا بُد لَك اللَّيْلَة من الْمُبين فِي قصرك فَقَالَ وَالله لأدخلنه فَقَالَ وَالله لتدخلنه مكْرها ولأكونن فِي هيئتي شبهك فِي طريقك إِلَيْهِ وسوف ترى فَغَضب ووكل بِهِ وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم مشمسًا صائفًا فَمَا هُوَ إِلَّا أَن دنا الْمسَاء فانهمل من الْمَطَر وهب من الرّيح مَا ضج لَهُ النَّاس وتداعوا للدخول لقرطبة وَلم يجد الْأَمِير بدا من مبادرة قصره وَركب فِي نفر من خاصته وَابْن الشمر إِلَى جَانِبه يسايره فوطئت دَابَّة ابْن الشمر مسمارا فَلم تنهض أَمر لَهُ بفرس من جنائبه بسرجه ولجامه فَرَكبهُ
[ ١ / ١٢٦ ]
وشكا نُفُوذ المَاء لغفارته الَّتِي كَانَ يتوفاه بهَا ووصوله إِلَى جسده أَمر لَهُ الْأَمِير بممطر خَز من مماطره وقنزعة من قنازعه صبا عَلَيْهِ فَاسْتَوَى والأمير فِي لبوسه وَمضى يسايره فَلَمَّا نزل قَالَ لَهُ يَا مولَايَ كَيفَ رَأَيْت قولي فَقَالَ انْطلق بِمَا عَلَيْك وتحتك والصلة لاحقة بك وَكتب ابْن الشمر فِي الْحِين رقْعَة فِيهَا تحرّك حِين حركه لوقت إيابه الْقدر
فيا من دونه الحجا ب والأستار وَالْحجر
لَئِن كنت امْرَءًا تخشى بَوَادِر زَجره الْبشر
فَمَا يخشاك بهْرَام وَلَا زحل وَلَا الْقَمَر
وَجعله الحجاري رَئِيس المنجمين بالأندلس إِلَى مَا حباه الله بِهِ حسن الْخلال الَّتِي بِأَقَلِّهَا يبلغ الْكَمَال
عُلَمَاء الموسيقى