كَانَ عِنْدِي من الشُّعَرَاء ثمَّ وقفت على ذكره فِي خطّ الصاحب كَمَال الدّين بن أبي جَرَادَة وَوَصفه بِأَنَّهُ كَانَ مقرئًا نحويًا وَأَنه سمع الحَدِيث بقرطبة على أبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عتاب وَدخل حلب وأقرأ بهَا ورحل إِلَى الْموصل وَدخل أصفهان وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَسبعين وَخَمْسمِائة بالموصل وَذكر ابْن عَسَاكِر أَنه توفّي يَوْم الْجُمُعَة سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَأنْشد لَهُ الصاحب عرج على منزل الأحباب يَا حادي ببا ابزر حَيْثُ الْكَوْكَب الْهَادِي
لَعَلَّنَا نَلْتَقِي لَيْلًا بهم وَعَسَى نلقي إِلَيْهِم حَدِيثا لَيْسَ بالبادي
يَا حادي العيس لَا تعجل وَهَا كَبِدِي ودمع عَيْني عَن مَاء وَعَن زَاد
٦٨ - أَحْمد بن مَسْعُود بن مُحَمَّد الخزرجي الْقُرْطُبِيّ
ذكر لي أَنه من شعراء قرطبة الَّذين رحلوا إِلَى الْمشرق وأنشدت لَهُ من لي بِهِ ذُو صلف زَائِد يمطلني ناظره ديني
وَكلما وافيته طَالبا ألفيته منكسر الْعين
[ ١ / ١٣٥ ]
ثمَّ وقفت على ذكره فِي خطّ الْكَمَال بن الشعار المؤرخ مَوْصُوفا بالتفنن فِي الْعُلُوم الْكَثِيرَة وَأَنه صنف كتبا فِي الطِّبّ والنحو وأصول الدّين وَكَانَ شافعيًا وَسكن دنيسر وانتفع بِهِ أَهلهَا وَبهَا مَاتَ سنة إِحْدَى وسِتمِائَة
قَالَ وأنشدني لَهُ أَبُو الْحسن عَليّ بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن الصفار المارديني الْكَاتِب الشَّاعِر بإربل قَالَ أَنْشدني أَبُو الْعَبَّاس الخزرجي لنَفسِهِ وَفِي الوجنات مَا فِي الرَّوْض لَكِن لرونق زهرها معنى عَجِيب
وأعجب مَا التَّعَجُّب مِنْهُ أَنِّي أرى الْبُسْتَان يحملهُ قضيب
وَقَوله ونمت بِنَا فِي اللَّيْل أنوار وَجهه فَمد علينا من ذوائبه سترا
٦٩ - أَبُو الْحسن عَليّ بن يُوسُف بن خروف الْقُرْطُبِيّ
شَاعِر مَشْهُور فِي الغرب والشرق مدح بسبتة ملكهَا إِدْرِيس بن يُوسُف ابْن عبد الْمُؤمن بقصائد مِنْهَا قَوْله من قصيدة فِي وصفهَا خُذْهَا إِلَيْك عروسًا لَا كفاء لَهَا تزيد جدَّتهَا مَا دَامَت الحقب
عذراء أخجلها مَا فِيك من عظم حَتَّى لكادت من العلياء تنتقب
إِن لم تكن أحرزت من رَبهَا حسبًا فَإِن مدحك فِي أَثْنَائِهَا حسب
[ ١ / ١٣٦ ]
ومدح بمراكش وزيرها أَبَا سعد بن جَامع بقصيدة مِنْهَا ضمنت لعَيْنِي يَوْم لحت لأفقها بِأَن لَا ترى وَجها من الدَّهْر يسود
وَمن مَشْهُور شعره قَوْله لَا تظهرن صفاء وَلَا لمن تصطفيه
لَوْلَا صفاء زجاج لم ينظر الْبَوْل فِيهِ
وَقَوله وَكَانَ غَرِيب الْحسن قبل عذاره فَلَمَّا التحى صَار الْغَرِيب المصنفا
وَقَوله وَهُوَ من المرقصات فِي راقص ومنوع الحركات يلْعَب بالنهى لبس المحاسن عِنْد خلع لِبَاسه
متأودًا كالغصن وسط رياضه متلاعبًا كالظبي عِنْد كناسه
بِالْعقلِ يلْعَب مُقبلا أَو مُدبرا كالدهر يلْعَب كَيفَ شَاءَ بناسه
وَيضم للقدمين مِنْهُ رَأسه كالسيف ضم ذبابه لرئاسه
وَأنْشد لَهُ صَفْوَان فِي زَاد الْمُسَافِر فِي غُلَام ضَربته قَوس فِي فَمه لَا زرت يَا زوراء كف حلاحل يَوْم الْهياج وَلَا رميت نبالًا
نازعت عِنْد الرمى مقلة شادن تصمى الْقُلُوب وَلَا تغب نزالًا
فقرعت مبسم ثغره حسدًا لَهُ لما غَدا بَدْرًا وَكنت هلالا
فبدت جمانة سنة مرْجَانَة وَغدا قراح رضابه جريالا
[ ١ / ١٣٧ ]
وَقَوله بني الْمُغيرَة لي فِي حيكم رشأ ظلال سمركم تغنيه عَن سمر
يزهى بِهِ فرس الْكُرْسِيّ من بَطل بإبرة هِيَ مثل الهدب من شفره
كَأَنَّهَا فَوق ثوب الْخَزّ جائلة شهَاب رجم جرى والنجم فِي أَثَره
وَقَوله مَا راق غير طرف قصر فِي الْعَدو بالظليم
ذى نقط كَالنُّجُومِ تبدو فِي جنح ليل لَهُ بهيم
وَقَوله تبلج صبح الذِّهْن عِنْدِي نيرًا فغارت من الْأَمْوَال شهب عواتم
وَلَو كَانَ ليل الْجَهْل عِنْدِي حالكًا للاحت بِهِ مثل النُّجُوم الدَّرَاهِم
وأنشدت لَهُ مثلي يُسمى أريبًا مثلي يُسمى أديبًا
مَتى وجدت كثيبًا غرست فِيهِ قَضِيبًا
وَلَا أُبَالِي خصيبا لاقيته أم جديبا
واستدعاه ابْن لهيب لدَعْوَة لم يرضها فَقَالَ دَعَاني ابْن لهيب دُعَاء غير نبيه
إِن عدت يَوْمًا إِلَيْهِ فوالدي فِي أَبِيه
وَقَالَ فِي حلب شعرًا مِنْهُ حلبت الدَّهْر أشطره وَفِي حلب صفا حَلَبِيّ
[ ١ / ١٣٨ ]
وَقدر أَن منيته كَانَت فِي حلب بقلعتها وَقد حضر فِي لَيْلَة لسَمَاع الْوَاعِظ تَاج الْعلَا الشريف فَخرج للإراقة فَسقط فِي جب طَعَام فَمَاتَ فِيهِ فِي سنة عشر وسِتمِائَة
وَكَانَ قد مدح أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عَيَّاش كَاتب الحضرة بمراكش فَأعْطَاهُ شَيْئا لم يرضه فاغتاظ ورده وَقَالَ مدحت ابْن عَيَّاش فجدد لي الَّذِي حباني بِهِ مَا قد تناسيت من كربي
رددت إِلَيْهِ عظمه لأسره وَأَقْبَلت أمحو كل مَا كَانَ فِي قلبِي
وأصبحت أسمو للمشارق طالعًا لِأَنِّي رَأَيْت الشَّمْس تنحط فِي الغرب
ورحل إِلَى الْمشرق