ونجد في التوراة أن أبناء "كوش": "سبا، وحويلة، وسبتة، ورعمة، وسبتكا"، وأن "شبا وددان" هما ابنا "رعمة"، و"كوش" هو ابن "حام"، والمراد بأبناء "كوش" الحبش وسكان "نوبيا" وهم سود١.
أما الأسماء المذكورة، فهي أسماء قبائل وأرضين عربية معروفة؛ لذلك حار علماء التوراة في تفسير الأسباب التي حملت كتبة التوراة على جعل تلك الأسماء أسماء أولاد لكوش؛ فرأى بعضهم أنها كناية عن قبائل عربية هاجرت من جزيرة العرب إلى السواحل الإفريقية المقابلة واستقرت في إفريقيا منذ أزمنة قديمة وكوَّنت لها مستوطنات وربما حكومات هناك، واندمج نسبها في أرض إفريقيا، فعُدَّت من شعوبها، فلما دون أهل الأنساب العبرانيون أنساب البشر في أيامهم عدوها من شعوب إفريقيا بحسب إقامتها، وأدخلوها في أبناء "كوش"، أي في أبناء تلك المنطقة التي أقاموا فيها. وذهب بعض آخر إلى أن "الكوشيين" المذكورين لم يكونوا من إفريقيا، بل من جزيرة العرب، ورأوا وجود "كوش" أخرى في جزيرة العرب أصحابها هم القبائل العربية المذكورة٢. واستدلوا على ذلك بما جاء في "أخبار الأيام الثاني": "وأهاج الرب على يهورام روح الفلسطينيين والعرب الذين بجانب "الكوشيين"٣" حيث يفهم من هذه الآية أن العرب المذكورين الذين عادوا "يهورام" كانوا يجاورون "الكوشيين"، ويقتضي ذلك على زعمهم وجود "كوش" أخرى هي "كوش عربية"،، وإياها قصد "سفر التكوين" في هذا المكان٤.
_________________
(١) ١ التكوين، الإصحاح العاشر، الآية ٧ وما بعدها، قاموس الكتاب المقدس "٢/ ٢٧٨". ٢ hastings، p. ١٧١ ٣ الإصحاح الحادي والعشرون، الآية ١٦. ٤ hastings، p. ١٧١
[ ٢ / ١١٠ ]
أما "سبأ"، وقد ذكر الاسم بالسين في هذا الموضع من التوراة، فإنه اسم شهير معروف، هو شعب سبأ. وتصور التوراة وجود "سبأ" في "كوش" يشير إلى انتشار السبئيين في إفريقيا، ووقوف العبرانيين على ذلك. وعندي أن ذكر السبئيين مرة بـ"شبا" أي: بالشين المعجمة، ومرة بالسين المهملة، إنما وقع من كتبة الأسفار، كتبوه بالشين على وفق النطق العبراني، وكتبوه بالسين على نحو ما ينطق به في العربية، فظهر الاسم وكأنه اسم شعبين متباينين، ولا سيما في الموضع المذكور، حيث ظهر اسم "سبا" بالسين، ابن من أبناء "كوش"، بينما ظهر بالشين أي: "شبا" ابن من أبناء رعمة وشقيق لـ"ددان" على حين ورد بالشين أيضا في أولاد يقطان. والظاهر أن المورد الذي استقى منه كتبة الأسفار هذه الأسماء سموها بالشين من إخوانهم العبرانيين الذين كانوا على اتصال بالسبئيين، وذلك على وفق نطقهم، وقد كان هؤلاء السبئيون من سكان اليمن وأعالي الحجاز، فأطلقها عليهم بحسب نطق العبرانيين بها، وسمع عن السبئيين الآخرين وهم من دعاهم بـ"الكوشيين" من العرب، فضبطها بالسين، وفرَّق بين الأنساب على طريقة العبرانيين من نسبة الأقوام إلى المواضع التي يقيم من ينسبونهم بها.
وأما "حويلة"، فقد تحدثت عنها في كلامي على أبناء "يقطان".
وأما "سبتة" "Sabta"، فقد رأى بعض العلماء أنها قبيلة من قبائل جزيرة العرب، يجب أن تكون مواطنها بين "سبأ" و"رعمة"، ورأى آخرون أنها على ساحل الخليج١، على حين رأى آخرون أنها "Sabota" أي "شبوة" عاصمة حضرموت، ورأى "كلاسر" أنها في اليمامة٢.
وأما "رعمة" "Raamah"، فإنه والد "شبا" و"ددان" "ديدان"، ولكونه أحد أبناء "كوش" وجب البحث عن أرضه في إفريقيا، إلا أن العلماء لا يتفقون على ذلك، بل يذهب أكثرهم إلى أن "رعمة" كناية عن أرض هي في مكان ما من جزيرة العرب، في غرب الخليج العربي حيث موضع "Regma" الذي ذكره "بطلميوس"، أو في أرض
_________________
(١) ١ hastings، p. ٨٠٩، enc. Bibli. P. ٤١٨١ ٢ glaser، skizze، ٢، s. ٢٥٢، enc. Bibli. P. ٤١٨١
[ ٢ / ١١١ ]
"Rammanitae" الذي ذكره "سترابو"١، أو موضع "ركمت" "ركمات" "رجمت" "رجمات" المذكور في كتابات المسند. ويخيل إليَّ أنه كناية عن حلف ضم جماعة من السبئيين الشماليين والديدانيين ورعمة في تلك الأيام؛ ولذلك صير والدًا لشبا وددان، ثم انفصمت عراه، فذكرت "رعمة" مع "شبا" تتاجر مع "صور" "TYR" وذلك في سفر حزقيال٢، أو أنه اسم أرض في شمال غربي العربية الغربية يجاور مواضع السبئيين الشماليين والديدانيين، أو في موضع ما من سواحل الخليج٣.
وأما "سبتكا"، فلا نعرف من أمرها شيئا يذكر. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنها تحريف لفظة "سبتة"٤، ويرى "كلاسر" أنها في الأقسام الشرقية من جزيرة العرب٥.
_________________
(١) ١ قاموس الكتاب المقدس "١/ ٤٨٥"، tings، p. ٧٨٠، enc. Bibli. P. ٣٩٩٧، hommel، aht. S. ٢٤٠، montgomery، arabia، p. ٣٠، ٣٩، ٤٢، ٥٨، glaser، skizze، ٢، s. ٣٥٢، forster I p. ٥٩. ff ٢ حزقيال، الإصحاح ٢٧، الآية ٢٢. ٣ forster، I p. ٥٩. ff، skizze، ٢، s. ٢٥٢ ٤ forster، I p. ٥٩. ff. glaser، skizze، ٢، s. ٢٥٢، hastings، p. ٨٠ ٥ glaser، skizze، ٢، s. ٢٥٢، forster، ٢، p. ٥٩
[ ٢ / ١١٢ ]