وجعل الأخباريون "أميمًا" في طبقة طسم وجديس، وقالوا إنهم من نسل "لاوذ بن عمليق"١، أو "لوذ بن بن نوح"، أو ما شابه ذلك من شجرات نسب٢. وكان من شعوبهم على زعم أهل الأخبار "وبار بن أميم"، نزلوا برمل "عالج" بين اليمامة والشحر، وانهارت عليهم الرمال فأهلكتهم٣. ويزعم أهل الأخبار أن ديار "أميم" كانت بأرض فارس، ولذلك زعم بعض نسّابة الفرس أنهم من "أميم"، وأن "كيومرت" الذي ينسبون إليه هو ابن أميم بن لاوذ٤.
_________________
(١) ١ الطبري: "١/ ٢١٤، ٢١٥، ٢١٧، ٢١٩، ٢٢٠"، "١/ ٢٠٣ وما بعدها"، "دار المعارف". ٢ طبقات ابن سعد "١/ ١ ص١٩". ٣ الطبري: "١/ ٢٠٣" "دار المعارف". ٤ ابن خلدون "٢/ ٢٨".
[ ١ / ٣٤٠ ]
ولا نعرف من أمر أميم شيئا غير هذه النتف، ولم يذكر الأخباريون كيف عدّوهم من طبقة العرب الأولى إذا كانت ديارهم بأرض فارس، ولم يشرحوا لنا كذلك كيف وصلوا نسب "وبار" بأميم، وما العلاقة بينهما.
وقد ذكر الهمداني أن وبار هو شقيق "كيومرت" ويقال "جيومرت"، وقد أولدهما "أميم". وبوبار عرفت أرض "وبار"، وهي أرض أميم١.
وجاء في جغرفيا "بطلميوس" اسم شعب عربي دُعِي "lobaritai" "jobaritae" "jobabitae"، على أنه من شعوب العربية الجنوبية، ويسكن على مقربة من أرض قبيلة أخرى دعاها sachalitae، وتقطن عند خليج يدعى باسمها "sinus sachalits"٢. وهذا الاسم قريب جدًّا من اسم "وبار"، لذلك ذهب المستشرقون إلى أن "jobaritae"، وهو شعب وبار٣ أو "بنو وبار"٤. غير أن هنالك عددًا من العلماء يرون أن الاسم الأصلي الذي ورد في جغرافيا بطلميوس هو "يوباب"، غير أن النساخ قد أخطئوا في النسخ فحرفوا حرف الباء "b"، الثاني في هذا الاسم وصيّروه راء "R"، فصار الاسم بعد هذا الحريف "jobabitae"٥. فالشعب الذي قصده بطلميوس -على حد قول هؤلاء- هو "يوباب" أو يباب"، إلا أنه لا يوجد هنالك دليل قوي يثبت حدوث هذا التحريف٦.
وفي موضع ليس ببعيد عن هذا المكان الذي ذكره بطلميوس تقع أرض وبار الشهيرة، وهي بين رمال يبرين واليمن "ما بين نجران وحضرموت وما بين مهرة والشحر"، أو ما بين الشحر إلى تخوم صنعاء، وقيل: "قرية وبار كانت لبني وبار، وبين رمال بني سعد وبين الشحر ومهرة"، والنسبة إليها
_________________
(١) ١ الإكليل"١/ ٧٧"، "ولحقت أميم بأرض أباد فهلكوا بها، وهي بين اليمامة والشحر، ولا يصل إليها اليوم أحد، غلبت عليها الجن. وإنما سميت أبار بأبار بن أميم"، الطبري "١/ ٢٠٨" "دار المعارف". ٢ Forster، vol، I، P. ١٧٣. f. vol. ٢، P. ٢٧٠. Ptolemy، VI ٧، Glaser، Skizze، ٢، S. ٢٥٦. ٣ Ritter، Erdkunde، Berlin، ١٨٩٦، Bd. XIII، S. ٣١٥، Sprenger، Geographie، S. ٢٩٦. ٤ الطبري "١/ ٧٥٠" "طبعة أوروبة". ٥ Froster، vol. I، P. ١٧٧. ٦ Forster، Vol.، I، P.، ١٧٣، Vol.، ٢، P.، ٢٧٠.
[ ١ / ٣٤١ ]
"أباري"١. ونرى أن هذه النسبة قريبة من الاسم الذي ذكره بطلميوس ويدّعي "ياقوت الحموي" أنها مسماه بـ "وبار بن إرم بن سام بن نوح"٢.
وقد روت الكتب العربية قصصًا كثيرة عن "وبار"، ومن جملة الأساطير التي تروى عنها أسطورة "النسناس". وتتلخص في أنهم "من ولد النسناس بن أميم بن عمليق بن يلمع بن لاوذ بن سام"، وأنهم كانوا في الأصل بشرًا، فجعلهم الله نسناسًا، للرجل منهم نصف رأس ونصف وجه وعين واحدة ويد واحدة ورِجْل واحدة، وأنهم صاروا يرعون كما تُرعى البهائم، وأنهم يقفزون قفزًا شديدًا ويعدون عدوًا منكرًا٣. والظاهر أن لهذه القصص والأساطير أصولًا جاهلية، وقد وضع منها في الإسلام شيء كثير، ووضع معها شعر كثير على لسان ذلك "الإنسان الحيوان"، ولا يزال الناس يَرْوُونَها حتى الآن.
وقد أنكر بعض المستشرقين، وجود وبار، وزعموا أنهم من الشعوب التي ابتكر وجودها القصاص قائلين إن تلك الرمال الواسعة المخيفة هي التي أوحت إلى القصاص والأخباريين اختراع شعب "وبار" وقصص النسناس٤. والذي أراه أن هذا لا يمنع من وجود شعب بهذا الاسم، وإن كنا لا نعرف من أمره شيئًا إلا هذه القصص والأساطير. وقديمًا أنكروا وجود عاد وثمود، ثم اتّضح بعد ذلك من الكتابات وجود عاد وثمود. وهكذا قد يعثر في المستقبل على كتابات وبارية لعلها تلقي ضوءًا على حالة ذلك الشعب.
ونجد في رواية أهل الأخبار عن عمار "وبار" وكثرة زروعها ومراعيها ومياهها في الجاهلية شيئًا من الأساس؛ فقد أيّد السياح ذلك، وأثبتوا وجود أثر من آثار عمران قديم٥. وهو سند يتخذه القائلون بتطور جوّ بلاد العرب، وسطحها لإثبات رأيهم في هذا التغيير.
_________________
(١) ١ البلدان "٨/ ٣٩٢ فما بعدها"، منتخبات "ص١١٣"، "ولحقت أميم بأرض وبار فهلكوا بها، وهي بين اليمامة والشحر. ولا يصل اليوم إليها أحد، غلبت عليها الجنّ. وإنما سميت أبار بأبار بن أميم"، طبقات ابن سعد "ج١، قسم ١ص٢٠. ٢ البلدان "٨/ ٣٩٢". ٣ البلدان "٨/ ٣٩٢ فما بعدها"، الفزويني، عجائب المخلوقات "٢/ ٤١"، "طبعة وستنفلد"، المسعودي، التنبيه "ص١٨٤"، صفة "١٥٤، ٢٢٣". ٤ Sprenger Geogr. S. ٢٩٦. ٥ Enc. Vol. ٤، P. ١٠٧٧، Philby، The Heart of Arabia، vol. ٢، P. ٣٥٣.
[ ١ / ٣٤٢ ]
ولم يذهب اسم "وبار" من ذاكرة سكان العرب حتى هذا اليوم. فهم يَرَوْن أن في الربع الخالي موضعًا منكوبًا هو الآن خراب، هو مكان "وبار". وقد قاد بعض الأعراب "فلبي" إلى موضع في الربع الخالي، قال له عنه إنه مكان "وبار" المدينة التي غضب الله عليها، فأنزل بها العقاب، وصارت خرابًا. وقد تبين ل "فلبي" أن ذلك الوضع هو فوهة بركان، قذف حميمًا، فبانت الأرض المحيطة به وكأنها خرائب تولدت من حريق١. وتحدث أعراب آخرون للسائح "برترام توماس" عن مكان آخر يقع في جنوب شرقي هذا الموضع بمسافة "٢٠٠" ميل، قالوا له إنه مكان "وبار" المدينة المفقودة المنكوبة كما عثر رجال شركة "أرامكو" على موضع في البادية وذلك في سنة ١٩٤٤، زعم لهم الأعراب أنه مكان وبار مما يدل على أن الأعراب يطلقون اسم وبار على مواضع عديدة تقع في البوادي. والبوادي أنسب مكان يليق في نظرهم بأن يكون موطن وبار٢.
_________________
(١) ١ Philby، The Empty Quarter، P. ١٦٥، R. H. Sanger، The Arabian Peninsula، P. ١٢٦، ١٣٢. ٢ Sanger، The Arabian Peninsula، P.، ١٣٢.
[ ١ / ٣٤٣ ]