وولد معد بن عدنان عددًا من الأولاد، جعلهم بعض الأخباريين أربعة، هم: نزار بن معد، وقضاعة بن معد، وقنص بن معد، وإياد بن معد١. وجعلهم بعض آخر أكثر من ذلك، إذ أضافوا إلى المذكورين عبيد الرماح بن معد، وقد دخل أبناؤه في "بني مالك بن كنانة"، والضحاك بن معد، قالوا: أغار على بني إسرائيل٢، وقناصة بن معد، وسنامًا، وحيدان، وحيدة، وحيادة، وجنيدًا، وجنادة، والقحم، والعرف، وعوفًا، وشكًّا، وأمثال ذلك٣.
وزعموا أن الإمارة كانت لقنص بعد أبيه على العرب، وأراد إخراج أخيه نزار من الحرم، فأخرجه أهل مكة، وقدموا عليه نزارًا٤.
ويُخرج بعض أهل الأخبار "قضاعة" من صُلب معد، فيضيفها إلى القحطانيين، على حين نرى فريقًا آخر من النسابين ومن ورائهم القضاعيون يعدون أنفسهم من أقدم أبناء معد، فيقولون: قضاعة بن معد، وبه كان يكنى معد٥، أي: إنهم أقدم أبناء معد، ويروون في ذلك شعرا من أشعار قضاعة في الجاهلية وبعد الجاهلية٦، وفي كل ذلك أثر التعصب القبلي الذي كان يتحكم في النفوس، ويظهر في النسب. ويذكر النسابون الذين يرجعون نسب قضاعة إلى حمير أنها من نسل قضاعة بن مالك بن حمير بن سبأ كما رأيت٧.
ونرى "الكُميت" يعير قضاعة ويهجوها بانتمائها إلى اليمن، وادعائها أنها من "قضاعة بن مالك بن حمير"، وإنما هو "قضاعة بن معد بن عدنان"٨.
_________________
(١) ١ ابن هشام "١/ ٧"، وأكثر النسابين على أن إيادًا من نسل نزار بن معد، التنبيه "ص٢٩"، سبائك الذهب "ص٢٠"، البلاذري، أنساب، "١/ ١٣". ٢ ابن حزم، جمهرة "ص٨"، اللسان "٨/ ٣٥٢"، ابن خلدون "٢/ ٣٠٠". ٣ الطبري "١/ ٦٧١" "٢/ ١٩٠"، "طبعة أوروبا" الطبقات "جـ١، ق١، ص٣٠" "١/ ٥٨" "طبعة بيروت"، ابن حزم، جمهرة "٩" البلاذري، أنساب "١/ ١٣"، ابن خلدون "٢/ ٣٠٠". ٥ الطبقات "جـ١، ق١، ص٣٠"، "١/ ٥٨" "طبعة بيروت". ٦ نسب قريش "ص٥". ٧ المعارف "ص٢٩"، نسب قريش "ص٥". ٨ رأيتكم من مالك وادعائه كرائمة الأوتاد من عدم النسل وحظك من قحطان إن كنت منهم ومن مالك حظ البغي من الحمل المعاني الكبير "١/ ٥٢٤".
[ ٢ / ٤٣ ]
وقد شبهها بالرئال لمفارقتها نزارًا، وانتقالها إلى اليمن١.
ويشير اختلاف النسابين هذا في نسب قضاعة إلى اختلاط قبائل قضاعة بقبائل معد وبقبائل اليمن، فانتمى قسم منهم إلى معد، وقسم منهم إلى اليمن، ومن هنا وقع هذا الاختلاف. وأرى أن لاختلاط قبائل قضاعة في بلاد الشام وفي أماكن أخرى بقبائل ترجع نسبها إلى قحطان دخلًا في إدخال نسبها في اليمن. وقد يكون ذلك في العصر الأموي بصورة خاصة، حيث صار نزاع قيس وكلب، أي: نزاع عدنان واليمن نزاعا سياسيا عنيفا، قسم عرب بلاد الشام إلى جماعتين متباغضتين، تسعى كل جماعة لضم أكثر ما يمكن من القبائل إليها، ولا سيما القبائل القوية المهمة مثل قضاعة، فأدخلها اليمانيون لذلك فيهم وألحقوا نسبها باليمن. أما قضاعة الباقون الذين كانوا في أرضين أخرى، فلم يقع عليهم مثل هذا التأثير، وقد كانوا أكثر استقلالًا، وعلى اتصال متين بالعدنانيين؛ ولهذا أبوا إلحاق نسبهم بقحطان.
وإذا غربلنا أخبار الأيام وبعض الروايات التي يرويها أهل الأخبار، فإننا نتوصل منها إلى أن قضاعة كانت قد اشتركت مع ربيعة ومعدّ في محاربة "يمن"؛ فقد ذكر مثلًا: أن "عامر بن الظرب العدواني" قاد ربيعة ومضر وقضاعة كلها "يوم البيداء" لليمن، حين تمذحجت على بني معد٢، وذكر أن "ربيعة بن الحارث بن زهير التغلبي" قاد مضر وربيعة وقضاعة يوم السلان إلى أهل اليمن، وأن ابنه "كليب بن ربيعة"، وهو "كليب وائل" قاد ربيعة ومضر وقضاعة يوم "خرازى" إلى اليمن٣. ولعل في هذه الأمثلة وفي غيرها تأييدًا لرأي غالب قضاعة وبقية النسابين الذين يرجعون نسب قضاعة إلى بني معد، أي: إنها كانت في حلف مع ربيعة ومضر، وهما من بني معد. ولما كانت ربيعة ومضر في نزاع مع اليمن، كانت قضاعة معهما في هذا النزاع.
وتذكر "قضاعة" في الأخبار مع "مضر" و"ربيعة" و"اليمن"٤، وهذا
_________________
(١) ١ فلما استرألت حسبت سواء مفارقة الرعيل إلى الرعيل المعاني الكبير "١/ ٣٥٣". ٢ المحبر "ص٢٤٦". ٣ المحبر "ص٢٤٩". ٤ المحبر "ص١٤٤".
[ ٢ / ٤٤ ]
يدل على أنها كانت في منزلة المذكورين في الكثرة والمكانة، وقد عدت في قبائل "الحلة" من العرب ما خلا علافًا وجنابًا١. وأهميتها هذه وكثرة عددها، دفعت العدنانيين والقحطانيين إلى ضم نسب قضاعة إليهم؛ لما كان في هذا الضم من أثر كبير في تقوية مركز أحد الطرفين.
ويذكر "ابن سعد" أن ولد "معد" تفرقوا في غير بني معد سوى "نزار"٢ وقد أدرك "ابن سعد" وأمثاله ذلك من اختلاطهم باليمانيين، الأمر الذي أدى إلى تداخل النسب، فصارت أنسابهم لذلك مترجحة بين قحطان وعدنان.
_________________
(١) ١ المحبر "ص١٧٩". ٢ الطبقات: "١/ ٥٩".
[ ٢ / ٤٥ ]